التغافل… خُلُقٌ نبوي
بقلم: د. محمد السقا عيد
التغافل خُلُقٌ رفيع من أخلاق الإسلام، ودليل على سموّ النفس ورجاحة العقل، وهو لا يعني الجهل بالخطأ أو السكوت عن الباطل، وإنما هو تجاوزٌ مقصود عن الهفوات، وتركٌ لما لا يترتب عليه فساد في الدين أو ضرر في الحقوق، ابتغاءً لرضا الله، وحفاظًا على القلوب من القسوة، والعلاقات من التصدّع.
وقد جسّد النبي ﷺ هذا الخُلُق في مواقفه كلها، فكان يتغافل عن زلات أصحابه، ولا يواجه المخطئ بفضيحة، بل يُصلح بالرفق والحكمة. ومن ذلك أنه ﷺ كان إذا بلغه عن أحد أمرٌ يكرهه قال دون تسمية أو تشهير، ليعلّم ويُقوّم دون كسرٍ أو أذى: “ما بال أقوامٍ يقولون كذا وكذا”.
والتغافل في الإسلام ليس ضعفًا، بل هو قوة نابعة من ضبط النفس، وقدرة على التمييز بين ما يُتجاوز عنه وما يجب الوقوف عنده. فليس كل خطأ يُحاسَب عليه، ولا كل زلة تستحق الخصومة، خاصة في شؤون المعاشرة بين الناس، حيث تكثر الهفوات وتتنوع الطبائع.
وقد حثّ الإسلام على هذا الخلق العظيم لما فيه من آثار طيبة، فهو يطفئ نار العداوة، ويزرع المودة، ويجلب راحة القلب وصفاء النفس. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “تغافلْ عن الشرّ يُطفِئه”. وفي ذلك دعوة صريحة إلى الحكمة في التعامل، وعدم تضخيم الصغائر.
غير أن التغافل المحمود له ضوابط، فلا يكون في حدود الله، ولا في ظلمٍ واقع، ولا في حقٍّ يُهدر، وإنما يكون فيما عدا ذلك من شؤون الدنيا والعلاقات، حيث يكون التجاوز أولى من الشقاق، والصبر أنفع من الجدال.
وفي الختام، فإن التغافل خُلُق إيماني راقٍ، يحتاج إلى مجاهدة للنفس، واستحضار للأجر، وفهمٍ عميق لمقاصد الشريعة. ومن تحلّى به نال محبة الله، وكسب قلوب الناس، وعاش في سلامٍ داخلي يعينه على الثبات والرضا.