نحو استعادة بناء الحضارة انطلاقاً من “الكلمة في القرآن”
هبة صباهي
نحو استعادة بناء الحضارة انطلاقاً من “الكلمة في القرآن”
أ. هبة صباهي
ماجستير التفسير وعلوم القرآن جامعة قطر
مساعد باحث في الذكاء الاصطناعي جامعة حمد بن خليفة.
تجلت حكمة الله ورحمته بعباده بجعل كلماته، سبحانه جل وعلا، وسيلة للهدى والبيان، فكان أول العهد مع أبينا آدم عليه السلام من ربه كلمات ﴿فتلقى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 38]، وابتُلي إبراهيم بكلمات ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124]، لتكون هذه الكلمات مقياسًا للحق والعدل، ووسيلة لتثبيت الإيمان في النفوس. وكلمات الله ثابتة لا تتغير ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 34]، و﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [يونس: 82]، فهي صادقة دائمًا، محققة للواقع، غير محدودة بزمن أو مكان، ولا تنفد أبدًا، ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: 27]، والمؤمنون يقفون أمام هذه الكلمات بإجلال وصدق؛ مقتدين بالنبي الأمي ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: 158] الذي يحتكم إليها، ويُصدّق ما فيها من حقائق، وكذا فعلت مريم الصدّيقة ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ [التحريم: 12]. فالمؤمن يتخذ من كلمات الله سبحانه معيارًا للسلوك والاعتقاد، ودليلًا على الصدق والعدل الإلهي، فيثبت قلبه عليها، ويحرص على تبليغها باللسان والعمل، فتظل الكلمات القرآنية والشرعية حيّة في حياة الأمة، ممتدة الأثر عبر الأجيال، شاهدة على قدرة الله في حفظ الحق وإحياء الهدى، كما تظل حية في العقول والقلوب، دون أن تتأثر بزمن أو مكان.
وقد بُعث سيدُنا محمد صلى الله عليه وسلم رسولًا خاتمًا، واختار الرحمن أن تكون معجزته الخالدة قرآنًا يتلى، وكتابًا محفوظًا في الصدور والسطور، منقولًا بالتواتر، مصونًا من التحريف.
وإذا تأملت سرّ كون القرآن كلامًا، وجدت أن للكلمة خصائص تُبرز تفردها؛ فهي تتصل بحاسة السمع على خلاف المعجزات الحسية المرتبطة بسائر الحواس: فمعجزات البصر مثل: انشقاق البحر، وإحياء الموتى. ومعجزات الشم مثل: قول يعقوب عليه السلام ﴿إني لأجد ريح يوسف﴾. ومعجزات اللمس مثل: خروج الماء من أصابع النبي ﷺ، وإبراء الأكمه والأبرص. ومعجزات الذوق مثل: تكثير الطعام ونيل البركة فيه.
أما الكلمة، فخصائصها أوسع؛ إذ تتطلب تبليغًا وبذل جهدٍ في إبلاغها ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾، وتنتقل عبر الهواء فلا سبيل لدفعها أو حجب سلطانها عن النفس إلا بقرار إرادي من الإعراض والتولي ﴿جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا﴾. ومن هنا، يمكن للكلمة أن تبقى حيّة لا تأفل، ممتدة الأثر عبر الأجيال، إن آمن بها الناس وحفظوها ودافعوا عنها.
وأما سرُّ قوتها فيرجع إلى كونها غير مرتبطة بالمادة، فلا يشترط لوجودها كيانٌ محسوس، بل هي تخاطب العقل مباشرة بما يحويه من ثوابت ومبادئ يشترك فيها العقلاء، من مفاهيم ضرورية (كامتناع اجتماع النقيضين، والتلازم بين اللفظ والمعنى)، ومفاهيم تحسينية (كحمل الكلام على ظاهره حتى تقوم قرينة، واعتبار الصدق مطابقة الكلام للواقع).
إنّ اختيار الكلمة معجزةً للنبي الخاتم ليس أمرًا عارضًا، بل هو قرار إلهي يحمل من الحكمة ما يتناسب مع طبيعة البشر كافة؛ فالمعجزة المادية المحسوسة مرتبطة بزمنها ومكانها ومشاهديها، أما الكلمة فهي معجزة مفتوحة الزمان والمكان، قادرة على الانتقال عبر العصور واللغات والبيئات، دون أن تفقد جوهرها وروحها. ومن هنا نفهم سرّ خلود القرآن الكريم؛ مصداقًا للوعد الإلهي بالحفظ ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾، فقد جمع بين ثبات النص وتجدد المعنى، وبين الإعجاز في المبنى والإعجاز في المعنى، بحيث تظل الكلمة القرآنية تتحدى العقول وتخاطب القلوب على مرّ الدهور.
لقد ورد ذكر الكلمة في القرآن بأبعاد متعددة تؤكد عمق دلالتها واتساع مجالها؛ فهي تارةً كلمة إلهية تمثل الوحي والحق ﴿كلمة من الله، كلمة منه، كلمة الله، تمت كلمة ربك، كلمة سبقت من ربك، كلمة الفصل، كلمة التقوى، كلمة باقية﴾، وتارةً كلمة هداية تدعو إلى الصلاح والعدل ﴿كلمة سواء، كلمة طيبة﴾، كما تأتي في مقابلها الكلمة الباطلة الدالة على الضلال والكفر ﴿كلمة خبيثة، كلمة الذين كفروا، كلمة الكفر، حقت كلمة العذاب﴾. وهي كذلك صلة تواصل بين الله وأنبيائه ﴿وكلمه ربه، وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا﴾، في مقابل وعيد للكافرين بحرمانهم من هذا الشرف ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾، وفضح لعجز الآلهة المدعاة ﴿ألم يروا أنه لا يكلمهم﴾. بل إن الكلمة تتجلى أيضًا في الآيات الكونية الكبرى التي تشهد بالقدرة الإلهية، كما في قوله تعالى: ﴿أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم﴾. وهكذا يتضح أن الكلمة في القرآن ليست مجرد لفظ منطوق، وإنما هي مظهر من مظاهر الحق، وحجة فاصلة بين الهدى والضلال، وعنوان تواصل بين الخالق والمخلوق، ودليل على الألوهية الحقّة التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.
والمتأمل في طبيعة الكلمة عمومًا يلحظ قابليتها لثلاثة أمور أساسية:
- الترجمة، إذ يمكن نقل معناها إلى لفظ آخر في لغة مغايرة مع الحفاظ على أصل المدلول وإن تفاوتت درجات المطابقة.
- النقل والتداول، فهي تنتقل بين الألسنة والأسماع بسهولة، فيتوارثها الناس جيلاً بعد جيل.
- التحريف والتبديل، إذ قد تتعرض الكلمة لتغيير في بنيتها أو معناها عمدًا أو سهوًا، مما قد يغيّر دلالتها الأصلية.
ولعل هذه القابلية الثلاثية هي ما استلزم أن تكون الأمة التي أُنيط بها حمل الرسالة الخاتمة ذات صفات خاصة؛ فالعرب في زمن النبوة امتازوا بملكة الحفظ والبيان، وكانت فيهم مكارم ومساوئ، وقد اختارهم الله ليكونوا وعاءً أوليًا للرسالة، ومطلوب منا دعاة اليوم أن نكمل مسيرة نشر الدعوة بالسعي في امتلاك أدوات الخطاب الفاعلة لمخاطبة العالم وتبليغ دعوتنا، فنجتهد في ترجمة معاني القرآن الكريم وتبيين تفسيره، وتقريب الفهم للجيل المبتعد عن لغته الأم بفعل طول الأمد، وقلة الاستعمال نتيجة الغزو الفكري المعاصر.
للكلمة تأثير متجاوز حدود الحرف المنطوق والمعنى الظاهر؛ فهي تدخل الجنة أو تورد النار، بوجودها يستحيل النكاح حلالًا، وبغيابها تهتك الأعراض. وقد تفاعلت كلمات القرآن مع عقول المسلمين الذين وعوا هديه وتخلقوا بأوامره ونواهيه، فأثمرت حضارة زاهية في الدولة الأموية، والعباسية، والأندلسية، امتزج فيها الفكر بالعمل، والعلم بالروحانية، وسُجلت في التاريخ كأمجاد للعلم والفكر والفنون. لقد حاور مفكرو المسلمين القرآن، ثم انطلقوا في الكون لاكتشاف آفاقه، متأملين آياته المنظورة، وما ذلك إلا لأنهم عاشوا مع القرآن، وبالقرآن، وللقرآن.
إن تقصيرنا في استعمال لغتنا يقصّر الأثر السمعي الذي يخلقه القرآن حين يطرق أسماعنا؛ فنحن نسمعه، لكن عقلنا الواعي باللغة غالبًا غير بصير بجماليات العربية الدقيقة؛ فلا نستشعر الإعجاز البلاغي والإيقاع الصوتي كما استشعره العرب الأوائل. لنعد إلى قرآننا فهو كلمتنا، وباتباع هديه نرتقي، وبإهماله نضل.