إلى العُبَّادِ في الحِل والحرم
بقلم: ذ. ميمون نكاز
في هذه الأحرف، لست مهتما بتوثيق ما اشتهر عن عبد الله بن المبارك في قوله: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ^ لعلمت أنك في العبادة تلعب، فإن في صحة نسبها إليه جدلا، رغم متانة المؤاخذة والعتب فيها على “المنزوي” في عباداته الذاتية عن تحديات الأمة وبلاءاتها، ولكنني راغب في تذكير “اللاعبين الجدد بالدين في عباداتهم وشعائرهم” بزاجرات الوحي الشريف في قوله تعالى:{ ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمۡ إِذَا قِیلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِیتُم بِٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا مِنَ ٱلۡـَٔاخِرَةِۚ فَمَا مَتَـٰعُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ إِلَّا قَلِیلٌ، إِلَّا تَنفِرُوا۟ یُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِیمࣰا وَیَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَیۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَیۡـࣰٔاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ﴾ [التوبة ٣٨-٣٩]، وأخص بالذكر أولائك الذين ينفرون بأنفسهم وأموالهم إلى العمرات وحج التطوع، دون التفات منهم إلى “واجبات الوقت”…
“سيول الأموال” التي تنفق في”حجات السُّنَّة وعمرات التطوع”، ناهيك عما ينفق في مُحَسَّنات العيش، وكماليات الحياة، ومُرَفِّهات النفس، لو سُددت وصُرفت تلقاء المرابطين والمستضعفين والمحاصرين في بلاد الإسلام عامة، وفي فلسطين وغ.زة خاصة، لكان لها شأن عظيم في الإسناد والتحرير، ولكنه الجهل القَتَّال وحظوظ النفس الذَّبَّاحة…
ما هو نازل بالأمة من عذابات وفتن، وشدائد ومحن، هو المصداق الشُّهودي لقوله تعالى{إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا، والله على كل شيء قدير…}[التوبة٣٩]…
خطاب الوعيد والتهديد هذا موجه للمؤمنين “المصلين” و”الصائمين” و”المزكين” و”العاملين الصالحين” و”التالين المرتلين للقرآن” و”الحافظين للحديث المسنِدين له” “والذاكرين الله كثيرا والذاكرات”، وزد عليهم ممن هم على شاكلتهم في العبادة والصلاح، إن لم ينفروا في ظرف الوجوب ومحله تحقيقا لمناطه، نزل بهم “العذاب الأليم” وعوقبوا بأقدار “الاستبدال”، فكم من “أهل العلم” و”العبادة” و”الصلاح” و”الولاية” و”التدبير”، فضلا عن السواد من العامة، تراهم مطمئنين في أحوالهم وهم لا يشعرون أنهم من “المستبدلين”، قد طُوِيت صحائفُهم في مجاري القدر الإلهي، والمساكين ما دروا ولا علموا، لجهلهم أو غفلتهم أو تخلفهم عن “شرط السلامة والأمان” على أنفسهم، أقصد النفير العام في طبقات الأمة كلها، خفافا وثقالا للجهاد والمجاهدة بالأنفس والأموال في سبيل الله، في سبيل الحق والعدل والكرامة والعزة والتحرير…
إلى كل “المتثاقلين إلى الأرض”، إلى كل “الراضين بالحياة الدنيا”، إلى “الراكنين اللاهثين إلى متع الحياة”، إلى “اللاعبين بدينهم في عباداتهم وشعائرهم”، انظروا في أنفسكم، وإلى أحوالكم، وزنوها قبل أن توزنوا وحاسبوها قبل أن تحاسبوا،
{يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأنه إليه تحشرون، واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله شديد العقاب، واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض، تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون، یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَاۤ أَمۡوَ ٰلُكُمۡ وَأَوۡلَـٰدُكُمۡ فِتۡنَةࣱ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥۤ أَجۡرٌ عَظِیمࣱ، یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ یَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانࣰا وَیُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَیِّـَٔاتِكُمۡ وَیَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِیمِ} [الأنفال ٢٤-٢٩]…
كانوا قليلا مستضعفين في الأرض، فآواهم الله وأيدهم بنصره ورزقكم من الطيبات لما استوفوا “شروط الاستحقاق”، فلما ركنوا إلى الدنيا وانصرفوا إل أمتعتها هددوا بالعذاب والاستبدال، والأمة اليوم غثاء في كثرة، بلغ الأعداء والخصوم والظلمة والفسدة في استضعافها وقهرها والنيل منها ما لم يبلغوه في تاريخها كله، ولا سبيل لتحرير نفسها واستعادة إرادتها وسيادتها إلا بالقومة على نفسها بنفسها، والنفرة الشاملة لمواجهة علل وجودها وأسباب فتنتها واستضعافها، ولا تنفع الدعاوى الموهمة، ولا الأماني الحالمة، ولا الأقسام الكاذبة:
{وَأَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ لَئنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَیَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُوا۟ۖ طَاعَةࣱ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ، قُلۡ أَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُوا۟ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَإِنَّمَا عَلَیۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَیۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِیعُوهُ تَهۡتَدُوا۟ۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَـٰغُ ٱلۡمُبِینُ﴾ [النور ٥٣-٥٤]…