منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تيغيلت: بلاغة الأنين في عتبة الغلاف

عبد الفتاح بلخوار

0

تيغيلت: بلاغة الأنين في عتبة الغلاف

بقلم: عبد الفتاح بلخوار

لم تكن هذه القراءة لتولد لولا تلك اللحظة البسيطة في ظاهرها، العميقة في أثرها: حين قدم إلي أستاذي وصديقي، لحسن شعيب، نسخته من “تيغيلت”، ممهورة بإهداء لا يقرأ بالحبر وحده، بل بما يصحبه من ود ومعنى.

هناك، قبل أن أفتح الكتاب، وجدتني أمام غلاف لا يطلب النظر، بل يفرضه؛ لا يقدم نفسه، بل يستدرجك إليه في صمت فيه شيء من الهيبة.

وقد أشار رولان بارت إلى أن للنص عتبات يبدأ منها، غير أن بعض العتبات لا تكتفي بأن تكون مدخلا، بل تصير نصا موازيا، يختصر التجربة ويكثفها. وهذا ما يفعله غلاف “تيغيلت”: يسبق النص، ولا ينتظره.

العنوان هنا ليس تسمية، بل بناء لغوي محكم، يقوم على توتر دلالي عميق: “تيغيلت – أنين الجنوب”.

“تيغيلت” كلمة أمازيغية، لكن قوتها لا تأتي من غرابتها، بل من بنيتها.

هي من جهة لسانية صيغة توحي بالاستمرار، لا بالحدوث؛ فلا تحيل إلى مصارعة وقعت، بل إلى مصارعة تعاش، كأنها حالة، لا حدث.

أما من جهة صوتية، فإن الكلمة تتشكل من مقاطع فيها احتكاك ظاهر: انتقال من خفة البدء إلى ثقل الوسط، ثم إلى خفوت الختام، وكأنها تجسد في نبرتها مسار الصراع نفسه: اندفاع، فمقاومة، فإعياء.

غير أن البلاغة تبلغ ذروتها حين يجاور هذا اللفظ تعبير “أنين الجنوب”، هنا يحدث الانزياح: من الفعل إلى أثره، من الخارج إلى الداخل، فالمصارعة ترى، أما الأنين فيسمع؛ المصارعة حركة، والأنين صدى، وليس الجمع بينهما جمعا اعتباطيا، بل علاقة سببية خفية: كأن الأنين هو ما يتبقى من المصارعة حين تنتهي، أو حين تعجز عن الحسم.

وفي هذا التركيب أيضا مجاز لافت: إذ أسند الأنين إلى “الجنوب”، فتحول المكان إلى كائن حي يئن.

وهذا الإسناد ليس مجرد تزيين بلاغي، بل نقل للمعاناة من الفرد إلى الجماعة، ومن التجربة الخاصة إلى أفق إنساني أوسع. فالجنوب هنا لا يفهم بوصفه جهة جغرافية فحسب، بل باعتباره فضاء دلاليا يختزن معاني التهميش والقسوة والعيش على الحافة.

هكذا، يتأسس العنوان على ثلاث طبقات: فعل مضمر (تيغيلت)، وأثر ظاهر (الأنين)، وفضاء حاضن (الجنوب). ومن هذا التراكب، يتولد المعنى.

تأتي اللوحة لتترجم هذا التوتر بلغة أخرى. وهي من إبداع الفنان المغربي محمد الزياني، الذي لم يكتف برسم مشهد، بل أقام رؤية.

في مركز الصورة شجرة، لكنها ليست شجرة بالمعنى المألوف؛ إنها كائن يقف بين حالتين: لا هو حي بما يكفي ليزهر، ولا ميت بما يكفي ليسقط. جذعها قائم، كأن فيه عنادا، وأغصانها ملتوية، كأنها حركات انقطعت قبل تمامها. هي صورة لمقاومة فقدت شروطها، لكنها لم تفقد إصرارها.

الأرض من تحتها ليست مجرد امتداد ترابي، بل سطح متشقق، كأن الزمن نفسه قد مر عليه وترك فيه أثره. هذه التشققات لا توحي بالجفاف فقط، بل بانكسار البنية، بانقطاع الصلة بين ما يجب أن يكون وما هو كائن.

وفي الأسفل، يظهر ما يشبه شكلا إنسانيا ملتبسا، لا ينفصل عن الشجرة تماما. كأن الإنسان هنا ليس كائنا مستقلا، بل امتداد لما حوله، أو نتيجة له. وهذا التداخل يرد المصارعة إلى أصلها: ليست بين خصمين واضحين، بل بين الإنسان وواقعه، بين الحياة وشروطها القاسية.

أما السماء، فتتدرج ألوانها بين الأرجواني والبرتقالي، في مشهد لا يوحي بالصفاء، بل بالاحتراق. إنه ضوء يكشف ولا يطمئن، يفضح ولا يواسي. وهنا تبلغ اللوحة قوتها: لا تمنح عزاء، بل تقدم حقيقة.

ويمر اسم الكاتب، لحسن شعيب، بهدوء، غير أن له صدى في الذاكرة الثقافية. فاسم النبي شعيب يرتبط في المخيال بالماء والعدل، غير أن وضعه إلى جانب هذه الصورة القاحلة يخلق مفارقة دلالية: كأن الاسم يستدعي ذاكرة الخصب، فيما تصر الصورة على واقع الجدب. وهذه المفارقة، سواء كانت مقصودة أم لا، تضيف عمقا إلى القراءة.

وفي ظهر الغلاف، يختار الكاتب مقطعا ينتهي بجملة حاسمة:

“لا تتحرك، فقد كسرت ستة من أضلاعك.”

جملة هادئة في ظاهرها، لكنها ثقيلة في وقعها.

إنها لا تصف نهاية مصارعة فحسب، بل تشير إلى ما تتركه التجربة في صاحبها. فالكسر هنا ليس حدثا عابرا، بل علامة؛ وما ينكسر في الداخل لا يعود كما كان.

أما الألوان، فهي البعد الخفي في هذا الغلاف، التدرج بين الأرجواني الداكن والأحمر الترابي لا يقدم تباينا حادا، بل مسارا، كأن الألم نفسه يتطور: من كآبة ساكنة إلى احتراق ظاهر. وبينهما تقف الصورة كنافذة، لا لتفتح الأفق، بل لتريك حدوده.

هكذا، لا يكون الغلاف مدخلا للنص، بل حالا تسبق قراءته. إنه لا يشرح، ولا يختصر، بل يهيئ. يضع القارئ في مناخ مشحون، ثم يتركه يدخل النص وهو محمل به.

وهنا تكمن قيمته: أنه لا يقول لك ماذا ستقرأ، بل يجعلك مستعدا لأن تشعر.

تحياتي و غوص ممتع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.