ثلاثة مشاهد من يوم العيد.. أمّة لا تموت ورجالها من حديد
عبد الرحمن خيزران
ثلاثة مشاهد من يوم العيد.. أمّة لا تموت ورجالها من حديد
عبد الرحمن خيزران
المشهد الأول
عشنا يوما مميزا بعد شهر عظيم، بصَمَته غزّ-ة الشامخة رغم جراحها، بدا فيه أن عيدنا لبس ثوبا جديدا ليس ككل ثوب، وانبعث يبسط الأمل ضدا على إرادة إبادة قضيتنا.
لا شك اخترَقَنا إحساس الفخر بالانتماء، وهيمن علينا الشعور بالعزة، ونحن نحمل معنا فلس-طين في القلب واللسان والفعل؛ في المصلّى الجامع، وفي الكو-فية المطرّزة، وفي الوشاح المزركش، وفي الراية الرّفرافة، وفي الصور التذكارية، وفي دندنات العائلات، وحتى في توزيع الحلويات…
لم نعش عيدا منفلتا من القضية، بعيدا عن التهمّم، مُغيَّبا عن الحرقة، بل مزجنا هذا بذاك؛ ألم وأمل، يد هنا وقلب هناك، واجب اجتماعي والتزام أخلاقي.
المهم أن المعنى الذي هيمن على المشهد؛ شيء من العزة والكبرياء والصمود والثبات، والأهم أن عيدنا فلس-طيني.
المشهد الثاني
من وسط الأنقاض والركام، ومن وسط شبح الموت والدمار، ورغم كل الألم والوجع المحيط بالمكان، أخرجت لنا غز-ة العزّة شيئا من فرحها؛ فاستقبلت العيد، وصنعت حلوياتها، ورسمت الفرحة على صغارها، وأظهرت أنها باقية هنا لن تغادر، وأنها ستزهر من جديد، وأنها أقوى من جلادها؛ فما يخرج من هذا الحي وتلك المدينة وذلك الزقاق حتى تولد من جديد، لترتسم معالم الحياة رغم كل أسباب الموت.
نعم، فحتى في يوم العيد تواصلت المأساة واستمر الجرح النازف، وتجدد القصف والقتل (وهل تجيد الدويلة اللقيطة غير ذاك؟!)، ولكن، حرص بعض سكان القطا-ع، ممن أسعفتهم ظروف الإبادة، على رسم البسمة على محيّى غز-ة، وتصدير صور الثبات والرسوخ والصمود، ذلك أن مظاهر العيد نفسها مقا-ومة تقول للم-حتل القاتل: أنك لم تقهرنا ولن تهزمنا، وسنواصل الحياة على هذه الأرض.
عظمة هذا الشعب، وفرادته، جعلت هذا النهج -عيش الحياة مهما حاول العدو رسم شبح الموت- آلية من آليات المقاومة، وهي الآلية التي تصيب الكيان الصهيو-ني وأزلامه في مقتل؛ فمن وسط القصف ثمة زواج وزغاريد، ومن بين الركام تنبعث حلقات تسميع القرآن وتحفيظه، وتحت نير المدافع تستحيل خيمة خربة قاعة درس وتعليم، وبإزاء المسجد الذي دكّته آلة العدو يعلو المؤذن تلّا من الركام ليصدح في العالمين الأذان الخالد وليتحلّق آباء الشهداء وأبناء الشهداء وإخوان الشهداء ليقيموا صلاة التراويح، ومن تحت كل هذا الألم الطافح تتجمّع النساء لتشعلن فوانيس رمضان ثم بعد شهر تصنعن حلويات العيد…
يا له من شعب عظيم، يستحق حقا أن يُحتفى به ويُنصَّب مُعلّما للإنسانية، لا أن يواصل العالم التواطؤ على مأساته منذ مائة عام.
المشهد الثالث
تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، مقطعا مرئيا لأبي الع-بد القائد البطل اسما-عيل هن-ية وهو يتلقى نبأ استشها-د ثلاثة من أبنائه وأربعة من أحفاده، ليعقّب في هدوء وثبات يكشف معدنا إيمانيا صلبا “ربّنا يسهل عليهم”.
مشهد غاية في الجلد والصبر والفرادة؛ حتى إنك لتتساءل مع نفسك: إنهم ثلاثة أبناء، إنهم فلذات الكبد ونبضات القلب ومُهج الروح وزينة الحياة، إنهم سعي الليل والنهار وحكايات الأيام والأعوام وموطن الآمال ومستودع المستقبل، وفي لحظة، وفي رمشة عين، كأن لم يكونوا. هل يشعر هؤلاء الرجال بالألم ويحسّون به وبالوجع الذي يتركه حدث مثل هذا في دواخلنا؟!
في طمأنينة تامة ورضى منقطع النظير قال الرجل قولته الراضية تلك، ومضى لاستكمال مهمّته وواجبه؛ يزور الجرحى ويتفقد المصابين الذين استطاعوا الخروج للعلاج في قطر، ليعلق بعد ذلك بقوله “أشكر الله على هذا الشرف الذي أكرمنا به باستشها-د أبنائي الـ3 وبعض الأحفاد.. بهذه الآلام والدماء نصنع الآمال والمستقبل والحرية لشعبنا ولقضيتنا ولأمتنا”.
إنها عقيدة صاحب قلب كبير، يتّسع لآلامه وآلام شعبه، فيمسح على جبين الجميع بيد الرضى بما اختاره الله سبحانه؛ فيقينه -كما يعلمنا هذا الدين العظيم- أن قتلانا في الجنة، وأن الله أبى إلا أن يتخذ منّا شهداء، وأن الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون، وأن قادتنا، وأبناء قادتنا وعموم أبناء شعبنا، شهداء يضيئون طريق القد-س.
لله دره، ودر هؤلاء الرجال الأشاوس الأبطال، الذين بأمثالهم تحيى الأمة ويتجدد نهوضها الحضاري وشهودها الرسالي. ولله درّ الغزّ-يين إذ يواصلون الرسوخ الصَّبور في أرضهم، ولله درّ قومي المغربيين إذ يؤازرون إخوانهم بكل إسناد ممكن حتى يأتي أمر الله بالفتح والنصر المبين.