جُرعــــات ثلاث.. لشباب الوعي والأمل والثبات.
بقلم: الحسين كوكادير
مقدمة:
نعيش زمن التقلبات، زمن الدعوات لا كما يحكي من عاش في السبعينيات والثمانينيات؛ حيث الاتجاهات الفكرية والتوجهات الأيديولوجية والآراء السياسية والنقاشات المجتمعية. بل كما يعيشها جيل التسعينيات والأجيال اللاحقة له، دعوات فاقدة للمعنى، مشحونة بالمادة والشهوة وهوس الشهرة، مؤطرة في قوالب ومسارات عبّر عنها “آلان دونو” بعنوان بليغ: “نظام التفاهة”.
إن الزمن زمن الآلام والابتلاء العظيم للأمة في جميع الميادين القيمية والأخلاقية والعلمية والسيادية. زمن ينتج أسئلة مقلقة تحيّرُ النخبة ومن جرّب الحياة وذاق مرارتها، بله شبابا في أولى خطوات تلمُّسِهم طريق الحياة، ولم يعرفوا منها سوى أحلام وطموحات ورغبات تشتعل جذوتها في الروح وتنطفئ عند أول مواجهة لها برياح الواقع.
يعيش الشباب المغربي في ظل هذه التقلبات بين وعي مستمد من الرسالة المحمدية الخالدة والأخلاق المغربية الأصيلة والأفكار الإنسانية والتجارب العالمية الناجحة التي يتعرف عليها كل يوم في مواقع التواصل الاجتماعية، وصدمة الواقع الذي يراه في احتجاجات متجددة في مختلف مناطق بلده، ويحتك به صباح مساء في واقعه المجتمعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، إذ لا يفتح أفقا ولا يمنح أملا. واقع يشكل فيه هؤلاء الشباب فئة عريضة تزيد عن 12 مليون شاب وشابة؛ أغلبها تواجه أسئلة البطالة وكيفية بناء الذات وتحقيق الاستقلال المادي والأسري ومشكلة الهجرة والمخدرات والهدر المدرسي وعدم استجابة السياسات العمومية لطموحاتها ورغباتها وتطلعاتها.
12 مليون شاب وشابة، كنز ثمين لو توافر لغيرنا لازداد تفوقا وقوة وعلما وغنى ورفاهية وإنتاجا. ثروة عظيمة “هي رأس المال الحقيقي للأمة” بتعبير الأستاذ عبد السلام ياسين، لو استثمرنا فيها، ووثقنا بها، ومنحنا لها اهتمامنا في الخطط والبرامج والمؤسسات، وفتحنا لها باب الحرية والسؤال لرأينا مغربا آخر ينبض بالأمل بدل الألم، بالحلم بدل اليأس، بالثبات والتشبث بالعمل والإنتاج على الأرض المغربية بدل التفكير في الهروب والهجرة إلى الأرض الأجنبية. لكن ما العمل إذا كانت الموازين مختلة والأولويات مقلوبة؟
لقد تربى الشباب المغربي في محاضن أُسره، وأقسام مدرسته، وكتاتيب مسجده على أن الإسلام اعتنى أيما عناية بالشباب. وأن قدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم نشر رسالته، وأسس انطلاقته، وبلغ دعوته بنصرة الشباب له. فإلى متى سيبقى الانفصام وعدم التوازن بين المقدمات (ما تعلمنا وتربينا عليه في مؤسسات التنشئة الاجتماعية) والمخرجات (ما وجدناه ونجده في واقع الحياة اليومية)؟ ومتى يتقي، من يملك السلطة والقدرة، الله في هؤلاء الشباب ليجعلوهم ضمن أولى الاهتمامات والرهان الأكبر الذي لا ينبغي خسارته ويجب الاستثمار فيه بالأحسن والأفضل في هذا الوطن؟
في إطار هذا الزمن الموسوم بالألم واليأس والإحباط، أحاول أن أتأمل في ثلاث جرعات (جرعة وعي، جرعة أمل، جرعة عمل) أقدمها بديلا للثلاثي المذكور آنفا، آملا أن يجد فيها الشباب جرعة حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، باعتبارهم أول المعنيين المباشرين الذين يعانون أكثر من أي فئة أخرى من تصلب الواقع وضبابية المستقبل.
إن هذه الجرعات الثلاث استشفت من خلال قراءة بعض النصوص لرجلين مغربيين وطنيين غنيين عن التعريف؛ الأستاذ المجدد عبد السلام ياسين، وعالم المستقبليات المهدي المنجرة.
لقد شكل هذان الرجلان نورا مغربيا يضيء مسيرة أجيال المغاربة. فكما استطاعوا وهم شباب أن يقتحموا الصعاب، ويواجهوا المحن، ويصنعوا المجد، يستطيع فكرهم وما خلفوه من العلم والعمل أيضا، أن يحفز الشباب ويمنح لهم مفاتيح الوعي والأمل والعمل رغم واقع اليأس والعجز.
جرعة وعي: الذات والرسالة.
الوعي بذاتي ومعرفة الغاية من وجودها وما رسالتها مطلب ضروري في هذا الواقع، لأنه مفتاح من مفاتيح المستقبل. ذاتٌ لا تعرف من أين أتت ولماذا وإلى أين تسير ولا تحمل رسالة إلى الإنسانية لا تستحق أن تسمى ذاتا واعية. الذات خلق الله، وخلقه عز وجل ليس عبثا [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ] [1]. إن أول وعي يجب أن تعيه ذواتنا هو أنها خلقت من أجل العبادة ومعرفة الله تعالى [ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] [2]. هذه هي الحقيقة المغيبة للأسف الشديد في نقاشاتنا ومنتدياتنا وعلومنا وخطاباتنا.
ينبغي، شباب الوطن، في خضمّ همومنا وانشغالاتنا، أن نستحضر “أربع وصايا لعلنا نعقل ونكون من المومنين الصالحين المصلحين الموحدين: أن لا نشرك بالله فلا نعبد أصنام الحس والخيال، وأن نحسن للوالدين، وأن لا نقتل أولادنا من إملاق، ومن القتل بل من أقساه أن نترك عوامل التضليل والفساد تغتالهم من بين أيدينا، وأن لا نقرب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فإننا إن اقتربنا طوعا وميلا أو استقلنا بين يدي طاغوت التهجين الثقافي والتدمير الأخلاقي فقد وقعنا في حمأة الفواحش، وأن لا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. وفي قتل إنسانية الإنسان وإقناعه أنه مجرد حيوان متطور لا معنى لوجوده ولا لحياته إلا الرّتع واللهو والعبث أشد صور قتل النفس التي حرم الله فتكا بالإنسان ونفس الإنسان وحقوق الإنسان.” [3]
إن ذاتا شبابية منغمسة تمام الانغماس في أسئلة الواقع وهمومه، لا تجعل من أسئلة الرسالة الخالدة جزء من هويتها من قبيل:
“كيف أخرج من هذه الدنيا سعيدا بسعادة أهل الجنة؟ كيف أعبر مخاضة حياة أنا فيها مظلوم مكبوت مقهور؟ بأية عقيدة؟ لأية غاية؟ لأية أهداف؟ مع أي سرب؟ بأية أخلاق؟” [4] لن تخرج من مضمار الحياة إلا بمزيد من التبعية والانهزامية والضبابية وفقدان البوصلة.
خلاصة هذا العنوان، لابد من أن تكون الذات حاملة لهم الآخرة، وهم المجتمع والأمة، لأن بهذين الهمين ينجو الجميع في الدنيا والآخرة. أما الفردانية والأنانية واللامبالاة لا تعدو أن تكون سوى طريق لمزيد من الضياع والشتات. وما نعيشه اليوم في مختلف بلداننا الإسلامية هو العنوان الأبرز لذلك.
الذات بلا رسالة خواء، والرسالة بلا ذات نداء في فراغ. “يحمل رسالة الله في العالم إلى الإنسان مومن ومومنة لا تسكن فيه نبضات شهوة، ونعرات عرق، ونزوات عاطفة، وزعم أنانية وقوة، وعقل معاش كما للسوائم عقول معاش. يحمل رسالة الله إلى الإنسان الغاطس في الماديات مومن ومومنة لا تذرو رياح الدنيا وأصواتها الهائجة يقينه بالله وبالدار الآخرة، ولا تتبدد لحظات عمره الطائرة في التفاهات والغفلات، لا يدري من أين ولا إلى أين.” [5]
جرعة أمل: المستقبل لنا.
حياة بلا أمل موت قبل بلوغ الأجل. لا خيار أمامنا شباب الوطن في ظل واقعنا المزري إلا الأمل والتفاؤل، واليقين وحسن الظن فيما يخبئه لنا القدر.
المستقبل لنا إن أدركنا أن اليأس الذي يبث على مواقع التواصل الاجتماعي ما هو إلا سُمّ يريد أن يبقينا على سرير المرض، إن لم يؤد بنا إلى الحتف في أحسن الأحوال. ومخدر يسعى إلى أن يقنعنا بأننا عاجزون فاشلون لا قيمة ولا إضافة لنا سواء في الحاضر أو في الغد. علينا أن نواجه الظلام بأن نغرس “فينا هذا الشغف بالمعرفة والعلم والتربية” [6] بأن نسعى إلى علاقات وبناء مساحات نشعر فيها كما شعر “المهدي المنجرة”: “… أشعر -وأنا شاب- أن جميع الذين تعاملوا معي من الكبار كانوا يحسون بنوع من الافتخار كلما تمكنت من إنجاز خطوة جيدة في مساري التكويني أو المهني، لقد كانوا يشجعون مبادراتي ويفتحون لي آفاقا رحبة للتفكير والعمل لأنهم كانوا يعتبرون أن نجاحي في هذه الخطوة أو تلك هو نجاح شخصي لهم أو لأبنائهم.” [7] إن أمثال هؤلاء الكبار لا يزالون أحياء يشتغلون في واقعنا، فلنسِر اتجاههم ولنترك الشكوى والتفاهة خلفنا؛ فبهم ونقل تجربتهم إلينا والاستفادة من خبراتهم يكون هذا المستقبل لنا.
يتطلب منا أخذ هذه الجرعة أن نستوعب جيدا كون “افتقاد الشباب اليوم إلى مساندين ومساعدين ظاهرة لا تهم المغرب وحده بل المجتمع الدولي بكامله. وذلك لأن هناك تغيرا عميقا في القيم. من قبل لم يكن العنصر المادي يلعب سوى دور بسيط جدا، أما اليوم فالمرء صار خائفا من كل شيء، من افتقاد شغله أو بيته وصار للعنصر المادي دور كبير في الحياة، وأعتقد أن هذا واحدا من العناصر السلبية التي أتت بها الحضارة الغربية، فقد قضت هذه العناصر على الغرب، وتقضي علينا نحن لأننا نسير وفق تقليد أعمى، بل إننا متأخرون حتى في التقليد وهذا يتصل بالإشكالية الحضارية وأحد عناوين هذا العصر وتحدياته.” [8]
جرعة عمل: لابد من خطوة.
لا يمكن لأمل أن يتحقق بدون عمل. ولا رسالة أن تصل بدون مُرسل وفعل إرسال. أتساءل معكم، وأنا شاب مثلكم، كيف يمكن أن نحقق المطالب ونسمع الصوت ونقتطع مساحة لنا من تكتل الهيمنة والسيطرة والسلطوية، ونحن غائبون عن الميدان، لا أحد منا يريد أن يتطوع، أن يقتحم، أن يتحدى القيود والأغلال الواقعية والوهمية؟ “حتى متى نسكت؟ حتى متى نتخفى بإيماننا نقول: نحن ضعفاء مستضعفون قليل عددنا، مفرّق صفنا، خافت صوتنا ! حتى متى نسكت؟” [9] لنتأمل الجرعة في هذه الفقرة، ولنستحضر أيضا ونحن نقرأ خطوة شباب غزة العزة وهم يواجهون العدو بالعلم والعمل والأمل، بالوعي والذات والرسالة لسنتين متتاليتين بلا ملل. “الله أكبر ! شباب في الرابعة عشرة يطلبون الشهادة في سبيل الله، ويتسابقون إليها، ويتوسلون ويبكون ! في سنِّ اللعب والعبث كانوا يتقلدون حمائل السيف، ويزاحمون الأبطال بالمناكب. بفضل الله وفضل هذا الشباب، بجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع من بَعْده وصلنا الإسلام. ولا نظن أن شيئا من إيماننا يتجدد، ولا أن رسالة الإسلام تبلُغ، ولا أن الخلافة على منهاج النبوة تعود، إن لم يَسْر في كهولنا، وشيوخنا، وشبابنا، ونسائنا، ورجالنا، تلك النفحة العُلويّةُ التي حملت سلفنا الصالح إلى احتقار الدنيا والشوق للقاء الله، حتى اقتحموا العقبات، وخاضوها شعواء على الكفر والاستكبار.” [10]
تركيب:
خلاصة القول، إن هذه الجرعات أعلاه مشاركة تضامنية مع بعضنا البعض في واقع لا يرتفع ومؤسسات وسياسات لا تسمع، ومحاولة متواضعة لتفعيل مضامينها، على الأقل كتابة وتدوينا.
يشكل وعينا بالذات، وتحمل مسؤوليتنا في حمل ونشر الرسالة، وجعل الأمل والعمل أدوات الفعل في قناعاتنا الداخلية أولا ثم في حركتنا الميدانية ثانيا، الأرضية الأساس للبناء والانطلاق. ويستطيع كل هذا أن يحقق الكثير من المكتسبات لشباب هذا الوطن.
“لا أخطر على الأمة من خمول أبنائها، ورضاهم الصامت بدين الانقياد، حتى يصبح من أصولهم الاشتغالُ عن الأمر العام بسفاسف الحياة اليومية. ولا تزال تسمع اليوم من يوصيك أن لا تشتغل بما لا يعنيك، وما لا يعنيك هو سياسة أمتك. لا يعنيك الضيْمُ النازل عليها، لا يعنيك هزائمها، لا تعنيك المؤامرة اليهودية الصليبية عليها. لا يعنيك الحكام الخونة وعبَثهم بمصيرها.” [11]
[1] الآية 115، سورة المومنون.
[2] الآية 56، سورة الذاريات.
[3] وصية الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، كتيب صغير، ص: 06.
[4] رسالة إلى الطالب والطالبة إلى كل مسلم ومسلمة، عبد السلام ياسين، رسائل الإحسان 2، الطبعة 1، 1995، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ص: 07.
[5] رسالة إلى الطالب والطالبة إلى كل مسلم ومسلمة، عبد السلام ياسين، رسائل الإحسان 2، الطبعة 1، 1995، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ص: 31-32.
[6] المهدي المنجرة مسار فكر، محمد بهجاجي، حسن نجمي، حوار – سيرة ذاتية، المطبعة: شمس برينت الرباط، نشر الملتقى الجديد، مراكش، الطبعة 5، 2019، ص: 07.
[7] المهدي المنجرة مسار فكر، محمد بهجاجي، حسن نجمي، حوار – سيرة ذاتية، المطبعة: شمس برينت الرباط، نشر الملتقى الجديد، مراكش، الطبعة 5، 2019، ص: 56.
[8] المهدي المنجرة مسار فكر، محمد بهجاجي، حسن نجمي، حوار – سيرة ذاتية، المطبعة: شمس برينت الرباط، نشر الملتقى الجديد، مراكش، الطبعة 5، 2019، ص: 58.
[9] اقتحام العقبة، عبد السلام ياسين، سلسلة درس المنهاج 4، الطبعة 1، 1999، دار الفرقان لنشر الحديث، ص: 10.
[10] إمامة الأمة، عبد السلام ياسين، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة 1، 2009، ص: 49.
[11] رجال القومة والإصلاح، عبد السلام ياسين، منشورات الصفاء للإنتاج، 2001، ص: 23.