منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحرب على إيران .. العبر والاستشراف

الحرب على إيران .. العبر والاستشراف/ د. أسامة اليحياوي

0

الحرب على إيران .. العبر والاستشراف

أسامة اليحياوي

دكتوراه في التاريخ

يتضح جليا لمتابعي الحرب على إيران في يومها 23 أن هذا الصراع يسير حتما إلى إحداث تغييرات كبيرة وخطيرة، قد تؤثر ليس فقط على واقع الشرق الأوسط، بل على دول العالم بأسره، كيف لا وقد رأينا صيحات الأوروبيين المنددين باستهداف مصادر الطاقة ومساراتها، خاصة بعد قرار طهران القاضي بإغلاق مضيق هرمز في وجه أمريكا وحلفائها.

إن المفاجئ في الأمر هو استهداف إيران لدول الخليج والمصالح الأمريكية بالمنطقة، وهو ما لم يتوقعه أحد وإن كانت ضربة إيران لقاعدة العديد بقطر في حرب ال12 يوما، تستحضر هذا الاحتمال جزئيا.

ماذا يعني استهداف الخليج؟ الحتمي في الأمر هو أن طهران بررت هجومها عن طريق خارجيتها في اتجاهين، الأول كون هذه المناطق بها قواعد ومصالح أمريكية في الغالب تكون منطلقا لهجمات على إيران، والثاني استحضار معادلة لا أمان في إيران إذن لا أمان في دول الخليج والمنطقة.

ويعني ذلك شل قدرة دول المنطقة على استخلاص عائدات مصادر الطاقة، التي تكاد تكون المصدر الوحيد لدخل هذه الدول وركيزة اقتصادها، وإن كانت دولة الإمارات تسير للمنحى السياحي والذي تضرر هو الآخر بتغييب واقع الأمن عن الزائرين والسياح، ما يعني تراجع القطاع الثالث بها كذلك.

لكن الأهم هنا هو استخلاص جملة من العبر والدروس التي نستقيها من هذه الأيام الثلاثة بعد العشرين، وأهمها ما يلي:

-هشاشة دول الخليج وضعفها الناتج عن الاعتماد التام على أمريكا، دفاعا وتسليحا، وهو ما يتجلى في عدم قدرتها على الرد، باستثناء طرد الملحق العسكري الإيراني بكل من الدوحة والرياض.

– ضعف أوروبا وحلف الناتو أمام استفزازات ترامب، وعدم قدرتها على الدخول في أتون الحرب لأنها تراهن كذلك اقتصاديا على آسيا، فغازها وطاقتها منبعها المنطقة، باستثناء بعض المنابع من إفريقيا والتي لن تكون كافية لسد حاجتها، خاصة بعد أنباء عن فشل مفاوضات مع الجزائر لزيادة حجم الإنتاج.

– خضوع ترامب لإملاءات نتنياهو وذلك بشهادات داخل ردهات البيت الأبيض، ولعل آخرها خروج جوكينت الممثل الأعلى لمكافحة الإرهاب بإدارة ترامب، باستقالة مذيلة بتبريرات أهمها أن الحرب ليست حرب الولايات المتحدة بل هي حرب جاءت بضغوط إسرائيلية، مارستها جماعات الضغط الصهيونية بأمريكا على الرئيس ترامب.

– الدول التابعة طاقيا والتي لا تملك استقلالها في هذا المجال ستعرف تضررا كبيرا، وذلك بزيادات كبيرة في أسعار المحروقات تتبعها المواد التموينية والغذائية، وقد شاهدنا لجوء عدد من الدول لمخزونها الاستراتيجي، كاليابان على سبيل المثال.

إلى أين تسير الحرب؟!

تبقى الحرب مفتوحة على جملة من الاحتمالات أبرزها أولا المنحنى السهل، ويتجلى في صمود إيران أمام الهجمات، وقدرتها على إيقاع خسائر كبيرة في الجانب الأمريكي والإسرائيلي، خاصة وأن الجبهة الداخلية الإسرائيلية لا تتحمل الخسائر والضغط، وهذا ما رأيناه في ردود الفعل عند الإسرائيليين بعد الهجمات ليلة أمس على ديمونة وعراد، وخروج رئيس بلدية حيفا بتصريح اليوم، يرفض فيه تضحية الحكومة بحيفا وسكانها. فهذا المسار قد يختم الحرب بتفوق إيراني وفرض معادلات جديدة خاصة بنظام الملاحة بمضيق هرمز والقواعد العسكرية الأمريكية بالخليج، فضلا عن إدخال لبنان بالمعادلة، وتحقيق انسحاب إسرائيلي لما قبل 8أكتوبر 2023.

أما المنحى الثاني والأكثر صعوبة للعالم هو الخوض في معركة تكسير العظام، وتنفيذ استهداف مصادر الطاقة ومحطات الكهرباء والبنية التحتية، ما يعني استهدافات متبادلة يكون نتيجتها الوقع السلبي على العالم بأسره، خاصة إن انضم الحوثيون للمعركة وأغلقوا باب المندب. وهذا بحد ذاته يفتح المجال لكل الاحتمالات بولوج دول أخرى للحرب وتدويل الأمر ليصير لما لا يحمد عقباه.

إن هذه الحرب جعلت الجميع يتفق على مسلمة واحدة، وهي أن قوة الدول لا تكمن في ثقلها العسكري فقط، بل في قدرتها على تحقيق الأمان الطاقي والغذائي لشعوبها وقت الأزمات، ومحاولة الخروج بأقل الأضرار من أتون الحرب ومستنقعاتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.