المتشابه اللفظي في القرآن الكريم
المتشابه اللفظي في القرآن الكريم/ الأستاذ الدكتور عبد الكريم عزيز
المتشابه اللفظي في القرآن الكريم
بقلم: الأستاذ الدكتور عبد الكريم عزيز
تعريف المتشابه اللفظي:
المتشابه اللفظي هو: “المقاطع أو الآيات التي جاءت في أكثر من موضع [في القرآن الكريم] مع اختلاف في بعض ألفاظها بنوع من أنواع الاختلاف”([1]).
وأنواع الاختلاف هي التي تكون بين الآيات المتشابهات كالتقديم والتأخير، والزيادة والنقص، والإبدال، والتعريف والتنكير، والإفراد والجمع، وغيرها.
والمتشابه عند أهل العلم ينقسم إلى قسمين:
المتشابه اللفظي: وهو الذي يعنينا في هذه المقالة.
والمتشابه ضد المحكم: وهذا نوع آخر، لا نتطرق له الآن.
ولله حكمة في المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، قد تظهر هذه الحكمة، وهذا من فضل الله عز وجل على العباد ويتعلمونه، وقد تخفى، فإن خفيت فلجهلنا وليس لأن لا حكمة فيها.
دراسة مثال في المتشابه اللفظي:
يقول تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ}([2]).
ويقول تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ}([3]).
يقول الشعراوي عن الآيتين: “نقول إن هذا التشابه ظاهري، ولكن كل آية تؤدي معنى مستقلا. ففي الآية الأولى قال الحق سبحانه: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} وفي الآية الثانية قال: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ}، لماذا؟ لأن قوله تعالى: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا}؛ لو أردنا النفس الأولى فالسياق يناسبها في الآية الأولى. ولو أردنا النفس الثانية فالسياق يناسبها في الآية الثانية. فكأن مَعَنَا نفسين إحداهما جازية والثانية مجزي عنها. الجازية هي التي تشفع. فأول شيء يُقبل منها هو الشفاعة. فإن لم تُقبل شفاعتُها تقول أنا أتحمل العدل. أي: أَخْذُ الفدية أو ما يقابل الذنب. ولكن النفس المجزي عنها أول ما تقدم هو العدل أو الفداء. فإذا لم يُقبل منها تبحث عن شفيع”([4]).
ومن خلال النظر يتبين لنا أن هناك عاملا آخر هو السياق السابق لكل آية على حدة. فإذا كان الخطاب موجها إلى بني إسرائيل في الآيتين جميعا، فإن السياق السابق للآية 48 في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}([5])؛ أي: “وذلك لأنهم هم الذين يوقنون أنهم واردون على ربهم وملاقوه يوم القيامة، وأنهم إليه راجعون ليجازيهم على أعمالهم”([6])؛ فكل نفس من هؤلاء المؤمنين الموقنين لا تستطيع أن تشفع لنفس أخرى كافرة، ولا أن تقدم عنها عدلا لفدائها. فالآية الأولى تخص النفس الأولى بالذكر، التي هي النفس المؤمنة الموقنة.
أما السياق السابق للآية 123 في قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}([7])، أي: “يتحدث القرآن الكريم عن طائفة من أهل الكتاب يعملون بما في أيديهم من كتب منزلة ويتبعونها حق اتباعها، هؤلاء يجدون في هذه الكتب علامات دالة على صدق النبي محمد [صلى الله عليه وسلم]، ولهذا سارعوا إلى الإيمان به، وطائفة أخرى أصرت على كفرها فكان لها الخسران”([8])؛ فكل نفس من أولئك الذين كفروا بالكتاب، لا تستطيع أن تقدم عدلا لفداء نفسها ولا تجد من يشفع لها، ولا هم ينصرون”. فالآية الثانية تخص النفس الثانية بالذكر؛ التي هي النفس الكافرة الخاسرة. يقول السمين الحلبي (ت:756 هـ): ” والضميرُ في قوله «ولا هُمْ» يعود على النفس؛ لأنَّ المرادَ بها جنسُ الأنفس، وإنما عادَ الضميرُ [هم] مذَكَّراً وإن كانَتِ النفسُ مؤنثةً لأنَّ المراد بها العِبادُ والأناسيُّ”([9]). والنفس التي لا ناصر لها في الآيتين هي النفس الثانية (المجزي عنها، وهي النفس الكافرة).
استنتاج:
من خلال هذا النموذج في الآيتين الكريمتين، يتضح لنا أن كل تركيب قرآني يؤدي إلى معناه الخاص به. وأن أفضل كتاب في ضبط المتشابهات اللفظية للقرآن الكريم هو القرآن نفسه. وذلك بواسطة التفكر والتدبر في الآيات القرآنية، والرجوع إلى التفاسير وكتب الألفاظ المتشابهة حتى يتبين المعنى المقصود من ذلك. يقول تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ}([10]).
([1]) المتشابه اللفظي في القرآن ومسالك توجيهه عند أبي جعفر بن الزبير الغرناطي، رشيد الحمداوي، ص32
([9]) الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، السمين الحلبي، 1/339