منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“وحدة الأديان” و”وحدة الوجود” في التراث الأكبري إشكالات والتباسات

د. عبد الله الجباري

0

“وحدة الأديان” و”وحدة الوجود” في التراث الأكبري إشكالات والتباسات

د. عبد الله الجباري

مقدمة

يعد المتن الأكبري مادة غميسة تغري الباحثين بتخصصاتهم المختلفة والمتنوعة، لما فيه من عمق في التحليل، وقدرة فائقة على الترميز، وهذا ما جعل العلماء والباحثين منقسمين حوله تأييدا ومعارضة، تبنيا وانتقادا.

ومن الإشكالات الأكبرية التي لم تجف الأقلام في مناقشتها، إشكاليتا “وحدة الأديان” و”وحدة الوجود”، وهما من الإشكالات القديمة الجديدة في التراث الإسلامي عامة، وتراث ابن العربي الحاتمي خاصة، ما حدا بنا إلى مقاربتها وسبر أغوارها في هذه الدراسة، معتمدين في ذلك على نصوص الشيخ الأكبر ذاتها، معرضين عن الوسطاء من العلماء والباحثين، ضمانا منا لمنسوب أعلى من الموضوعية في البحث.

وقد ضمت الدراسة تمهيدا ومحورين، أثرت في التمهيد مبحثا رئيسا يعد قاعدة البحث وأساسه، وذلك من خلال الحديث عن المعجم الأكبري وخصوصيته، لنصون أنفسنا من إخضاع تراث الرجل إلى غير مقصوده ومراده.

أما المحور الأول فخصصته لإشكالية وحدة الأديان، وهي الإشكالية التي تثار من قبل خصومه من المتشرعة، أو من قبل أنصاره من الحداثيين، وجعلته في مبحثين، أولهما عام من خلال تبيان مواقفه من معتقدات غير المسلمين، وثانيهما عمدت فيه إلى تحليل قصيدته الشهيرة التي تعتمد في نسبة القول بوحدة الأديان إليه.

وأفردنا المحور الثاني إلى إشكالية وحدة الوجود، وهي الإشكالية التي جعلت قراءه فريقين، أولهما يقول بها تأييدا وتبنيا ويعتبرها توحيدا خالصا، وثانيهما يخاصمه بسببها ويرمي به إلى ساح الكفر دون مثنوية، وقد جعلت هذا المحور في ثلاثة مباحث، أولها في التعريف بوحدة الوجود حتى نكون على بينة من موضوع النقاش دون أن نلحق به ما ليس منه، وقمنا في المبحث الثاني بتتبع بعض القائلين بوحدة الوجود قبل ابن العربي دون استيعاب أو استقصاء، لنبين أن الرجل مسبوق بهذا القول من عدد من الأعلام، أما المبحث الثالث فحصرناه في الحديث عن هذه الوحدة من خلال تراث ابن العربي دون سواه، مع مقارنة داخلية مع أقوال خصمه ابن تيمية.

وختمنا الدراسة بخلاصات مركزة حول شتات الموضوع.

تمهيد

البحث في التراث العربي الإسلامي ليس نزهة عابرة، أو فسحة للترويح عن النفس، بل البحث فيه ودراسة قضاياه من أصعب المغامرات، وأعسر المبادرات، لما يكتنف ذلك التراث من الموسوعية والثراء من جهة، والدقة والصرامة من جهة ثانية، وتعدد المناهج والمدارس والمقاربات من جهة ثالثة.

هذه الصعوبة تزداد تعقيدا حين نغامر بدراسة التراث الصوفي، لما يتسم به هذا الحقل المعرفي بما ذُكر أولا، إضافة إلى اتسامه بخصوصيات أخرى، مثل انبناء كثير من إنتاجه على الواردات والفتوحات، مع ما يكتنف ذلك من صعوبة التعبير، فيضطر الصوفي في نظمه أو نثره إلى معجم خاص، مليء بالترميز والتكثيف، ونحت عبارات ومصطلحات خاصة غير متداولة في الحقول المعرفية الأخرى.

هذه الكتابة الصوفية فرضت على الدارسين أن يتحلوا بالأناة في القراءة، والعمق في الدراسة، ليغوصوا في بحرها، ويظفروا بدررها، فيبرزونها في مؤلفات ناصعة ومفيدة، وهذا ما قام به بعض المتقدمين، مثل شراح المتن الأكبري، وكذا ما قام به بعض المعاصرين، الذين أثروا المكتبة الإسلامية بأبحاث أكاديمية رصينة حول التراث الصوفي.

وقد اقتحم عقبة هذا البحث جماعة من الباحثين المتسرعين، الذين يقتنصون من التراث الصوفي قولا هنا أو اقتباسا هناك، أو يستندون على حكم صادر عن أحد العلماء في سياق ما، فيتخذونه حكَما لا يقبلون غيره من الأقوال، وحُكما لا يقبل المراجعة أو النقض، فوصموا كبار الصوفية بالحلول والاتحاد، أو بوحدة الأديان، أو بقبول الشرك واستساغته، إلى غير ذلك مما قيل ويقال، ولو رجعوا إلى التراث الصوفي بصبر وأناة، وتجشموا عناء قراءته دون واسطة، وموازنة مقولاته وعرض غامضها على واضحها، لمَا صدرت عنهم هذه المخرجات، ولما تورطوا في هذه الأحكام، ومنهم من جنح إلى التكفير، يحسبونه هينا وهو عند الله عظيم.

ولم يشذ البحث في التراث الأكبري عن هذا السَّنن، فانخرط فيه متسرعون وسطحيون، وباحثون مجتهدون، فنسبوا إلى الشيخ الأكبر القول وضده، والعقيدة ونقيضها، لذا كان لا بد من الرجوع إلى المتن الأكبري لمعرفة الصحيح من تلك الأقوال، والسالم من تلك الأحكام، وهو ما سنعمد إليه في بحثنا هذا، خصوصا في مقولتَيْ “وحدة الوجود” و”وحدة الأديان”، وهما مما اشتهرا عنه شهرة “قفا نبك”.

فهل قال الشيخ الأكبر بوحدة الأديان؟ وهل تبنى عقيدة وحدة الوجود؟ وهل هو أول من قال بها؟ وهل يمكن الجمع بينها وبين عقيدة الحلول والاتحاد المنسوبة إليه؟

المعجم الأكبري

غني عن البيان أن بعض الفلاسفة والنوابغ امتازوا عن غيرهم بنحت مصطلحات، ووضع عبارات خاصة بهم، وقد يستعملون عبارات عامة باصطلاح خاص، ومن لم يطلع على تراثهم عامة لا يكتشف هذه الخصوصية، وينسب إليهم ما لم يقولوه.

وابن العربي من هؤلاء الذين تميزوا بهذه الخصوصية، فتحدث عن “الشرك” باعتباره مذمة ومثلبة عقدية، وتحدث في الآن نفسه عن “مقام الشرك”، فترجم الباب الثالث والسبعين ومائة من الفتوحات المكية بقوله: “في معرفة مقام الشرك، وهو التثنية”، وخلص من هذا التمييز إلى مشركَيْن اثنين، مشرك شقي، ومشرك سعيد[1]. ومن اقتصر على عبارته المذكورة دون الاطلاع على باقي المباحث والمناقشات المبسوطة في الفتوحات وغيرها، فإنه لا محالة سينسب إليه الثناء على عبادة الأصنام والشرك بالله تعالى.

ومن الاصطلاحات المتداولة بكثرة في تراثه رحمه الله، اصطلاح “الأحدية” و”التوحيد”، وهو ما سنتوقف عنده لبيان اللبس الاصطلاحي الذي قد يوقع القارئ في شراك جملة من الأوهام.

مثال “التوحيد”:

التوحيد عند ابن العربي الحاتمي رحمه الله هو “التعمل في حصول العلم في نفس الإنسان أو الطالب بأن الله الذي أوجده واحد لا شريك له في ألوهيته”، وهو “نسبة فعل من الموحد يحصل في نفس العالم به أن الله واحد”[2]، وأنه “ما ثم إله آخر زائد على هذا الواحد”[3].

وعلم التوحيد عند الشيخ الأكبر نوعان: توحيد كسبي، وتوحيد وهبي.

** علم التوحيد الكسبي هو التوحيد الذي لا يدرَك إلا بالنظر الفكري، وقد اعتمد أصحابه فيه على العقل أو استعانوا به، فوقعوا في تقليده، والعقل كما عبر عنه الشيخ الأكبر له فضول كثير، وصاحب العقل “يتخيل أنه صاحب دليل إلهي، وإنما هو صاحب دليل فكري[4].

** علم التوحيد الوهبي هو “علم الأنبياء والرسل وأولي العلم من أهل الله”[5]، وهم الذين لجأوا إلى الله ابتداءً ليعطيهم “العلم بذلك المطلوب من غير استعمال فكر”[6]، وأسباب الاحتياج إلى الله والالتجاء إليه في هذا الباب ترجع إلى أمور:

أولها: أفضليته على الاستناد إلى الدليل الفكري؛

ثانيها: العلم المكتسب من النظر الفكري تخالطه الشبهات، بخلاف العلم عن الله تعالى؛

ثالثها: الاستناد إلى النظر الفكري يؤدي إلى تقليد العقل، وتقليد الله أسلم من تقليد العقل، لما يخالط التقليد الثاني من شبهات لا توجد في التقليد الأول.

قال ابن العربي: “الرجوع إلى الله أولى في الأمور كلها، كما قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ (هود: 123)، وهذا من جملة الأمر، فلا علم إلا العلم المأخوذ عن الله، فهو العالم سبحانه وحده، والمعلم الذي لا يدخل على المتعلم منه فيما يأخذه منه شبهة، ونحن المقلدون له”[7].

والفرق بين المنهجين عند ابن العربي، أن أصحاب النظر الفكري “لا يزالون مختلفين في العلم بالله”، بخلاف الفريق الآخر، فـ”الأنبياء مع كثرتهم وتباعد ما بينهم من الأعصار، لا خلاف عندهم في العلم بالله، لأنهم أخذوه عن الله، وكذلك أهل الله وخاصته، فالمتأخر يصدق المتقدم، ويشد بعضهم بعضا، ولو لم يكن ثَمَّ إلا هذا لكفى ووجب الأخذ عنهم”.

بناء على هذا التصور، نحا ابن العربي إلى سلب صفة العالمية عن مقلدي العقل من أصحاب النظر الفكري، لأن الأحق بتلك الصفة في نظره هم العارفون العالمون عن الله المقلدون له، فقال: “نحن في تقليدنا إياه فيما أُعلمنا به أوْلى باسم العلماء من أصحاب النظر الفكري”[8].

وأثناء هذا السفر الأكبري في مفهوم التوحيد، نقف له على أقوال قد تُفهم على غير مرادها، مثل نقله عن “أهل طريق الله” أن “التوحيد إذا ثبت أنه عين الشرك”، كما ينقل عن بعضهم قوله: “كل من وحّده جاحد”، وأن الشرك دخل في التوحيد، ليخلص إلى أن “التوحيد جنى على نفسه”.

هذه المقولات إن اقتنصناها من الكتابة الأكبرية، وبترناها عن سياقها، فإننا لا محالة سننسب إلى الشيخ الأكبر من المثالب العقدية أكبرَها، ومن الكفريات أخطرَها، وبنوع من الأناة الفكرية، ومجالسة المتن الأكبري ومدارسته، فإننا سنتعرف على اصطلاحه ومراميه، وسنقف على غير ما فهمناه ابتداء، والسبب في ذلك أنه يميز بين مقامين في التوحيد، هما:

المقام الأول: أحدية الله.

المقام الثاني: أحدية كل موجود.

وأحدية الله تعالى هي أحدية تخصه، وأحدية كل موجود هي الصفة التي يتميز بها عن غيره فيكتسب بها أحديةً تميزه.

وأحدية الله تعالى صفة تنزيه[9]، ولا يقع فيها الخطأ إلا حين يجعلها البعض بجعل جاعل، هنا دخل الشرك في التوحيد، وبيان ذلك وتجليته من خلال التمييز بين “واحد” و”واحد”، لأن “الواحد” نوعان:

الأول: الواحد الذي أثبتنا له الأحدية.

الثاني: الواحد الذي علِمنا أحديته ولم نثبتها له.

والأول غير سائغ، وهو التوحيد الذي داخَله شرك، لأن الله تعالى لم نثبت له الأحدية بأن نفينا عنه الغير، بل الغير والنظير والشبيه معدوم غير موجود أصلا، لذا كانت أحديته مطلقة، ونحن علمنا بها، وهذا ما جلاه ابن العربي في نصه الطويل: “الواحد لنفسه لا يكون واحدا بإثباتك إياه واحدا، فما أنت أثبتّه، بل هو ثابت لنفسه، وأنت علمت أنه واحد، لا أنك أثبتّ أنه واحد، فلهذا قال من أصحابنا قوله: إذ كل من وحده جاحد، لأن الواحد لا يوحَّد، لأنه لا يقبل ذلك، لأنه لو قبل ذلك لكان اثنين:

  • وحدته في نفسه؛
  • ووحدة الموحد التي أثبتها له.

فيكون واحدا بنفسه، وواحدا بإثبات الوحدة له من غيره، فيكون ذا وحدتين، فينتفي كونه واحدا، وكل أمر لا يصح إثباته إلا بنفيه، فلا يكون له ثبوت أصلا، فالتوحيد على الحقيقة مناله سكوت خاصةٍ ظاهرا وباطنا، فمهما تكلم أوجد، وإذا أوجد أشرك، والسكوت صفة عدمية، فيبقى توحيد الوجود له، وما دخل الشرك في توحيده إلا بإيجاد الخلق، لأن الخلق استدعى بحقائقه نسبا مختلفة تطلب الكثرة في الحكم، وإن كانت العين واحدة، فما طرأت الآفة في التوحيد إلا من الإيجاد، فالتوحيد جنى على نفسه لم تجن عليه الموجودات”[10].

والخلاصة مما سبق، أن ابن العربي قد يطلق بعض العبارات التي قد تُفهم فهما سلبيا، كاعتقاد أن الموحد جاحد، وأن التوحيد داخَله الشرك، ونبني عليها رميه ببعض المثالب، ولكنه في واقع الأمر لا يعتقد ما فهمنا، بل يريد فهما آخر لا يُدرك إلا بتتبع منثورات مكتوباته.

كما نسجل انطلاقا مما سبق، أن الشيخ الأكبر يخالف أحيانا علماء الظاهر من فقهاء ومتكلمين وأصوليين في مناهجهم وطرائقهم، ومن ذلك نظراته في علم التوحيد المنبنية على فهمه لنصوص قرآنية متعددة[11].

المحور الأول: وحدة الأديان عند ابن العربي الحاتمي:

ينسب كثير من الباحثين إلى الشيخ الأكبر قوله بوحدة الأديان، واعتقاده بذلك، مستندين في رأيهم على أقوال مقتنصة من تراثه، ومن أشهرها أبياته الشعرية المجتزأة من قصيدة مطلعها:

إني عجبت لصبٍّ من محاسنه                     تختال ما بين أزهار وبستان

والأبيات المشار إليها هي:

لقد صار قلبي قابلا كلَّ صورة                       فمرعىً لغزلان، وديرٌ لرهبان.

وبيت لأوثان، وكعبةُ طائف                            وألواحُ توراة، ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت                        ركائبه، فالدين ديني وإيماني

فهل هذه الأبيات دالة على اعتقاد ابن العربي لوحدة الأديان وإيمانه بها؟ وهل كان مُسَوّيا بين المعتقدات النصرانية واليهودية والوثنية والإسلام؟

تأسيسا على المنهج الذي أشرنا إليه سابقا في تعاملنا مع مفهوم “التوحيد” عند الشيخ الأكبر، فإننا سنعمل على تجلية موقفه من هذه المسألة وفق ثنائية منهجية، قوامها البحث عن مواقفه الصريحة من المعتقدات من تراثه مباشرة دون واسطة أولاً، ثم شرحه لأبياته دون الارتكان إلى شرح غيره ثانيا.

المبحث الأول: مواقف ابن العربي من المعتقدات غير الإسلامية، عبادة الأوثان أنموذجا:

بنظرة سطحية لأبيات ابن العربي المشار إليها، يمكن القول بأنه من القائلين بوحدة الأديان، خصوصا أن قلبه صار قابلا وموافقا للنصرانية (دير الرهبان) واليهودية (ألواح توراة) والإسلام (كعبة طائف – مصحف قرآن) والوثنية (بيت لأوثان) على السواء.

بالعودة إلى تراث ابن العربي الحاتمي، نجده يستنكر رفع النواقيس في بلاد المسلمين، ويقول بكفر المسلمين الذين يذهبون إلى الكنيسة للتبرك بماء المعمودية، كما نص على كفر اليهود والنصارى، وأنهم ليسوا من أهل الإيمان، وليسوا من أهل السعادة[12]، ومن يقول بوحدة الأديان، فإنه يعدّ النصارى واليهود معا من أهل الإيمان، ويسوي بينهم وبين المسلمين، ويعدّ الجميع من أهل السعادة.

وبما أن ابن العربي قد ضمّن أبياته عبارة “بيت لأوثان”، فإننا سنقف في هذه الدراسة على نُقول واقتباسات من تراثه، تبين موقفه من المشركين عبدة الأوثان، ليتجلى لنا هل كان موافقا لهم مؤيدا لتوجههم الاعتقادي؟ وهل كان مهادنا لهم ولمعتقدهم؟ وهل كان يعتبرهم لأهل الإيمان إخوانا وخلانا؟

بالرجوع إلى تراث ابن العربي، نجده لا يؤمن إلا بعقيدة التوحيد، ولا يعترف بسواها، لذا جعل السعادة متعلقة بالتوحيد وحده، وليست متعلقة بالشرك وعبادة الأوثان، وهذا صريح قوله: “بالتوحيد تتعلق السعادة، وبنفيه يتعلق الشقاء المؤبد”[13].

كما أن العلم بتوحيد الله من عدمه هو معيار موت النفوس وحياتها عنده، ومما قاله في هذا المعنى: “فلما عمرت الأنفس الأجسام الطبيعية في الدنيا، فارقها العلم بتوحيد الله، فبقيت النفوس ميتة بالجهل بتوحيد الله، ثم بعد ذلك أحيى الله بعض النفوس بالعلم بتوحيد الله”[14].

والتوحيد هو النور عند الشيخ الأكبر، ونقيضه/الشرك ظلمات، قال رحمه الله: “فالحياة الإقرارُ بالوجود، أي بوجود الله، والنور المجعولُ العلمُ بتوحيد الله، والظلماتُ الجهلُ بتوحيد الله، والموت الجهل بوجود الله”[15].

وإذا كان يعتبر التوحيد سعادةً، والعلم بتوحيد الله حياةً ونورا، فعبدة الأوثان من غير الموحدين في نظره هم الأشقياء الذين لا حياة لهم إلا في الظلمات، يزيد هذا التصور جلاءً ووضوحا قوله الصريح الفصيح: “الفعل الذي تقترن به الشقاوة على قسمين: قسمٌ تقترن به على الأبد، وهي شقاوة الشرك. وشقاوة لا تقترن به على الأبد، وهو كل فعل لا يكون شركا، ولا نداء للحق فيه البتة”[16].

والمشرك في نظر الشيخ الأكبر مجرد جاهل لا حظّ له من العلم، قال رحمه الله: “تقدم في حروف شهادة التوحيد، في لفظة (لا إله إلا الله)، فنفى بحرف الألفة ألوهة كل إله أثبته الجاهلالمشرك لغير الله”[17].

وبالنظر إلى الجنة وأهلها، قال رحمه الله: “الجنان ثلاث: جنة جزاء العمل، وجنة ميراث؛ وهي التي كان يستحقها المشرك لو آمن؛ وجنة اختصاص غير هاتين”[18]، وهذا جلي في كون المشرك لا يستحق الجنة وليس من أهلها بسبب شركه، ولم يكن المانع من دخوله الجنة غير ذلك الشرك.

ولن نجد أوضح من موقفه من المشركين إلا في النصوص المصرحة بكفرهم، المفصحة عن حقيقتهم، ومنها قوله: “اعلم أن كل مشرك كافر، فإن المشرك باتباع هواه فيمن أشرك واتخذه إلها، وعُدوله عن أحدية الإله يسترها عن النظر في الأدلة والآيات المؤدية إلى توحيد الله، فسُمّي كافرا لذلك الستر ظاهرا وباطنا، وسمي مشركا لكونه نسب الألوهية إلى غير الله مع الله، فجعل لها نسبتين فأشرك”[19].

ولنتأمل في هذا النص الأكبري الذي عقد فيه صاحبه مقارنة بين المشرك والكتابي: “لم تضرب الجزية على المشرك، وفرق بينه وبين الكفار من أهل الكتب المنزلة، فإن المشرك قادح في الحق وفي الكون بشركه، فلم يكن مستند يعصمه من القتل، لأنه قدح في التوحيد وفي الرسل، والكفار من أهل الكتاب لم يقدحوا في التوحيد وفي الكون، أعني الرسل، لكن قدحوا في رسول معين لهوى أو شبهة قامت بهم لم يثبت صدق صاحب الدعوى عندهم، فلهذا كان لهم في الجملة مستند صحيح ـ عندهم لا في نفس الأمرـ يعصمهم من القتل، فضربت عليهم الجزية وتركوا على دينهم ليقيموه أو ليقيموا بعضه على قدر ما يوفقون إليه”[20].

في هذا النص يصرح ابن العربي الحاتمي أن أهل الكتاب كفار أولا، لكنهم معصومون من القتل، بخلاف المشركين، فهم كفار يستحقون القتل.

وما يمكن تسجيله في هذا المقام، هو أن ابن العربي الحاتمي يعتبر نفسه من أهل الكشف في المعرفة الإلهية، ويرفض من يقول بالتجسيم والتشبيه، أما المعتزلة والمفوضة والمؤولة فينتقدهم في مواطن من كتبه، ويتوافق مع بعض آرائهم، لكنهم جميعا عنده “موفقون بحمد الله”[21]، وهذا ما عبّر عنه بقوله: “إن الحضرة الإلهية تقبل جميع العقائد إلا الشرك، فإنها لا تقبله، فإن الشريك عدم محض، والوجود المطلق لا يقبل العدم”[22]، وهذا ما يؤكد أن الحاتمي لم يكن متعصبا لمذهب أو اتجاه عقدي، ولم يرفض المذاهب العقدية رفضا مطلقا، بل كان داعية انفتاح على الجميع، ينتقد ويوافق، ورغم ذلك، لم يستسغ الشرك ولم يوافق عليه، وجعله مرفوضا منبوذا.

بناء على هذا الاقتباسات، يتبين الموقف السلبي للشيخ الأكبر من الشرك وأهله، لأنهم في نظره:

أولا: أهل شقاوة.

ثانيا: جهَلة.

ثالثا: أموات غير أحياء.

رابعا: هم في ظلمات لا نور لهم.

خامسا: كفار.

سادسا: ليسوا من أهل الجنة.

سابعا: يستحقون القتل ولا عاصم لهم منه.

ثامنا: لا تقبلهم الحضرة الإلهية.

وإذا كانت هذه أوصاف ونعوت ومصائر أهل الشرك في نظر الشيخ الأكبر، فمن غير السائغ أن ننسب إليه القول ببرهم وموالاتهم في إطار “وحدة الأديان” وتدانيها، بناء على تضمينه عبارة “وبيت لأوثان” في أبياته السابقة.

المبحث الثاني: شرح وبيان ابن العربي لأبيات قصيدته.

نظم ابن العربي الحاتمي قصائد متعددة، ضمّنها ديوانه الموسوم بـترجمان الأشواق، تناول فيه كثيرا من الإلهامات والواردات، وصاغها – في الغالب – بأسلوب غزلي، ولما اطلع على الديوان بعض الفقهاء الحلبيين، أنكروا على صاحبه كثيرا من أقواله، فاضطر الشيخ الأكبر إلى شرحه في سفر خاص، سماه ذخائر الأعلاق، شرح ترجمان الأشواق، قال في مقدمته: “ولم أزل فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الورادات الإلهية، والتنزلات الروحانية، والمناسبات العلوية، جريا على طريقتنا المثلى، فإن الآخرة خير لنا من الأولى،،.. وكان سبب شرحي لهذه الأبيات، أن الولد بدر الحبشي والولد إسماعيل بن سودكين سألاني في ذلك، وهو أنهما سمعا بعض الفقهاء بمدينة حلب ينكران هذا من الأسرار الإلهية، وأن الشيخ يتستر لكونه منسوبا إلى الصلاح والدين، فشرعتُ في شرح ذلك، وقرأ علي بعضه القاضي ابن العديم بحضرة جماعة من الفقهاء، فلما سمعه ذلك المنكِر تاب إلى الله سبحانه وتعالى ورجع عن الإنكار على الفقراء، وما يأتون به في أقاويلهم من الغزل والتشبيب، ويقصدون في ذلك الأسرار الإلهية، فاستخرت الله تعالى في تقييد هذه الأوراق، وشرحت ما نظمته بمكة المشرفة من الأبيات الغزلية في حال اعتماري في رجب وشعبان ورمضان، أشير بها إلى معارف ربانية، وأنوار إلهية، وأسرار روحانية، وعلوم عقلية، وتنبيهات شرعية، وجعلت العبارة عن ذلك بلسان الغزل والتشبيب لتعشق النفوس بهذه العبارات، فتتوفر الدواعي على الإصغاء إليها، وهو لسان كل أديب ظريف، روحاني لطيف”[23].

هذه المقدمة المؤطرة لشرح الديوان، تشير إلى أمور مهمة، لا يمكن فهم القصائد دونها، وهي أنها تقتصر على ذكر الواردات الإلهية، والتنزلات الروحانية، ونظرا لصعوبة صياغة هذه الواردات، وإغلاق العبارة دونها، فإن الشيخ الأكبر توسل بأسلوب الغزل والتشبيب، لتقريب المعاني إلى القارئ، ولعدم نفوره منها.

هذا التأطير الكلي للديوان، سنجده في شرح الشيخ الأكبر للقصيدة التي نحن بصددها، ومطلعها:

إني عجبت لصبٍّ من محاسنه                     تختال ما بين أزهار وبستان

قال الشيخ الأكبر في شرحه للبيت: “قالت – يعني الحضرة الإلهية-: عجبت لصب، يعني: المائل إليها بالمحبة، ووصفها بالتعجب من باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يتعجب من الشاب ليست له صبوة)”[24]، وهكذا يفتتح قصيدته بالمحبة والصبابة، مع تأصيلها بالحديث النبوي، واستعمال المعجم الصوفي من خلال عبارة “المقام الجامع” الذي هو البستان المذكور في البيت، إلى أن قال:

ألا يا حمامات الأراكة والبان                         ترفَّعْنَ لا تُضعِفْنَ بالشجوِ أشجاني.

والمقصود بالحمامات “واردات التقديس والرضى والنور والتنزيه”، هذا المعجم الصوفي سرعان ما سيتحول إلى المعجم الغزلي، حيث قال للواردات: “رفقا علي، لا تضعفن، من التضعيف، ما تلقين إلي في خطابكن من ثمرات التعشق والمحبة المهلكة للمحبين”[25]، إلى أن يقول:

تطوف بقلبي ساعةً بعد ساعة                     لوَجدٍ وتبريحٍ وتلثم أركاني.

وهنا استعمل لفظ القلب الذي “تتكرر عليه الأنّات لتقلبه هو في الحالات”[26]، وقد أشار ابن العربي في شرحه إلى أنه تعمد استعمال “القلب” بدل “النفس” أو “الروح” مراعاة لمعنى التقلب، دون أن نغفل استعمال عبارات الوجد والتبريح ولثم الأركان مما يُستعمل عادة في لغة الشوق والغزل.

هذا القلب المتقلب سيقول عنه:

لقد صار قلبي قابلا كلَّ صورة                       فمرعىً لغزلان، وديرٌ لرهبان.

وبيت لأوثان، وكعبةُ طائف                            وألواحُ توراة، ومصحف قرآن

وقال في شرحه: “لقد صار قلبي قابلا كل صورة كما قال الآخر: ما سمي القلب إلا من تقلبه”، وهنا نجد التناسب بين هذا البيت والبيت السابق، ولكنه سينتقل هنا من المعجم الغزلي إلى المعجم الصوفي، فيبين أن سبب تقلب القلب هو “تنوع الواردات عليه، وتنوع الواردات بتنوع أحواله، وتنوع أحواله لتنوع التجليات الإلهية لسره”[27].

بعد هذا، سيعمد الشيخ الأكبر إلى إطلاق عدة كُنى على هذا القلب، فهو إذا كنّاه بالمرعى، احتاج إلى ذكر السارحين فيه، فلم يجد ألْيَقَ من ذكر الغزلان، لأن بهم “يقع التشبيه بالأحبة للمحبين”، وهكذا نجد لكل كنية مناسبة خاصة بها:

** فسمّاه بيت الأوثان، لأن الحقائق المطلوبة للبشر قائمة بالقلب، ويعبدون الله من أجلها، فسماها أوثانا[28].

** وسماه كعبة طائف، ومناسبة تشبيه القلب بهذا الوصف، أن الأرواح العلوية تحف بالقلب، والحافّون عادةً يكونون على شكل دائري، لذلك استعمل كلمة “طائف” للمناسبة.

** وسماه ألواح توراة، لأنه حصل العلوم الموسوية العبرانية.

** وسماه مصحف قرآن، لأنه ورث المعارف المحمدية الكمالية[29].

أما قوله:

أدين بدين الحب أنى توجهت                        ركائبه، فالدين ديني وإيماني.

فدين الحب هنا يشير إلى قوله تعالى: ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾ (آل عمران: 31)، و”دان به ليتلقى تكليفات محبوبه بالقبول والرضى والمحبة ورفع المشقة والكلفة فيها بأي وجه كانت”[30]، وهذا مقام المحبة، ولما كانت هذه المعارف دقيقة صعبة على الإدراك، انتقل إلى أهل الغزل والعشق، ليضرب بهم المثال، فقال بعده:

لنا إسوة في بِشْرِ هندٍ وأختها                          وقيس وليلى ثم مَي وغيلان.

فقيس يرضى من محبوبته كل شيء، وكذلك ابن العربي، فإنه يرضى تكاليف محبوبه/الله تعالى “أنى توجهت ركائبه”، بمعنى “أنى توجهت، أي أنى سلكت مما يرضَى ولا يُرضَى، فهي كلها مرضية عندنا”.

هذا ديوان ابن العربي وسياقه، وهذه قصيدته، وهذا شرحه لها، ولنا بعض التعليقات هي بمثابة إشارات وإلماعات.

الأولى: لم يذكر ابن العربي في شرح قصيدته أي إشارة ولو من طرف خفي إلى قبول اليهودية، أو تبني النصرانية، أو التداني مع عبدة الأوثان. لذا كان تفسيرها بذلك محض هوى، وتقوّل على الرجل.

الثانية: توقف من نسب إليه القول بوحدة الأديان عند “بيت الأوثان، ودير الرهبان، وألواح التوراة”، لكنهم لم يتوقفوا عند “مرعى الغزلان”، لأنه لو كان يريد وحدة الأديان وتدانيها، لكان ذكره لهذا المرعى لغوا محضا، إذ لا مناسبة تجمعه بين الأديان، ولو التفتوا إليه لما قالوا بهذه الوحدة الموهومة.

الثالثة: القول بوحدة الأديان يلزم منه القول باستمرار أمد الشرائع السابقة ودوام صلاحها، لكن ابن العربي يصرح في أكثر من مناسبة بأنها منسوخة بالشريعة الخاتمة، ومن غير المعقول أن يتوحد الناسخ المُبطل مع المنسوخ الذي تعرض للإبطال، قال رحمه الله: “إنه نسخ بصورة بعثته جميع الشرائع كلها، ولم يبق لشريعةٍ حكمٌ سوى ما أبقى هو منها من حيث هي شرعٌ له، لا من حيث ما هي شرع فقط”[31].

تأسيسا على ما سبق، يتبين لنا أن ابن العربي الحاتمي لم يقل بـ”وحدة الأديان” نظما، ولم يتبنّها نثرا، ويحق لقارئ قصيدته أن يمتطي صهوة التأويل للسفر بها وفيها، لكن مخرجات ذلك التأويل وتلك القراءة من فُهُومٍ واستنتاجات وأحكام لا تلزمه إلا هو، ولا يمكن أن تنسب إلى صاحب القصيدة، ما دام أنه تولى بنفسه شرحها وبيان غامضها، وما دام أنه سكت في سياق البيان، والقاعدة تقول: السكوت في مقام البيان يفيد الحصر، لذا لا يجوز أن ننسب إليه إلا ما قاله حصرا، إضافة إلى ما ثبت عنه من أقوال سلبية قادحة في حق اليهود والنصارى وعبدة الأوثان.

المحور الثاني: وحدة الوجود عند ابن العربي الحاتمي:

  • المبحث الأول: مفهوم وحدة الوجود.

“وحدة الوجود”، اعتقادٌ مفاده على الإجمال أن الوجود الحق وجودٌ واحد غير متعدد، وهو وجود الله تعالى، وأن غيره من “الموجودات” المعبّر عنها في الأدبيات الصوفية بـ”السِّوى” ليس لها وجود حق، لاعتبارات مختلفة، منها:

**وجود الله وجودٌ ذاتي مستقل، ووجود السوى وجود غير ذاتي، بل لا وجود له إلا بالله وبإيجاده.

**وجود الله غير مسبوق بعدم، وغير ملحوق بعدم، هو الأول والآخر، بخلاف السوى، فهي موجودات مسبوقة بعدم، أو يلحقها عدم.

من هنا اعتبر المحققون أن وجود الله وجودٌ “حق”، ووجود الكائنات وجود مجازي، ومنهم من سماه “باطلا”، لمخالفته “للحق” ومضادته له.

هذه المفاهيم ليست من بنات أفكار القرن السابع الذي عاش فيه ابن العربي الحاتمي، بل هي موجودة منذ العصر الأول، وتجد مستنداتها في السنة النبوية، مثل حديث أبي هريرة مرفوعا: “أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد، ألا كل شيء ما خلا الله باطل[32]، إضافة إلى حديث: “كان الله ولم يكن شيء غيره”[33]، وهو يفيد اسم “الواحد” الدال على “الوحدة”، وهي وحدة مستمرة متواصلة غير منقطعة، لذا كان العلماء يشفعون الحديث بعبارة “وهو الآن على ما عليه كان”.

وبما أن هذه الوحدة باقية ممتدة، فإن الغير عدمٌ، لأنه صائر إليه، ومسبوق به، فلم يبق إلا الله تعالى، وهو ما يجد تأصيله في نصوص شرعية متعددة، منها قوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ [سورة الأنفال، الآية: 17]، والحديث القدسي: “يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟، قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده،..”[34]، وغير ذلك من النصوص التأصيلية.

  • المبحث الثاني: وحدة الوجود قبل ابن العربي:

غير خاف على الدارسين، أن ابن العربي الحاتمي ليس من القائلين بوحدة الوجود فحسب، بل هو أشهر القائلين بها، وأكثر من رددها شعرا ونثرا، وكاد يؤسس فكره كله على هذا الاعتقاد، لكنه لم يكن أول قائل بها، ولا أول منشئ لها، بل سبقه إليها غير واحد، منهم لبيد صاحب البيت الشعري الذي أثنى عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ثم توالى القائلون بها من أعلام المسلمين، منهم:

1 – أحد مشايخ القرن الرابع الهجري: نقل أبو حيان التوحيدي في المقابسة الرابعة والأربعين من المقابسات عن فضلاء الفلاسفة أقوالا في “معنى الإمكان وما قيل فيه”، ونقل عن أحدهم الذي نعته بكونه “من جلة القوم” قوله: “ليس لشيء وجود ولا وجوب إلا الباري الحق، ولا حقيقة إذاً لشيء إلا له، لأنه هو الواجب، وكل ما عداه فإنما هو واجب به، وممتنع به، وممكن به، والوجود الحق له. فكل وجود يرسم للممكن أو للممتنع فإنما هو بالاستعارة والتقريب والتحلية والتشبيه”. وبعد أن نقل أقوال هذا الفيلسوف وغيره، علق بقوله: “هذا مبلغ حاصلي من قول هؤلاء المشايخ”[35].

وهذا القول صريح في الحديث عن “الوجود الحق”، ولم ينعت الوجود المقابل له بالباطل كما سنرى عند اللاحقين، بل ركز على أن الوجود الآخر ليس له وجود إلا استعارةً أو تشبيها.

2 – أبو حامد الغزالي: تبنى الإمام أبو حامد الغزالي (ت:505هـ) بعض المقولات الدالة على وحدة الوجود، وذلك في رسائل متعددة، منها قوله: “الحضرة محيطة بكل الموجودات، إذ ليس في الوجود شيء سوى الله”[36]، وقال أيضا: “من قال لا يعرف اللهَ غير الله، فقد صدق، وأن من قال لا أعرف إلا الله، فقد صدق أيضا، فإنه ليس في الوجود إلا الله عز وجل وأفعاله، فإذا نظر إلى أفعاله من حيث هي أفعاله، وكان مقصور النظر عليه، ولم يره من حيث هو سماء وأرض وشجر، بل من حيث أنه صنعه، فلم يجاوز معرفته حضرة الربوبية، فيمكنه أن يقول ما أعرف إلا الله، وما أرى إلا الله عز وجل. ولو تصور شخص لا يرى إلا الشمس ونورها المنتشر في الآفاق، يصح منه أن يقول ما أرى إلا الشمس، فإن النور الفائض منها هو من جملتها، ليس خارجا منها، وكل ما في الوجود نور من أنوار القدرة الأزلية وأثر من آثارها، وكما أن الشمس ينبوع النور الفائض على كل مستنير، فكذلك المعنى الذي قصرت العبارة عنه، فعبر عنه بالقدرة الأزلية للضرورة، وهو ينبوع الوجود الفائض على كل موجود، فليس في الوجود إلا الله عز وجل، فيجوز أن يقول العارف لا أعرف إلا الله.

ومن العجائب أن يقول لا أعرف إلا الله، ويكون صادقا، ويقول لا يعرف الله إلا الله عز وجل، ويكون أيضا صادقا، ولكن ذلك بوجه، وهذا بوجه، ولو كذبت المتناقضات إذا اختلفت وجوه الاعتبارات لما صدق قوله تعالى ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ (الأنفال: 17)، ولكنه صادق، لأن للرمي اعتبارين: هو منسوب إلى العبد بأحدهما؛ ومنسوب إلى الرب تعالى بالثاني، فلا تناقض فيه”[37].

وقال أبو حامد أيضا: “الوجود ينقسم إلى ما للشيء من ذاته، وإلى ماله من غيره. وماله الوجود من غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه. بل اعتُبر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض. وإنما هو موجود من حيث نسبته إلى غيره، وذلك ليس بوجود حقيقي كما عرفت في مثال استعارة الثوب والغِنَى. فالموجود الحق هو الله تعالى، كما أن النور الحق هو الله تعالى.

من هنا ترقى العارفون من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة، واستكملوا معراجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا الله تعالى، وأن ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (القصص: 88)، لا أنه يصير هالكاً في وقت من الأوقات، بل هو هالك أزلاً وأبداً لا يتصور إلا كذلك، فإن كل شيء سواه إذا اعتُبِر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض، وإذا اعتبر من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأول الحق رُؤيَ موجوداً لا في ذاته، لكن من الوجه الذي يلى موجده، فيكون الموجود وجه الله تعالى فقط.

فلكل شىء وجهان: وجه إلى نفسه، ووجه إلى ربه. فهو باعتبار وجه نفسه عدم، وباعتبار وجه الله تعالى موجود. فإذن لا موجود إلا الله تعالى ووجهه، فإذن: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ أزلاً وأبداً”[38].

هذه أهم النصوص التي دوّنها أبو حامد الغزالي المفصحة عما نحن بصدده من تقرير وحدة الوجود، والتمييز بين وجودين، أحدهما مطلق، وهو وجودٌ حق، والآخر وجود مجازي، هو عدم في نظره.

2 – عين القضاة الهمذاني: كان الهمذاني مولعا بكتب أبي حامد الغزالي، وصدرت عنه مقولات سُجن وصُلب بسببها، واتُّهم بالزندقة لأجلها، لكنه لما كان في سجنه، كتب رسالة شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان، يشكو فيها حاله، ويستنكر ضيق صدر فقهاء عصره الذين تمالؤوا ضده، فحاول أن يبسط لهم مقولاته، ويذكّرهم بها، ويبين ـ على سبيل الإلزام ـ أنها متوافقة مع مقولات أبي حامد الذي يعظمونه ويعتمدون أقواله وتقريراته، دون أن يبدعوه أو يزندقوه، فقال في هذا السياق: “على أن الكمالات التي أنكروها عليّ كلها موجودة لفظا ومعنى في كتب الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وذلك كقولنا في صانع العالم أنه ينبوع الوجود، ومصدر الوجود، وأنه هو الكل، وأنه الوجود الحقيقي، وأن ما سواه من حيث ذاته باطلٌ وهالكٌ وفانٍ ومعدوم، وإنما كان موجودا من حيث أن القدرة الأزلية تقوِّم وجوده، وهذه الألفاظ مذكورة في مواضع كثيرة من إحياء علوم الدين، وفي مشكاة الأنوار ومصفاة الأسرار، وفي المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال، وكل ذلك من مصنفات الغزالي رحمه الله”[39].

ويقول الهمذاني في موضع آخر: “الشيء قد يكون موجودا من وجه، ومعدوما من وجه آخر، وهذا حكم كل موجود سوى الموجود الذي وجوده قائم بذاته، فإن كل ممكن إذا نُظر إلى ذاته ولم يعتبر قيومية الواجب له، كان معدوما من حيث ذاته. ومهما نُظر إليه، واعتبر من حيث الوجه الذي يلي قيومية الواجب، كان موجودا، وإلى مثل ذلك يشير القرآن العظيم والكلام القديم حيث يقول: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ (الرحمن: 26-27)، وعلى شيء شبيه بذلك ينبه قول النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: “أصدق بيت قالته العرب قول لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل                         وكل نعيم لا محالة زائل”[40].

ولعل عين القضاة الهمذاني هو أول من نحت عبارة “وحدة الوجود”، وذلك في قوله: “الحقيقةُ مشاهدة وحدة الوجود المطلق لله تبارك وتعالى”[41].

من خلال هذه الاقتباسات، يتبين لنا مدى تبني عين القضاة لهذا المبدأ، وشرحه والتعريف به في أكثر من موضع من تواليفه.

3 – ابن برجان الإشبيلي: يعد أبو الحكم عبد السلام بن برجان اللخمي الإشبيلي (ت:536هـ) من أشهر صوفية الأندلس في عصره، وكان أشعري الاعتقاد، وله باع في التصوف والعرفان، وهو ممن نثر بعض مصنفاته بما له علاقة بوحدة الوجود، أو ما يسميه “التوحيد الأعلى، توحيد الصديقين”، ففي تفسيره لقوله تعالى ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ (الأنفال: 17)، قال: “أخبر عما سيكون قبل أن يكون ليثبت بأنه هو المتوحد المنفرد وحده، ذلك بأنه هو محرك المتحركين، وقاتل المقتولين، ومتمم فعل الفاعلين، ومجدد قوى القادرين، هو الأول في ذلك والآخر، والظاهر والباطن، إنما عليهم ما حملهم، وعليه ما تضمن، ﴿ومن أوفى بعهده من الله﴾ (التوبة: 111)، إنما للعبد من فعله ما أوجد الله له من الحركة المضافة إليه بنسبة إليه، وإنما صورة الفعل التي هي كماله وتمامه فهو له، ولما كان التمام والكمال والبداية والنهاية والظاهر والباطن هما صورة العمل، لأن مآله كلزوم الظل شخصه، ألزم جلَّ ذِكره المكلف ثواب فعله وعقابه بما نوى وما اجترم، وهذا هو التوحيد الأعلى، توحيد الصديقين، والذين هم شهداء الله عز وجل في عباده”[42].

وأثناء شرح اسم الله “الحق”، قال ابن برجان: “اعلم أنك وإن كنت موجودا حقا، فلستَ حقا لنفسك، وكذلك وجود كل ذي وجود سوى الله جل ذكره، وإنما يكون الموجود حقا من جهة، باطلا من جهة أخرى. فوجوده الحق هو وجود بالله ولله، ووجوده لذات نفسه باطل من هذه الجهة، إذ الله موجده يملك نفسه وروحه وحياته وتركيب أجزائه ومعاني وجوده كلها وتوابعه، فوجوده مستفاد من موجده جل جلاله، قال عز وجل: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾”[43]، ثم استرسل في شرح قول أحدهم: “أنا الحق”، وأن ذلك “لأجل مشاهدتهم الفاعل دون المفعول، ورؤيتهم الحق في المحقق”، وذلك منهم على وفاق الحديث القدسي: “ابن آدم، مرضت ولم تعدني،..” الحديث، ليخلص في النهاية إلى أنه “يجوز قول القائل منهم إنه الحق، وهذا مقام من ينظر إلى وجود الموجودات بوجود الموجد العلي”[44].

4 – عبد الجليل القصري: أبو محمد عبد الجليل بن موسى الأندلسي القصري (ت:608هـ)، من أشاعرة المغرب في عصره، طرز كتابه الشهير شعب الإيمان بأقوال وتحريرات دالة على قوله بوحدة الوجود، منها: “الحق هو الوحدانية، والباطل هو الكثرة، كما قال تعالى: ﴿ذلك بان الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ (الحج: 62)، والباطل هو العدم الذي لا يجوز أن يكون موجودا، والحق هو الوجود الذي لا يجوز أن يكون معدوما، والحق هو الشيء الواضح الظاهر البين، والباطل هو الشيء الخفي الذي لا وجود له.

فلما أن كان الباري عز وجل هو الوجود الحق، كانت أفعاله كلها حقا، فتحقق وجودها به، وبقي وجودها بموجدها الباقي الحق. ولما كان الباطل لا وجود له، كان كل من ادعى إلها باطلا بضد ذلك، فبطل وجود من ادعى ذلك”[45].

ويقول عبد الجليل القصري أيضا: “اعلم أن العوالم كلها هي أفعال الله ومخلوقاته، فليس في الوجود إلا الله،.. تبّا لمن يقول: إن أحدا يفعل فعلا في الوجود كله، والله يقول: ﴿فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت﴾ الآية”[46].

وإذا كان وجود الله حقيقيا، كان وجود الغير بخلاف الحقيقة، وهو ما عبر عنه الشيخ القصري بالمجاز والاستعارة، فقال: “القديم لا يتطرق إليه الفساد ولا البطلان، بل لا يزال أبدا كما لم يزل أزلا. والمحدَث تتطرق إليه الصنعة والتغيير والبطلان، من حالة إلى حالة أبدا، وهو العدم، لأنه لا قوام له بنفسه، فالوجود له عارية ومجاز ومستعار، ولو كان الوجود له حقيقة لأشبه الوجود الحق سبحانه، “ألا كل شيء ما خلا الله باطل”، ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، فبهذا تفهم أنه لا ينبغي مع وجوده شيء”[47].

وقد يفهم البعض مبدأ وحدة الوجود بطريق الخطأ، ويورد عليها إلزامات بعيدة، كقولهم إن الله هو عين تلك الموجودات، أو هي عين الله تعالى، وهذا ما اجتهد القصري في إبطاله، فبيّن أن الله يتصف بصفة التجلي، ولا يوصف بالغيبوبة أبدا، ونظرا لصعوبة هذا المعنى ودقته، لجأ إلى التوضيح باستعمال أسلوب ضرب المثال، ولم يجد أفضل من مثال الشمس التي تظهر بأشعتها على الموجودات فتظهر، أو تغيب عنها فتغيب، قال رحمه الله: “اعلم أن الباري سبحانه متجلي ظاهر أبدا، لا يوصف بالغيبوبة والأفول، تعالى عن ذلك، وإنما الأشياء هي التي حجبت بعضها بعضا بالغفلات والظلمات، ولو قدرت غيوب الشمس ولم يكن لها ظهور بشعاعها على الموجودات والكواكب والأفلاك، لانطمست الأشياء ولم يظهر وجودها، كذلك لو قُدّرت غيبة الباري سبحانه لم يظهر شيء دونه، ولا كان للأشياء وجود البتة بحال.

فبالحقيقة ليس الظاهر على الأشياء إلا نور الشمس الذي هو الشعاع، ولولا وجود قرص الشمس لم يكن للشعاع وجود.

فبالحقيقة إنما ظهرت الأشياء بظهور قرص الشمس، فالشمس هي الظاهرة المرئية.

وكذلك بالحقيقة، ليس الظاهر إلا الله وحده، “ألا كل شيء ما خلا الله باطل”.

والشمس في نفسها والأشعة المتجلية متعددة بتعدد ذوات العالم وجواهره القابلة لشعاع الشمس، فتنجلي في كل عينٍ شمس، وفي كل مرآة صقيلةٍ شمسٌ، وفي كل موضع من البحر والأرض والهواء شمس، فلو كانت جواهر الأرض كلها صقيلة صافية كالهواء والبحر لظهر في كل جزءٍ شمسٌ كما تظهر الصور في المرائي،..، وكذلك تتجلى الأرواح من أمر موجدها في ذات كل روح من جميع الخلق صورة كاملة”[48].

هذه أهم النصوص الواردة في تراث أبي حامد الغزالي وعين القضاة الهمذاني وأبي الحكم بن برجان وعبد الجليل القصري، إلى أن وصلنا إلى ابن العربي الحاتمي، وهو تلميذ هذا الأخير، وقد شد الرحال من عدوة الأندلس إلى عدوة المغرب لزيارته بمحل إقامته مدينة القصر الكبير.

في هذه الاقتباسات، نجد إشارات وإلماعات إلى وحدة الوجود، وأهم ما فيها:

** التمييز بين وجودين، وجود مطلق لله تعالى، ووجود مستعار هو عدم وباطل.

** الاستدلال بالنصوص الشرعية على هذا المبدأ، مثل استدلالهم بآية ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾، أو بقوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، أو بحديث “ألا كل ما خلا الله باطل”، أو بالحديث القدسي: “مرضت فلم تعدني”.

هذا التمييز، وهذه الاستدلالات، سنجدهما حاضرين بقوة في تراث ابن العربي وتأصيله لهذا المفهوم، ولعل الفرق بينه وبين المذكورين، أن الحاتمي توسع وأفاض في الشرح والبيان وقرض الشعر المتضمن لمعنى الوحدة، أما الآخرون فاكتفوا بالإشارة حيث ضاقت العبارة، وكأنهم يخشون على أنفسهم أن تطالهم أيدي العقاب كما عوقب الهمذاني وغيره، أو ابتعدوا عن التفصيلات لما في المسألة من دقة ووعورة مسالك، لذلك قال الغزالي في المقصد الأسنى بعد أن تطرق إلى هذا المفهوم، واستدل له بالقرآن، وعززه بمثال نور الشمس الفائض: “ولنقبض هاهنا عنان البيان، فقد خضنا لجة بحر لا ساحل له، وأمثال هذه الأسرار لا ينبغي أن تبتذل بإيداع الكتب، وإذ جاء هذا عرضا غير مقصود فلنكف عنه”[49].

تأسيسا على ما سبق، فإن ابن العربي الحاتمي لم يكن أول من تناول هذا المفهوم، كما أنه ليس الآخر، إلا أنه اشتهر به، وصارت له الإمامة فيه. فلا يكاد يذكر إلا هو.

وحدة الوجود في تراث ابن العربي الحاتمي:

بعد أن تقرر مبدأ وحدة الوجود عند كثير من المحققين من أمثال المذكورين، سيتلقف هذا المفهوم ابنُ العربي الحاتمي، وسيعمل على تأصيله وبناء جزء مهم من مشروعه على أساسه، حتى يكاد لا يُعرف إلا به.

استدل الشيخ الأكبر على وحدة الوجود بأدلة من الشرع، منها:

أولها: آية ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، وكلمة الوجه لها معان متعددة في اللغة، منها: الصحة[50]، والصحة ضد البطلان، لذلك كانت مرادفة للحقيقة، وهذا ما تبناه ابن العربي حين قال: “كل شيء من صور العالم هالك إلا من حقائقه، فليس بهالك، ولا يتمكن أن يهلك”[51]، وبما أن الوجود الحق ضد العدم، فإن للوجه معنى “الثبوت لا العدم، فلله الثبوت، وللعالم الزوال، وإن ثبت فإن ذلك ليس من نفسه، وإنما ذلك من مثبته”[52].

ثانيها: آية ﴿وما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى﴾، وقد تبنى معنى الوحدة من هذه الآية في أبياته الشعرية[53]:

نفيتُ مرادي أنْ أردتُ مراده                          فما هاهنا إلا المراد المجرّدُ

فعُدنا يقيناً فاعلين كواحدٍ                            مُريدين موصوفين والفعل مفردُ

فإن قلتُ: فعلُ الله، فالقولُ صادقٌ                            وإن قلتُ: فعلي، فهو صدقٌ مؤيدُ

إرادته تجري بأيدي عباده                              فأفعالهم أفعاله وهو يشهدُ

رمى بيد الرامي فلم يرم إذ رمى                      سوى الله، والرامي هناك محمد

ولا شِرْك بين الراميَيْن ومن درى                    حقيقةَ إيضاحي بأحمدَ يَحمدُ.

ثالثها: الحديث القدسي “يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان، فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي”[54].

هذا النص يثبت وجود المريض ووجود السائل، لكن الشيخ الأكبر استنبط منه “أن وجود السائل وجودُه، ووجودَ المريض وجودُه”[55].

رابعها: حديث “أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا اللهَ باطل”[56]. وهذا الحديث جلي في تحقيق ثنائية مهمة، غالبا ما يركز عليها ابن العربي، وهي ثنائية الحق/الوجود، والباطل/العدم. قال رحمه الله: “الإعراض عن الحق وقوعٌ في العدم، وهو الشر الخالص، كما أن الوجود هو الخير الخالص، والحق هو الوجود، والخلق هو العدم، قال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القول إنه أصدق بيت قالته العرب، ولا شك أن الباطل عبارة عن العدم”[57]، ولتوضيح هذه الثنائية، نفصلها في هذا الجدول:

اللهالحقالوجودالخير المحض
ما خلا الله (السوى)الباطلالعدمالشر المحض

ولما كان السوى شرّا، وجب التطهر منه، والابتعاد عنه، لأن الالتفات إليه والاهتمام به يحجب المخلوق عن خالقه.

يا ضعيفاً أعمالُه حجبته                بهواه عن الإله تعالى

طهِّر الفكرَ عن سواهُ وَقُل                              قولا سديدا يُصلح لك الأعمالا[58].

خامسها: حديث “كان الله ولم يكن شيء معه”، وروي بلفظ: “كان الله ولم يكن شيء غيره”[59]، وهذا الحديث دليل على الوحدة الإلهية، وهي وحدة ليست مرتبطة بالزمان الماضي فحسب، كما نتوهمه من “كان”، بل هي وحدة مستمرة، أزلية وأبدية، لهذا كان يكثر الشيخ الأكبر من إيراد عبارة بعد هذا الحديث، وهي: “وهو الآن على ما عليه كان”.

ووجه الاستدلال بالحديث، أن “كان” لا تفيد الزمان الماضي، بل هي حرف وجودي لا يفيد زمانا بعينه[60]، وهي مثل ﴿وكان الله عفوا غفورا﴾ (النساء:99) و﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ (النساء: 96)

و”كان” الواردة في الحديث مشتقة من الكون، وهو عين الوجود، لذلك استدل الشيخ الأكبر بحديث “كان الله ولا شيء معه” أنه لا شيء معه في وجوده، “أي ما ثَمّ من وجوده واجب لذاته غير الحق، والممكن واجب الوجود به، لأنه مُظهره، وهو ظاهر به”[61].

هذه أهم أدلة ابن العربي الحاتمي التي اجتهد من خلالها للكشف[62] عن وحدة الوجود، والانتصار لها، ولعله أطال في هذا وأسهب في رسائله ومصنفاته، لإقناع المتلقي أولا، ولإبراز مشروعيتها ثانيا، وكأنه يواجه فقهاء الظاهر الذين يسارعون إلى تبديع قائلها، خصوصا إن لم يفهموا غوامض نصوصها.

وقد وُفّق الشيخ الأكبر في بغيته غاية التوفيق، حيث تناولها بأسلوبين اثنين:

** أسلوب عالي النفَس، قد لا يجاريه فيه إلا الخاصة.

** أسلوب مبسط مقرون بالأدلة كما بيناه، يستطيع متتبعُ متفرقِ كلامه أن يفهمه ويدرك مراميه.

ومن غرائب الأقدار، أن يقع توافق مطلق بين ابن العربي الحاتمي وخصمه الشهير ابن تيمية في وحدة الوجود، رغم شهرة الثاني برفض الفكرة من أساسها، وتكفير قائليها عامة، والحاتمي خاصة، ويكفي أن نورد نتفا من أقواله لنرى التطابق بين الرجلين:

1 – قال ابن تيمية: “الكائنات ليس لها من نفسها شيء، بل هي عدم محض، ونفي صرف، وما بها من وجود فمنه وبه”[63].

2 – قال ابن تيمية: “أما الكائنات فقد كانت معدومة منتفية، فثبت أن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: “ألا كل شيء ما خلا الله باطل”، وكما قال صلى الله عليه وسلم: “أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل”، وإنها تجمع الحق الموجود، والحق المقصود، وكل موجود بدون الله باطل، وكل مقصود بدون قصد الله فهو باطل، وعلى هذين فقد فسر قوله: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، إلا ما أريد به وجهه، وكل شيء معدوم إلا من جهته”[64].

قال ابن تيمية: “إن كل ما خلا الله فهو معدوم بنفسه، ليس له من نفسه وجود ولا حركة ولا عمل، ولا نفع لغيره منه، إذ ذلك جميعه خلق الله وإبداعه وبرؤه وتصويره، فكل الأشياء إذا تخلى عنها الله فهي باطل، يكفي في عدمها وبطلانها نفس تخليه عنها، وأن لا يقيمها هو بخلقه ورزقه، وإذا كانت باطلة في أنفسها- والحق إنما هو لله وبالله ومن الله – صدق قول القائل: [ألا كل شيء ما خلا الله باطل]”[65].

ولابن تيمية نصوص أخرى غير هذه تصب في نفس المعنى، ولنا أن نتأمل أمرين:

الأول: استعمال ابن تيمية لنفس عبارات ابن العربي، مثل [الباطل – العدم – الحق]، إضافة إلى تركيزه على وجود الموجودات بالله تعالى، مما يعني أن وجودها غير مستقل وغير مطلق.

الثاني: توافق ابن تيمية وابن العربي في الاستدلال، حيث استدل في النصوص المقتبسة من فتاواه بحديث مقولة لبيد، وبآية ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، وهما دليلان موجودان في التراث الأكبري حول مسألتنا.

كما نلمس التوافقات المتكررة بين عبارات ابن العربي الحاتمي وعبارات من سبقه من الصوفية كالغزالي وعين القضاة الهمذاني وابن برجان وعبد الجليل القصري، إضافة إلى توافقه مع ما نقله أبو حيان التوحيدي عن أحد الفلاسفة.

هذه التوافقات بين الفلاسفة والصوفية والفقهاء ممثلين في ابن تيمية، تبين لنا مشروعية القول بوحدة الوجود، وأن الاختلاف فيها وحولها هو اختلاف في الاسم وليس في المسمى.

شبهة الحلول والاتحاد:

بقي لنا أن نختم هذه الدراسة بشبهة يكررها كثير من الخائضين فيما لا يحسنون، وهي نسبة الشيخ الأكبر إلى القول بالحلول والاتحاد، وأحيانا يكشف البعض عن جهله بما يلفظ، فينسبه إلى وحدة الوجود والحلول والاتحاد في آن واحد، وهذا جهل فظيع، ويبنى عليه تكفير وتفسيق وتبديع.

والصواب الذي لا مرية فيه، أن الشيخ الأكبر بريء من الحلول والاتحاد، والدليل على ذلك أمران:

أولهما: بما أن الشيخ الأكبر يؤمن بالوحدة ونفي الاثنينية، أو ما يصطلح عليه بنفي السوى، فكيف يقول بحلول الله في العدم، قال الحافظ أحمد بن الصديق الغماري: “الشيخ الأكبر لا يوجد له حرف واحد في الحلول، ومحال عقلا أن يدعي الحلول وهو ينكر وجود غير الله معه مطلقا، ففي من يحل ولا وجود لغيره معه عنده؟ وهذه الكائنات كلها في قوله أوهام لا حقيقة لها”[66].

ثانيهما: تواتر عن الشيخ الأكبر قوله بنفي الحلول والاتحاد ورفضهما، وأقواله منثرة في تراثه، ومنها:

قال ابن العربي الحاتمي بعد كلام: “إنما جاز هذا التمثيل من جهة الدليل، لئلا يفضي الأمر من جهة التنزيه إلى التعطيل، فسبحان من ضرب بخلقه الأمثال، وتعالى عن المثال، وجلّ الذي جلّ عن الحلول محتجبا بفعله، وهو الذي ليس كمثله شيء”[67]. وقال أيضا: “القدر سبحانه هو المتعالي عن كل شيء بذاته، والمنزه عن الحلول بمصنوعاته”[68].

أما في شأن الاتحاد فقال: “ما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد”[69].

وفي شأنهما معا، قال تعليقا عن حديث نبوي: “إن الجاهل إذا سمع ذلك أداه إلى فهم محظور من حلول أو تحديد[70].

خاتمة:

بعد هذا الإبحار الحذر في المتن الأكبري، تبينت لنا عدة خلاصات، نود إجمالها في الآتي:

** يتميز الشيخ الأكبر بالموسوعية، كما تتميز كتاباته بالعمق أولا، وباستعمال معجم خاص ثانيا، لذا كان لزاما على دارسيه أن يلموا بتراثه، ويمسكوا بثوابته ليجعلوها معيارا يُحتكم إليه في فهم غامض كلامه.

** بينت في هذا البحث أن القول بـ”وحدة الأديان” ليس من بنات أفكار الشيخ الأكبر، ولا علاقة له به، ولا يوجد في تراثه ما يسعف في ذلك.

** أثبتت هذه الدراسة أن الحاتمي من القائلين بوحدة الوجود، وقد بينت معناها أولا، ونصوصه الدالة على ذلك ثانيا، ونصوص من سبقه من الفلاسفة أو الصوفية المتوافقة معه، إضافة إلى نصوص ابن تيمية المتطابقة في عباراتها مع عباراته، ولم أغفل بيان تناقض وحدة الوجود مع الحلول والاتحاد، وأن الأول مبدأ إسلامي، والثاني عقيدة كفرية لا علاقة لابن العربي بها.

وأختم بمسألة منهجية، وهي أن أخطر ما يهدد الدراسات عن الشيخ الأكبر، اعتماد أصحابها على الوسطاء، وكثير من هؤلاء تعاملوا مع المتن الأكبري بسطحية أو تسرع، أو انفتحوا عليه بأفكار مسبقة، لينتصروا به لأفكارهم وإيديولوجياتهم، لذلك أعرضت عن الوسطاء لأتحرر منهم، ويممت وجهي في هذه الدراسة إلى المتن الأكبري، وهي وإن كانت دراسة مختصرة، فهي تضم بين ثناياها ما يقارب أربعين إحالة على مصنفاته ورسائله، مما يدل على أن أحكامنا بنيناها على أقواله لا على أقوال غيره.


لائحة المصادر والمراجع المعتمدة

ابن برجان، أبو الحكم عبد السلام اللخمي الإشبيلي.تنبيه الأفهام إلى تدبر الكتاب الحكيم وتعرُّف الآيات والنبأ العظيم. تحقيق أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، ط: 1. 1434-2013.

ابن برجان، أبو الحكم عبد السلام اللخمي الإشبيلي.شرح أسماء الله الحسنى. دار الكتب العلمية، ط: 1. 2010

التوحيدي، أبو حيان علي بن محمد.المقابسات. تحقيق حسن السندوبي. دار سعاد الصباح، ط: 2. 1992.

ابن تيمية، تقي الدين أحمد الحراني.مجموع الفتاوى. تحقيق عبد الرحمن قاسم. نشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416-1995.

الجيلاني، عبد القادر.الفتح الرباني، والفيض الرحماني. تحقيق أحمد عبد الرحيم السايح، وتوفيق علي وهبة. مكتبة الثقافة الدينية.

ابن العربي، محي الدين.ذخائر الأعلاق، شرح ترجمان الأشواق. المطبعة الأنسية، بيروت، 1312هـ.

ابن العربي، محي الدين.الرسالة الوجودية. مطبوع ضمن مجموع يتضمن رسائل متعددة). دار الكتب العلمية، ط: 2. 1428-2007.

ابن العربي، محي الدين.شجون المسجون، وفنون المفتون. (مطبوع في مجموع مع الرسالة الوجودية وغيرها).

ابن العربي، محي الدين.الفتوحات المكية. ضبط وتصحيح أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية.

ابن الصديق، أحمد الغماري.

ابن العربي، محي الدين.الجواب المفيد، للسائل المستفيد. جمع بدر العمراني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: 1. 1423ه/2002.

الغزالي، أبو حامد.مشكاة الأنوار. تحقيق أبو العلا عفيفي. الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة.

الغزالي، أبو حامد.معارج القدس، في مدارج معرفة النفس. دار الآفاق الجديدة، بيروت. ط: 2. 1975.

الغزالي، أبو حامد.المقصد الأسنى، في شرح معاني أسماء الله الحسنى. تحقيق بسام الجابي، قبرص، ط: 1. 1407-1987.

القصري، أبو محمد عبد الجليل بن موسى الأندلسي.شعب الإيمان. تحقيق سيد كسروي حسن. دار الكتب العلمية، ط: 1.1416-1995.

الهمذاني، عين القضاة.زبدة الحقائق، في كشف الدقائق. تحقيق عفيف عسيران، دار بيبليون، باريس.

الهمذاني، عين القضاة.شرح كلمات بابا طاهر العريان. ضبط وتصحيح عاصم الكيالي. دار الكتب العلمية، 2007.

الهمذاني، عين القضاة.شكوى الغريب عن الأوطان، إلى علماء البلدان. (مطبوع مع زبدة الحقائق).


[1] لفهم هذا الاصطلاح وهذا التمييز، يرجى الرجوع إلى دراستنا الموسومة بـ: ابن العربي الحاتمي، مطارحات نقدية على البساطات الأكبرية، ص: 81 وما بعدها.

[2] ابن العربي، الحاتمي. الفتوحات المكية، 3/434.

[3]المرجع نفسه، 3/435.

[4]المرجع نفسه، 3/436.

[5]المرجع نفسه، 3/437.

[6]المرجع نفسه، 3/436.

[7] ابن العربي، الحاتمي. الفتوحات المكية، 3/437.

[8] لا نفهم من هذه المناقشات الأكبرية أن ابن العربي يميل إلى تبخيس العقل، بدليل أنه في هذا المبحث بالذات، يصف العقل بالنور، فيقول: “وأما الموحد بنور الإيمان الزائد على نور العقل …” الفتوحات المكية، 3/435. ومراد ابن العربي هو أنه في هذا الباب العقدي نمنح الأولية للنظر الإيماني على النظر العقلي.

[9] قال ابن العربي: “أحدية المرتبة لا تقبل الثاني ولا تحمل الشركة”. الفتوحات المكية، 4/371. وميز بين الأحدية المطلقة والأحدية النسبية، فقال: “الأحدية لا تثبت إلا لله مطلقا، وأما ما سوى الله، فلا أحدية له مطلقا”. الفتوحات المكية، 4/315.

[10] ابن العربي، الحاتمي. الفتوحات المكية، 3/436.

[11] من اختلافاته العقدية مع المتكلمين والفلاسفة، قوله: “الإله عند المتكلمين مجموع ذوات، فإن الصفات أعيان زائدة موجودة قائمة بذات الحق، وبالمجموع يكون إلها، فأين التوحيد الذي يزعمونه؟ وكذلك العقلاء من الفلاسفة، الإله عندهم مجموع نسب، فأين الوحدانية عندهم؟”. الفتوحات المكية، 4/372.

[12] توسعت في بيان مواقفه من اليهود والنصارى في دراستي: ابن العربي الحاتمي، مطارحات نقدية على البساطات الأكبرية، صفحة 68 وما بعدها.

[13] ابن العربي، الحاتمي. الفتوحات المكية، 4/368.

[14]المرجع نفسه، 4/371.

[15]المرجع نفسه، 4/371. نجد في التراث الصوفي وصف التوحيد بالنور في مكتوبات متعددة، منها قول مولاي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه: “التوحيد نور، والشرك بالخلق ظلمة” الفتح الرباني، ص 283.

[16] ابن العربي، الحاتمي. الفتوحات المكية، 4/333.

[17]المرجع نفسه 4/349.

[18] ابن العربي، الحاتمي. الفتوحات المكية، 4/343.

[19]المرجع نفسه، 4/332.

[20]المرجع نفسه، 4/331.

[21] ابن العربي، الحاتمي. الفتوحات المكية، 1/139.

[22]المرجع نفسه، 5/103.

[23] ابن العربي، الحاتمي. ذخائر الأعلاق، ص 4-5.

[24] ابن العربي، الحاتمي. ذخائر الأعلاق، ص 34.

[25]المرجع نفسه، 35.

[26]المرجع نفسه، 37.

[27] ابن العربي، الحاتمي. ذخائر الأعلاق، ص 39.

[28] لأن الأصل في الإنسان عند العارفين أن يعبد الله من أجل الله، وليس من أجل جزاء أو كرامات أو حقائق معينة، لذلك اعتبرها أوثانا.

[29] ابن العربي، الحاتمي. ذخائر الأعلاق، ص 40.

[30]المرجع نفسه، ص 40

[31] ابن العربي، الحاتمي. الفتوحات المكية، 6/292.

[32] متفق عليه.

[33] رواه البخاري.

[34] رواه مسلم.

[35]التوحيدي، أبو حيان. المقابسات، 213.

[36] الغزالي،أبو حامد. معارج القدس في مدارج معرفة النفس، ص 97.

[37] الغزالي، أبو حامد. المقصد الأسنى، ص 58.

[38] الغزالي، أبو حامد. مشكاة الأنوار، ص 55 – 56.

[39] الهمذاني، عين القضاة. شكوى الغريب عن الأوطان، ص 9.

[40] الهمذاني، عين القضاة. زبدة الحقائق، ص 38.

[41] الهمذاني، عين القضاة. شرح كلمات بابا طاهر العريان، ص 55.

[42] ابن برجان، عبد السلام. تنبيه الأفهام إلى تدبر الكتاب الحكيم وتعرُّف الآيات والنبأ العظيم، 2/449 – 450.

[43] ابن برجان، عبد السلام. شرح الأسماء الحسنى، 1/134.

[44]المرجع نفسه، 1/136.

[45] القصري، عبد الجليل. شعب الإيمان، 75.

[46]المرجع نفسه، 76 -81.

[47]المرجع نفسه، 66.

[48] القصري. شعب الإيمان، ص 58 – 59.

[49] الغزالي. المقصد الأسنى، ص 58.

[50] قال الزبيدي في تاج العروس: “ليس لكلامك وجه، أي: صحة”.

[51] ابن العربي، الحاتمي. الفتوحات المكية، 6/184.

[52]المرجع نفسه، 4/153.

[53] ابن العربي، الحاتمي. شجون المسجون، ص 70.

[54] رواه الإمام مسلم في صحيحه.

[55] ابن العربي، الحاتمي. الرسالة الوجودية، ص 38.

[56] متفق عليه.

[57] ابن العربي، الحاتمي. الفتوحات المكية، 2/44.

[58] ابن العربي، الحاتمي. شجون المسجون، ص 65.

[59] رواه البخاري.

[60] ابن العربي، الحاتمي. الفتوحات المكية، 3/85 – 4/480.

[61]المرجع نفسه، 3/85.

[62] استعملت كلمة “الكشف” عمدا، بدل “الإثبات”، لأن ابن العربي لم يثبت وحدة الوجود، وإنما هي ثابتة بنصوص الشرع، وإنما عمل هو على تجليتها وإظهارها والكشف عنها.

[63] ابن تيمية، أحمد. مجموع الفتاوى، 2/405.

[64]المرجع نفسه، 11/350.

[65]المرجع نفسه، 2/245.

[66]ابن الصديق، أحمد. الجواب المفيد، ص 97.

[67] ابن العربي، الحاتمي. شجون المسجون: 65.

[68]المرجع نفسه، 71.

[69] ابن العربي، الحاتمي. الفتوحات المكية، 8/129.

[70]المرجع نفسه، 2/45.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.