منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رقصة السيف على جثث الأحلام: تأويلات في ظل الهوان والانكسار

الخامس غفير

0

رقصة السيف على جثث الأحلام: تأويلات في ظل الهوان والانكسار

بقلم: الخامس غفير

تداولت بعض القنوات الإعلامية ومجموعة من مواقع التواصل الاجتماعي أخباراً حصرية مفادها: “قررت إحدى الدول الخليجية قطع العلاقات مع الولايات المتحدة، وأعلنت قرارات صارمة في حق كل من يعبث باستقرار منطقة الشرق الأوسط، وعلى إسرائيل أن تتحمل مسؤولية الحرب التي بدأتها ولن تستطيع إيقافها أو التحكم في مآلاتها، وعلى جميع منتسبي القواعد العسكرية والتقنية مغادرة المنطقة فورا“.

ومن “العواجل” التي التقطتها عيناي بسرعة، أذكر منها: وزير الدفاع: “لن نسمح باستمرار التهديد الإسرائيلي على أراضينا”. وزير الخارجية في تصريح لوكالة الأنباء الشرق الأوسطية: “إن أي اعتداء يستهدف وحدة الخليج وأمنه سيجعلنا نستخدم أسلحتنا الفتاكة بلا تردد… ولن نقبل من اليوم أي ابتزاز لمقدراتنا من نفط وأموال وخيرات البلاد والعباد..”، وزير الثقافة والشؤون الدينية يتوعد: “قوتنا في وحدتنا، وسنواصل النضال من أجل تحرير الأقصى وحماية إخوتنا الشيعة الموحدين…”. التلفزيون الرسمي: يحث القنوات التلفزيونية على بث أغانٍ حماسية تدين أمريكا وتتوعد المحتل.

استيقظتُ مفزوعاً من هذا الحلم، وهرعتُ أضغط على زر التلفاز. اطلعتُ على شريط الأخبار الذي تبثه قنوات “بلاد الرز والنفط”، فإذا بي أجد أغنية من التراث الشعبي مطلعها:

هلا هلا هلا هلا؛ بالطيب الغالي عزيز وشوفتك منوّة؛ ترا ما جا على بالي أشوف عيونك الحلوة…”

استغربتُ أيما استغراب وقلت: هل هذا ترحيب بالقرار (الحلم)، أم هو ترحيب بالقادم الجديد فوق صهوة دباباته؟ إن لم يخلعوا جبّة صاحب فكرة “الشرق الأوسط الجديد” من رقابهم، وينتفضوا ضد مخططاته وسير حروبه على الدول العربية والإسلامية، فلا جدوى من هذه الأماني ولا طائل من هذه التصريحات والمواقف المُفاجئة.

توجهتُ إلى قناة أخرى لعلي أجد تحليلات سياسية لهذا “القرار التاريخي” الذي يفترض أنه سيغير وجه المنطقة نحو بناء وحدة قوية، ورابطة دينية وتآلفٍ سني-شيعي. بدأتُ أردد في نفسي: لقد آن الأوان لتحرير فلسطين، ومناهضة الانقلابات في مصر والسودان، وزيارة لبنان واليمن السعيد، وأداء العمرة والحج بلا تعقيدات أو تأشيرات….

وما إن اشتغلت القناة حتى وجدت أداءً تراثياً بكلمات استعصى عليّ تأويلها تأويلاً “كليفوردياً” (نسبة إلى كليفورد جيرتز) أو حتى تفسيرها على قاعدة التأويل “الشلايرماخري” (نسبة إلى شلايرماخر)، حيث تقول:

“دوها يا دوها والكعبة بانوها، سيدي سافر مكة حبلى زنبيل كعكة، والكعكة في المخزن، والمخزن ما لو مفتاح، والمفتاح عند النجار، والنجار يبغي فلوس…”

قلتُ وأنا أمارس حقي في الفهم والتفسير: هل يقصدون بـ “دوها” أنها أُخِذت كاملة ولم يبقَ لنا من الأرض المقدسة سوى الاسم؟ وهل “الكعكة” هنا تشي بأن الشرق مجرد وليمة تم اقتسامها بين الكيان الغاصب وقبائل “العم سام” والإفرنج؟

بدأتُ أصرخ بصوتٍ عالٍ: لقد استعمروا الأرض وهي مستعمرة، واحتلوها ثانية وهي محتلة! وحاولت العودة إلى النص مرة أخرى ، فاستوقفتني عبارة: “والمفتاح عند النجار، والنجار يبغي فلوس…”. تبسمتُ ابتسامة صفراء ممزوجة بالألم، وهمست: آه، النجار إذن يريد “فلوساً”. حضرتني مشاهد رقصات “النجار” صاحب العقيدة “الترامبية” وهو يمتشق سيف التراث العربي وبجانبه صهره وابنته، يرقص رقصته المعتوهة على كرامة العرب فوق أرض وطأتها أقدام طاهرة وجباه ساجدة.

فهمتُ حينها أن القضية لا تعدو كونها صراعاً للسيطرة على المال (الفلوس) بمنطوق الأغنية. لكنني لم أقتنع بهذا التحليل النفسي، فغيرت القراءة وقلت: لعل مالك المفتاح هو “النجار الخليجي” وهو يريد أموال الوطن ألا تغادره ولا تخرج من كل شبر من هذه الأرض ، وبذلك يكون مضمون القرار الذي تم الإعلان عنه سليماً و مسنودا بهبة شعبية ومواقف ممانعة.

اقتربتُ من الشاشة والفضول يقتلني لسماع عبارات الإعلام المعهودة: “قرار شجاع”، “موقف تاريخي”، “حكمة رشيدة”… لكن الصدمة كانت أقوى حين انتقلت لقناة أخرى فسمعت صوتاً غنائيا يلخص الواقع بمرارة:” مقادير يا قلب العنا… مقادير وش ذنبي أنا، مقادير وتمضي حياتي… مشاوير وأتمنى الهنا“.

تساءلت: هل هذا النص يحمل الأخير جوابا منزعجا من هذا القرار الفجائي؟ أم أن هذه القصيدة تنتصر لروح القرار وتصفق له؟ وهذا من ثامن المستحيلات، لأن المنطقة غرقت في وحل الهيمنة الصهيوأمريكية، وبالتالي فإن القلب غير قادر على تحمل مسؤوليته التاريخية للتحرر من عشق لا دخل له فيه، ولا علاقة له به. نعم؛ إذا كان الأول، فإن القلوب لم تعد تحتمل اتخاذ مواقف سيادية لأنها غرقت في وحل الهيمنة “الصهيو-أمريكية”. وإذا كان الثاني، فهو يعني أن الوجع بلغ مداه ولابد من التمرد، فالعمر واحد ولنعشه بشرف.

وبينما أنا منهمك في “السيميوطيقا” والتأويل، والقراءة والتحليل والفهم والتفسير، أتجول بين القنوات، لعلي أجد ضالتي، استيقظتُ على صوت والدتي الكريمة توقظني وتردد همسا في أذني: “قم يا بني لتناول وجبة السحور… في السحور بركة”. سمعت صوتها الحنون وبالكاد فتحت عيني ونظرت إلى وجهها فأشرقت به ابتسامة جميلة أضاءت محياها، حينئذٍ فقط تأكدت أنني كنت أعيش حلماً انتظره كل الأحرار في هذا العالم، وهتفت لتحققه مختلف الأعمار والأطياف والنخب، وما كان الأمر سوى فلتة من فلتات اللاوعي حاولت التحرر من قبضة الحدود الجغرافية لتعبر عن نفسها والهروب من سطوة الواقع المذل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.