بُرْجُ المؤمنة الإستراتيجي
شذرات من كتاب تنوير المؤمنات
بقلم: خالد اعليوات
يهدف هذا المقال إلى بيان الوظيفة الدعوية ذات البعدين الاستراتيجي والشّمولي التي خَصَّ اللهُ بها المرأة المؤمنة، وذلك بالإستناد إلى ما ورد في فقرتَي «تبرّج الجاهلية» و«البرج الاستراتيجي» من كتاب تنوير المؤمنات للأستاذ عبدالسلام ياسين رحمه الله.
الآية القرآن المعتمدة في الفقرتين هي قوله تعالى في سورة الأحزاب: “وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى”. يلفت النظر بداية ما استنبطه الإمام من مشهدٍ تصويري معبّر في هذه الآية. يرى رحمه الله أن في قوله تعالى “ولا تبرَّجن” إشارةً إلى الأصل اللغوي لكلمة البرج، وهو الموضع المرتفع في حصن المدينة الذي يُخصَّص للرصد والمراقبة. ومن هذا المنطلق، يتبدّى البعد التصويري في الآية باعتبارها مشهدًا كفاحيًّا يرمز إلى معركةٍ دائمةٍ مع الجاهلية وقيمها، وتحثّ المرأة على الثبات في برجها العالي الذي يخولها نظرةً شاملةً على ساحة المعركة، تمكنها من متابعةَ حركات العدوّ وتستطيع من خلالها وضع خطة تحصينية متوازنة تقي الأسرة والمجتمع من تسرب قيم الجاهلية وأخلاقها. كما يمنحها هذا الموقع نظرةً بعيدة المدى، تستشرف بها ملامح المستقبل، ليتسنى لها تربية جيل قادر على مواجهة تحدياته.
قال رحمه الله: “تبرجت المرأة معناه في أصل الدلالة اللغوية: خرجت من برجها. وغلب اصطلاح المفسرين وتخصيص القرآن للفظة فانصرفت الدلالة إلى إظهار المرأة مفاتن جسمها وزينتها. والقرآن أنزله الله تعالى بلسان عربي مبين، فلا حرج إن رجعنا إلى الجذر اللغوي لنعمق فهم التبرج”.[1]
وقال أيضا: “كلمة «برج» كلمةٌ جهادية، والتبرج بالمفهوم الجذري تخلي المسلمة المؤمنة عن حظها من الجهاد. المرابطون في الأبراج هم الحماة الساهرون على سلامة الموقع”.[2]
واعتمادًا على هذا التصوير القرآني، نجح الكاتب في الارتقاء بالموضوع من مجرد نقاش فكري إلى مشهد معركة حامية الوطيس متعددة الجبهات، تشعر القارئة المسلمة أنها جزء منها، بل أن المحتل الغاصب قد اقتحم عليها دارها مهددا وجودها ووجود أسرتها ومجتمعها. كما يتولد لديها شعور بأنه لم يعد أمامها خيار آخر سوى المقاومة، بل الزحف كما سيَتَّضح لاحقًا. وهكذا استطاع الكاتب أن يخاطب مختلف آليات التلقي لدى الإنسان: العقل والعاطفة والخيال.
البعد الشمولي
تبرّج الجاهلية ليس إلاّ واحدةً من صفات الجاهلية الأربع التي استنبطها الامام بأسلوبه الاستقرائي المعهود، الذي يتتبع من خلاله جميع الآيات والأحاديث التي وردت فيها الكلمة الحاملة للمفهوم أو مشتقاتها، حتى يتجلّى المفهوم في صورته الشاملة المتكاملة. وهذه الصفات هي: حميّة الجاهلية، وحكم الجاهلية، وظنّ الجاهلية، وتبرّج الجاهلية. وليس هذا الموضع موضعَ استيفاءٍ للبيان الذي بسطه الإمام في شرح هذه الصفات، لكن حسبُنا أن نذكّر بأنّ هذه الجاهليات الأربع إنما تتساند وتتآصر، فلا تُغالِب المؤمنة إحداها إلا بمغالبة أخواتها. فهي إذا معركة واحدة وإن تعددت الجبهات.
فمن الآثار السلبية لظنّ الجاهلية: ضعفُ الإيمان، وفتورُ اليقين بالله، ونسيان ذكره. وكيف يُرتجى ـ في ظل هذا الضعف ـ علاجُ تبرّج الجاهلية، بالمعنى الذي اصطلح عليه المفسّرون، وهو إظهار المرأة لمفاتنها وزينتها، من غير مداواة أصل الداء: تجديدُ الإيمان، وتقويمُ العقيدة، وتزكيةُ القلب؟
ثم إن المؤمنة لا تواجه الباطل وحدها؛ فإنّ الله أيّد أنبياءه برهْطٍ يعضدونهم، كما قال تعالى: “ولولا رهطك لرجمناك”.
فالجماعة سُنّة نبوية بها يُستقوى على شدائد الطريق، وبها تُقام المدافعة. ولا يستقيم صفّ المؤمنات ما لم يبرأ من حمية الجاهلية، أي من العصبيّات والأنانيّات، وذلك بتعميق أواصر المحبّة في الله.
وكذلك سيظلّ للجاهلية اليد العليا في المعركة مادام حكمها هو الغالب. لذلك كانت المشاركة في الحياة العامة من قضايا الدين الأساسية، ترجى بها إقامة حكم راشد عادل يجعل الدولة وآلياتها متناسقة مع الدعوة ومقاصدها.
البعد الاستراتيجي
يبدأ دور المرأة الاستراتيجي -الزّحف- من موقعها كأم، عبر تربية أبنائها تربية تمنحهم حصانة تحميهم من آفات المجتمع، وتؤهلهم ليكونوا أفرادًا منتجين اقتصاديًا ومؤثرين إيجابيًا في محيطهم.
اجتمعت في وظيفة الأمومة ـ التي تصنع مستقبل عزّ هذه الأمة ـ أعمالٌ كثيرة يحبّها الله تعالى؛ من تربيةٍ وتعليمٍ وبِرٍّ ودعوةٍ وجهادٍ بالنموذج الناجح وغيرها. ولذلك كانت الأمومة وسامًا يحقّ للمرأة أن تعتزّ وتفخر به. والامومة كذلك معراجٌ يقرّب إلى الله سبحانه وتعالى، فالجنةُ تحت أقدام الأمهات.
تحديات الأعلام ووسائل التواصل والشارع والرفقة غير الصالحة تظفي على هذه الوظيفة أهمية قصوى وتجعلها من اولى الأولويات.
وليس المقصود إعفاء الأب من مسؤوليته، بل المقصود:
1- إعادة الاعتبار للمكانة الاجتماعية التي تليق بالأمومة، بعيدًا عن الصورة التي تروّج لها بعض المقلّدات اللواتي يُهَوِّنَّ من شأنها. فهؤلاء لا يردن الاعتراف بالمؤشرات الواضحة على فشل النموذج الذي يقتدين به. واليابان مثال بارز على ذلك؛ إذ تشهد تراجعًا ديموغرافيًا حادًا يُقدَّر بنحو 900 ألف نسمة سنويًا، وهو ما يقود إلى شيخوخة المجتمع، وتراجع جودة الخدمات الصحية، وانهيار منظومة التقاعد على المدى المتوسط والبعيد.
2- الأمومة المصونة، المستقرة، المبرورة، هي أولى الأولويات. ولا سيّما في زماننا هذا، الزمن الذي تحاول فيه الأمة النهوض من تحت الرماد. لذا فإنّ كل ما يعترض استقرار الأمومة ينبغي أن يُراجَع، ويُعدَّل، أو يُؤجَّل، أو يُزاح جانبًا. يقول الإمام رحمه الله: “أقوى ما تَسْتقوِي به الأمة متانة بناء الأسرة. والمتانة أمومة مَصُونةٌ مستقرة في بيتٍ مدرسةٍ. أهم ما نُعِد لهم من قُوَّة أمومة مبرورةٌ بَرّةٌ مربية، تصنع مستقبل العزة للأمة.“[3]
أما الدور الاستراتيجي الثاني للمؤمنة فيتمثّل في وصل ما انقطع وانفصل بسياسة حكيمة وخطوات متدرّجة، قصد ترسيخ غرس الدعوة والتهيئة للتغيير التاريخي الموعود.
يقترح الإمام على المؤمنة أن تصل:
1- هموم تربية أبنائها بهموم دعوتها عبر إشراك الكبار والصغار في مشروعها الدعوي. التعليم بالممارسة كما يسميه أهل الاختصاص.
2- جيل الجدّات ـ القواعد من النساء ـ بجيل البنيّات المحجّبات الجديدات. ولندرك عمق هذه الفكرة، نطلّ إطلالة سريعة على الضفّة الأخرى من البحر المتوسّط والمحيط الأطلسي، فبأضدادها تُعرَف الأمور.
هناك، في المدن الغربيّة الكبرى، كأنّ إقامةً جبرية فُرضت على الجدّة؛ تُلقى في دار عجزة إن استطاعت إلى ذلك ماديًا سبيلًا، أو تبقى في بيتها تغالب عزلة كثيفة. والأمّ، مثقلة بضرورات العيش، مُجبرة على العمل خارج البيت، فيُسلَّم جيلٌ كامل إلى مؤسّسات تتبنى عادةً مقاربات علمانية ترتكز على نظرية التطور، وتدمِج في مناهجها مفاهيم مرتبطة بحركات LGBT. وهكذا يُصنع جيلٌ لا يعرف خالقه، ولا يعرف للأسرة اسماً، إذ لم يذق دفء حضنها يومًا. جيلٌ مشوّه الفطرة، يؤمن بوجود أجناس أخرى غير الذكر والأنثى.
أمّا الجيلُ الغربيّ الذي ما زال قلبُه معلّقًا بالكنيسة، فهو ذاك الذي تربّى في القرى أو المدن الصغيرة، حيث لم تنقطع خيوط التواصل بين الجدّة والأمّ والحفيدة، وما تزال يدُ الجدّة تمسك بأيدي أحفادها في طريقهم إلى الكنيسة كلَّ أحد.
3- التربية في البيت بالتربية في المدرسة عبر احتضان المعلّمات وتقريبهنّ ومساندتهنّ؛ فبرج المرأة ـ كما سبقت الإشارة ـ ليس حصنًا للدفاع فحسب، بل منطلقًا للهجوم بالخير أيضًا.
كما يجب ألّا ننسى أن حجاب المرأة وسمتها رمزٌ ـ إذن ورمز ـ للإسلام التجديدي الذي بعثه الله سبحانه في هذا القرن. فمجرّد حضورها في طليعة الحركة الإسلامية يُعدّ وصلاً وجمعًا بين السياسة والدين.
يقول الإمام رحمه الله عن جهاد الوصل: “والوصل بين منقطعات متنازعات هو في حد ذاته جهاد، بل جهاد كبير، بل جهاد أكبر”.[4]
وأختم هذا المقال بالتوقف عند اليقينيات الثلاث التي يذكّر بها الإمامُ المؤمنة، أثناء حديثه عن “البرج الاستراتيجي”، والتي لم يزل يعيد التأكيد عليها في مختلف المناسبات. وهي:
أولًا: إن مآل المواجهة مع الجاهلية محسوم سلفًا، فالوعد النبوي بأن هذا الدين سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها، هو وعدٌ صادق لا شك فيه. ولا يُطرح هنا إلا سؤال واحد: هل أرشح نفسي لأكون من المساهمين في صناعته أم أتخلف؟ قال صاحب الكتاب: “وإلا فالمستقبل الإسلامي، بمشاركتكِ أو بدونها، فجرٌ طالع، يتلوه ضحى ماتع ونهار ساطع. لا إله إلا الله محمد رسول الله.” [5]
ثانيًا: الانجماع على الله عز وجل هو الأساس؛ فهو شرطٌ لتنزُّل نصر الله، وسببٌ لنيل جزاء الغرفة والسلام والنظر إلى وجهه الكريم، ومنه تُستمدّ القوة على اقتحام العقبات.
ثالثًا: إن بلوغ الموعود التاريخي الذي تتطلّع إليه الأمة مسارٌ طويل يمتد عبر أجيال؛ أجيالٍ قويةٍ بكفاءتها وإيمانها، وتشربِها من ينابيع الوحي، ومنبتِها الأصيل: الأم.
والحمد لله رب العالمين.
[1] تنوير المؤمنات، عبدالسلام ياسين، صفحة 124
[2] تنوير المؤمنات، عبدالسلام ياسين، صفحة 125
[3] تنوير المؤمنات، عبدالسلام ياسين، صفحة 194
[4] تنوير المؤمنات، عبدالسلام ياسين، صفحة 213
[5] تنوير المؤمنات، عبدالسلام ياسين، صفحة 215