منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلسلة معراج الروح: القلب المبصر والقلب الأعمى (الحلقة الثالثة) قلوب على مرآة الوحي

الأستاذ رشيد كريم

0

سلسلة معراج الروح:

قلوب على مرآة الوحي (الحلقة الثالثة)

القلب المبصر والقلب الأعمى

الأستاذ رشيد كريم

هناك قلوب ترى بنور الله تعالى، ترى الأمور على حقيقتها، قال الله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ – سورة الحج 46

كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذَا كانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ، عُرِفَ ذلكَ في وَجْهِهِ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرَّ به، وَذَهَبَ عنْه ذلكَ، قالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقالَ: إنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكونَ عَذَابًا سُلِّطَ علَى أُمَّتِي،

الراوي: عائشة أم المؤمنين – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – خلاصة حكم المحدث: صحيح – التخريج: أخرجه البيهقي، وابن أبي الدنيا في المطر والرعد والبرق، وأبو نعيم في (حلية الأولياء)، واللفظ لهم جميعا.

 وعنها رضيَ اللهُ عنها قالتْ: (كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا رَأَى مَخِيلَةً في السمَاءِ أَقْبَلَ وأَدْبَرَ، ودَخَلَ وخَرَجَ، وتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فإذا أَمْطَرَتِ السماءُ سُرِّيَ عنهُ، فعَرَّفَتْهُ عائشةُ ذلكَ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ما أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قالَ قَوْمٌ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الأحقاف: 24 – رواه البخاري.

قال الخطابي: (الْمَخيلةُ: السحابةُ التي يُخالُ فيها الْمَطَرُ) انتهى، وقال ابن الجوزي: (الْمُخِيلةُ بالضمِّ: السماءُ الْمُغيَّمة) انتهى.

وعن عائشة رضيَ اللهُ عنها قالت: (كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قالَ: «اللهُمَّ إني أسألُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فيهَا، وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بهِ، وأعُوذُ بكَ منْ شَرِّها، وشَرِّ ما فيها، وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بهِ»، قالتْ: وإذا تخيَّلَتِ السماءُ تغَيَّرَ لَوْنُهُ، وخَرَجَ ودَخَلَ، وأَقْبَلَ وأَدْبَرَ، فإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عنهُ، فعَرَفْتُ ذلكَ في وجْهِهِ، قالتْ عائشةُ: فسأَلْتُهُ، فقالَ: لَعَلَّهُ يا عائشةُ كَمَا قالَ قَوْمُ عادٍ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ﴾ الأحقاف: 24-  رواه مسلم.

قالت عائشةُ رضي الله عنها: (إنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ إذا رأَى سَحَاباً مُقْبلاً مِنْ أُفُقٍ منَ الآفاقِ، تَرَكَ ما هُوَ فيهِ وإنْ كانَ في صَلاتِهِ حتى يَسْتَقْبلَهُ، فيَقُولُ: «اللهُمَّ إنَّا نعُوذُ بكَ من شَرِّ ما أُرْسِلَ بهِ»، فإنْ أَمْطَرَ قالَ: «اللَّهُمَّ سَيْباً نَافِعاً» مرَّتينِ أو ثلاثاً، وإنْ كَشَفَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ولَمْ يُمْطِرْ حَمِدَ اللهَ على ذلكَ-  رواه ابنُ ماجه وصحَّحه الألباني.

القلوب المبصرة هي قلوب ترى الحقائق وما وراء الأحداث

القلوب المبصرة هي قلوب أنيرت بالحكمة والنور.

القلوب المبصرة هي القلوب التي تفهم عن الله وتتلقى الرسائل الالهية في كل المواقف التي تمر معها.

إليكم نماذج لأصحاب قلوب مبصرة:

  • الفضيل بن عياض عابد الحرمين

كان الفضيل شاطرًا -لصّ سارق- يقطع الطريق ، وكان سبب توبته: أنه عشق جارية، فبينما هو يرتقى الجدران إليها، سمع تاليًا يتلو القرآن ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}؟﴾ قال: يارب قد آن، في قلبه أصالة دينية، كحال أغلب أمة سيدنا محمد ﷺ، فرجع فآوا الليل إلى خربة، فاذا فيها رفقةٌ، فقال بعضهم: نرتحل، وقال قوم:  حتى نصبح فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا، قال:  ففكرت وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقومٌ من المسلمين هاهنا يخافونني؟، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع! اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام.

لو عرضنا قلب الفضيل على مرآة الوحي لوجدناه قلبا مبصرا، تلقف الآية أنها رسالة ربانية له تخاطبه هو بالذات، فكان جوابه: يا رب قد آن …، فتحول من شاطر إلى عابد الحرمين

فترك بلده وسافر إلى البيت الحرام، وقضى بقية عمره بين مكة والمدينة يتعبّد الله.

  • بشر بن الحارث 

وحكي أن بشر بن الحارث كان في زمن لهوه في داره وعنده رفقاؤه يشربون ويطيبون فاجتاز بهم رجل من الصالحين فدق الباب فخرجت إليه جارية فقال: صاحب هذه الدار حر أو عبد؟ فقالت: بل حر! فقال: صدقت لو كان عبدا لاستعمل أدب العبودية وترك اللهو والطرب.

فسمع بشر محاورتهما فسارع إلى الباب حافيا حاسرا وقد ولى الرجل فقال للجارية: ويحك! من كلمك على الباب فأخبرته بما جرى فقال: أي ناحية أخذ الرجل؟ فقالت: كذا.

فتبعه بشر حتى لحقه فقال له: يا سيدي! أنت الذي وقفت بالباب وخاطبت الجارية؟ قال: نعم قال: أعد علي الكلام فأعاده عليه فمرغ بشر خديه على الأرض وقال: بل عبد! عبد! ثم هام على وجهه حافيا حاسرا حتى عرف بالحفاء.

بشر الحافي سمع كلام الرجل الصالح بأذن قلبه الذي أبصر الحقيقة، تلقف هذه الكلمات: ” لو كان عبدا لاستعمل أدب العبودية وترك اللهو والطرب.” فكانت سببا في انطلاقته في عالم الولاية والقرب والمعرفة.

  • زاذان من الغناء الحرام الى التغني بالقرآن

 مرَّ عبدُ الله بن مسعود ذات يومٍ بالكوفة، فإذا فتيان قد اجتمعوا يشربون الخمر، ولهم مُغَنٍّ يُقالُ له «زاذان» يُغني، وكانَ حسن الصوت!

فقالَ عبدُ الله بن مسعود: ما أحسن هذا الصوت لو كانَ في القرآن!

وجعلَ رداءَهُ على رأسه ومضى، فسمعَهُ «زاذان»، وقال: من هذا؟

فقِيلَ له: عبدُ الله بن مسعود صاحب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم!

فكسرَ «زاذان» العود، وجعلَ يركضُ حتى أدركَ ابن مسعود، وتابَ، ولازمه حتى تعلَّمَ منه القُرآن، وصارَ إماماً في العِلم، وروى الحديثَ عن جمعٍ من الصحابةِ منهم ابن مسعود وسلمان الفارسي!

ما أحسن هذا الصوت لو كانَ في القُرآن!

كلمةٌ حُلوةٌ حانيةٌ نقلتْ «زاذان» من الطربِ إلى القُرآن، ومن العُودِ إلى كتبِ الحديث، ومن الطبلةِ والمزمارِ إلى حِلَقِ الفِقه!

كلمة حانية وجدت قلبا مبصرا فتغير حال زاذان الى أفضل حال.

  • مالك بن دينار و الرؤيا الفاتحة لتوبته

وروي عن مالك بن دينار أنه سئل عن سبب توبته فقال: كنت شرطيا وكنت منهمكا على شرب الخمر ثم إنني اشتريت جارية نفيسة ووقعت مني أحسن موقع فولدت لي بنتا فشغفت بها فلما دبت على الأرض ازدادت في قلبي حبا وألفتني وألفتها.

قال: فكنت إذا وضعت المسكر بين يدي جاءت إلي وجاذبتني عليه وهرقته من ثوبي.

فلما تم لها سنتان ماتت فأكمدني حزنها.

فلما كانت ليلة النصف من شعبان وكانت ليلة الجمعة بت ثملا من الخمر ولم أصل فيها عشاء الآخرة فرأيت فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت ونفخ في الصور وبعثرت القبور وحشر الخلائق وأنا معهم فسمعت حسا من ورائي فالتفت فإذا أنا بتنين أعظم ما يكون أسود أزرق قد فتح فاه مسرعا نحوي. فمررت بين يديه هاربا فزعا مرعوبا فمررت في طريقي بشيخ نقي الثوب طيب الرائحة فسلمت عليه فرد السلام فقلت: أيها الشيخ! أجرني من هذا التنين أجارك الله فبكى الشيخ وقال لي: أنا ضعيف وهذا أقوى مني وما أقدر عليه ولكن مر وأسرع فلعل الله أن يتيح لك ما ينجيك منه.

فوليت هاربا على وجهي فصعدت على شرف من شرف القيامة فأشرفت على طبقات النيران فنظرت إلى هولها وكدت أهوي فيها من فزع التنين فصاح بي صائح: ارجع فلست من أهلها! فاطمأننت إلى قوله ورجعت.

ورجع التنين في طلبي فأتيت الشيخ فقلت: يا شيخ سألتك أن تجيرني من هذا التنين فلم تفعل فبكى الشيخ وقال: أنا ضعيف ولكن سر إلى هذا الجبل فإن فيه ودائع المسلمين فإن كان لك فيه وديعة فستنصرك.

قال: فنظرت إلى جبل مستدير من فضة وفيه كوى مخرمة وستور معلقة على كل خوخة وكوة مصراعان من الذهب الأحمر مفصلة باليواقيت مكوكبة بالدر على كل مصراع ستر من الحرير فلما نظرت إلى الجبل وليت إليه هاربا والتنين من ورائي حتى إذا قربت منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا الستور وافتحوا المصاريع وأشرفوا! فلعل لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوه فإذا الستور قد رفعت والمصاريع قد فتحت فأشرف على من تلك المخرمات أطفال بوجوه كالأقمار وقرب التنين مني فتحيرت في أمري.

فصاح بعض الأطفال: ويحكم أشرفوا كلكم فقد قرب منه عدوه.

فأشرفوا فوجا بعد فوج وإذا أنا بابنتي التي ماتت قد أشرفت على معهم فلما رأتني بكت وقالت: أبي والله ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت بين يدي فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلقت بها ومدت يدها اليمنى إلى التنين فولى هاربا.

ثم أجلستني وقعدت في حجري وضربت بيدها اليمنى إلى لحيتي وقالت: يا أبت ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الحديد

فبكيت وقلت: يا بنية! وأنتم تعرفون القرآن؟ فقالت: يا أبت! نحن أعرف به منكم.

قلت: فأخبريني عن التنين الذي أراد أن يهلكني قالت: ذلك عملك السوء قويته فأراد أن يغرقك في نار جهنم.

قلت فأخبريني عن الشيخ الذي مررت به في طريقي قالت: يا أبت! ذلك عملك الصالح أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء.

قلت: يا بنية! وما تصنعون في هذا الجبل؟ قالت: نحن أطفال المسلمين قد أسكنا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم.

قال مالك: فانتبهت فزعا وأصبحت فأرقت المسكر وكسرت الآنية وتبت إلى الله – عز وجل – وهذا كان سبب توبتي.

مالك تاب وعاد وأناب بسبب هذه الرؤيا التي تعامل معها بقلبه بأنها رسالة من الله تعالى، فأبصر قلبه الرسالة فصار من العباد

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الفهم عنه ويمن علينا بقلوب مبصرة ولا سبيل بعد كرم الله تعالى لتحصيل القلب المبصر إلا بالتقوى وأعمال البر، قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ – سورة الحديد 28

هذا النور يقذفه الله عز وجل في قلبك فيرى الأمور على حقائقها.

يرى كل موقف يمر عليه هو رسالة من الرب تعالى

أعظم نعم الله علينا أن يرزقنا القلب المبصر ويجنبنا عمى القلوب.

وهذه نماذج لقلوب عمياء:

وروي أن قريش أرادت أن تعجز سيدنا محمد ﷺ وتصرف الناس عن دعوته للتوحيد وللإسلام

وظنت قريش في هذا الوقت أن طلب الآيات والمعجزات أحسن وسيلة لتعجيزه وإسكاته ﷺ ؛ ولإقناع عامة الناس بأنه ليس برسول، قرروا أن يطلبوا منه آية بغير تعيين، ليتبين للناس عجزه، فلا يؤمنوا به، فجاءوا إليه ﷺوقالوا له: هل من آية نعرف بها أنك رسول الله؟

فسأل رسول الله ﷺربه أن يريهم آية، فأراهم آية شق القمر؛ قد انشق إلى فرقتين: فرقة فوق الجبل – أي جبل أبي قبيس – وفرقة دونه، حتى رأوا حراء بينهما، فقال رسول الله ﷺ لقريش: (اشهدوا).

ورأت قريش هذه الآية جهارًا بوضوح ولوقت طويل، فسقط في أيديهم وبهتوا، ولكنهم لم يؤمنوا، بل قالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة، (وأبو كبشة هو زوج حليمة مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو رسول الله ﷺمن الرضاعة، وحاضن النبيَّ ﷺالذي كانت قريش تَنْسبه إليه).

وقالت قريش، لقد سحرنا محمد، فقال رجل من قريش: إن كان قد سحركم فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فانظروا ما يأتيكم به السفار (القادمون من السفر)، فجاء السفار فسألوهم عن شق القمر، فقالوا: نعم قد رأيناه، ولكن قريشاً مع ذلك أصروا على كفرهم واتبعوا أهواءهم.

قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ القمر 1-5

وجاء في صحيح البخاري وجامع الترمذي عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي ﷺأن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر،

وروي أن المشركين قالوا للنبي ﷺ: إن كنت صادقًا فاشقق لنا القمر فرقتين، فقال: «إِنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُونَ؟» قالوا: نعم. وَكَانَتْ لَيْلَةَ بَدْرٍ، فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَبَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا قَالُوا، فَانْشَقَّ الْقَمَرُ فِرْقَتَيْنِ.
ورى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم شِقَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ: «اشْهَدُوا».

هذا نموذج للقلوب العمياء، لا ترى الحق أصلا، حتى قال الله تعالى في حقهم ﴿وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ الطور-44-

من أعظم ما يصد عن الحق، أن يقف المرء أمام مرآة الوحي فيجد قلبه أعمى عياذا بالله تعالى.

من أعظم البلاء أن يصاب المرء بعمى القلب وانطماس البصيرة

وقد ذكر القرآن نماذج عن هذا العمى القلبي، قال الله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ – سورة الحج 46

الله تعالى لما وصف قوم نوح بأنهم قوم عمون، لم يكن الكلام عن البصر بل بالقلب ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا ۖ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ النمل 66

?في أحدِ الأيام اجتمعَ صالح عليه السلام بكبارِ قومهِ يدعوهم، إلا أنهم استمرّوا على عنادهم، ثم أرادوا تعجيزه فطالبوه بعلامة معجزة تدل على صدقه، وجعلوا يشترطون في طلبهم ضاحكين مستهزئين:

فطلبوا أنْ تنشقّ الصخرةِ الكبيرة التي في أرضهِم وتخرجُ منها ناقة.

ثم وضعوا لهذه الناقةِ وصفًا أنها ضخمة بحيثُ إذا شربت لم تترك ماء لغيرها.

واختاروا لها لونًا أحمرًا، وطلبوا أن تكون حاملًا على وشك الولادة.

لمًا فرغ قوم صالح من شروطهم في العلامة حتى يؤمنوا، تحدّاهم وأمرهم أن يجمعوا الناس أمام الصخرة، وفي مشهد معجز عجيب اهتزّت الصخرة وانشقت فخرجت منها ناقة عظيمة على الوصف الذي ذكروه

﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾، انبهر قوم ثمود بما رأوا، ولكن سرعان ما أنكروا وجحدوا فجعلوه سحرًا، ولم يؤمن منهم إلا القليل.

نعوذ بالله من القلب الأعمى

وللحديث بقية إن شاء الله تعالى …يتبع …

هذا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.