منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حكم العمل في الأماكن التي تُباع فيها أطعمة محرمة أو مصنوعة من محرم

الدكتور أحمد الإدريسي

0

حكم العمل في الأماكن التي تُباع فيها أطعمة محرمة أو مصنوعة من محرم

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى ءاله وصحبه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

1- حكم العمل في الأماكن التي تُباع فيها الخمور:

الأصل أنه لا يجوز بيع الخمر، أو العمل في الأماكن التي تُباع فيها الخمور، ولا الإعانة على بيعه بأي صورة من الصور، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلعن شارب الخمر وحده، ولكن لعن كل من يعين على ذلك، قال سيدنا أنس رضي الله عنه: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له).

2- حكم العمل في الأماكن التي تُباع فيها لحم الخنزير:

لا يجوز بيع لحم الخنزير، ولا تجوز الإجارة على حمله، ولا الإعانة عليه بأي وجه من الوجوه، قال الله تعالى: “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ” (المائدة:3). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ”.

وكل ما ثبت تحريمه لا يجوز الإعانة عليه، كما يقول العلماء، كتقديم الميتة، أو لحم الحمر الأهلية، في المطاعم وغيرها. لقوله تعالى: “وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (المائدة:2).

3- ما حكم الشرع في حمل أو نقل لحم الخنزير؟

إن العمل في  المطعم الذي فيه لحم الخنزير، أو غيره من المحرمات لا يخلو من أحد أمرين:

– الأول: أن يكون عمل الشخص قاصرا على الأعمال المباحة في مطاعم غير المسلمين، أو في مطاعم المسلمين لكن لا يتورع أهله عن إدخال المحرمات فيه، كأن يكون معنيا بتوصيل الطعام الحلال؛ ففي هذه الحالة أقول: الأولى بالمسلم الذي يحب أن يستبرئ لدينه وأن يطهر نفسه وماله من الشبهات، وأن يبتعد عن مثل هذا ما أمكن، وأن يبحث عن مكسب بعيد عن حومة الحرام. ففي حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه”.

وما حصل عليه الشخص من الأجرة في مثل هذا العمل الذي لم تتم فيه مباشرة الحرام فهو مباح له بإذن الله.

– الثاني: أن يكون عمل الشخص هو مناولة الحرام (لحم الخنزير كما في السؤال) وتوصيله وتقديمه في الطعام، فهذا عمل لا يجوز لأنه من التعاون على الإثم والعدوان المنهي عنه بنص الآية؛ “وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”. وما حصل عليه الإنسان من الأجرة مقابل هذا العمل المحرم لا يجوز تملكه، لأن أجرة الحرام حرام،

والله تعالى أعلم.

4- حكم نقل الأطعمة المصنوعة من لحم الخنزير أو اللحوم المحرمة:

بالنسبة للأطعمة المحرمة أو المشتملة على لحم خنزير أو لحم حيوان لم يذكّ ذكاة شرعية، لا يجوز العمل في نقلها؛ لما في ذلك من الإعانة على المعصية، والأجرة الناتجة عن ذلك هي محرمة كذلك. قال الشيخ البهوتي: (ولا يصح استئجار (لحمل ميتة ونحوها) كدماء محرمة (لأكلها، لغير مضطر) إليه، (أو) لحمل (خمر لشربها) لما تقدم، (ولا أجرة له)؛ لأن المنفعة المحرمة لا تقابل بعوض… فإن كان حمل الميتة لأكل مضطر إليها؛ صحت).

5- حالة الحاجة والضرورة:

إذا كان المسلم في بلد غير مسلم، وكانت الحاجة شديدة إلى الكسب، فإن المسلم إذا وقع في ضرورة حقيقية بشروطها المعتبرة، جاز له ذلك؛ استبقاءً لنفسه، كأن لا يجد المسلم إلا هذا العمل، أو ما هو أسوأ منه وأعظم حرمة. مع الأخذ بعين الاعتبار القاعدة التي تضبط قواعد الضرورة، وهي قاعدة؛ “الضرورة تقدر بقدرها”.

وما دام العمل في هذه الأماكن لا يتبين فيه نوع الطعام المحمول قبل قبول طلب التوصيل، ولا يمكنك رفضه، إن تبين لك أنه طعام محرم؛ فإن العمل لا يجوز، لأنك في بلد غير مسلم، يعتاد أهله أكل الخنزير، وشرب الخمر، وما ذكي ذكاة غير شرعية. والله أعلم.

خلاصة:

إن نقل الأطعمة المحرمة، كالأطعمة المحتوية على لحم الخنزير أو اللحوم غير المذكاة ذكاة شرعية، أو الخمر، لا يجوز شرعًا إذا كان الناقل يعلم بتحريمها. ففي ذلك إعانة على المعصية، والأجرة الناتجة عن ذلك محرمة أيضا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إذا أعان الرجل على معصية الله كان آثما؛ لأنه أعان على الإثم والعدوان، ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم الخمر وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه ، وبائعها ومشتريها وساقيها وشاربها وآكل ثمنها، وأكثر هؤلاء كالعاصر والحامل والساقي إنما هم يعاونون على شربها؛ ولهذا ينهى عن بيع السلاح لمن يقاتل به قتالا محرما كقتال المسلمين والقتال في الفتنة).

فالواجب على المسلم أن يتقي الله تعالى، وأن يتقي الشبهات، وأن يبحث عن الكسب الحلال ، ويجتنب الكسب الحرام، فعن أبي بكر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (“كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به).

والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.