منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أحكام المسجد وآدابه

أحكام المسجد وآدابه/ حسن قاسمي

0

أحكام المسجد وآدابه

بقلم: ذ. حسن قاسمي

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه، أما بعد:

تعتبر المساجد من أعظم البقاع وأشرفها على وجه البسيطة، فهي قبلة القاصدين وملجأ المحتاجين وقرة عين المحبين وسلوة الذاكرين، ومأوى التائبين والمنيبين، فهي ركن ركين وحصن منيع، منها يتخرج العلماء والدعاة والفقهاء والمجددون، وفيها تقضى الحاجات العظمى، تشرئب إليها أعناق الرجال وتتعلق قلوبهم بها، طمعا في القرب من الله تعالى والفوز به ونيل الشرف والمكان الرفيع في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وقد جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله “ورجل قلبه معلق بالمساجد”[رواه الشيخان]

فالمساجد كما يقول الإمام ياسين رحمه الله: “هي محضن الرجال، ومدرسة العلماء، و محراب المتبتلين، ودائرة قيادة الجهاد، و مجلس الشورى والإيمان المسجد” فما هو مفهوم المساجد؟ وما هي الأحكام والضوابط والفضائل التي تخصها؟

  • مفهوم المسجد:

المسجَد: اسم مكان من (سجَدَ). والجمع: مساجِدُ.

والمسْجَدُ: الجبْهَةُ، حيث يكون نَدَبُ السجود، والمساجِدُ من بدن الإِنسان: موضع السجود، وهي: الجبهة والأنف واليدان والركبتان والقدمان.

والمسجِد: مُصلَّى الجماعة، مكان يصلّي الناس فيه جماعة، بيت الصَّلاة “جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا”.

  • فضل المساجد:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: أَحَبُّ الْبِلاَدِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلاَدِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقهَا. [أخرجه مسلم وابن خزيمة وابن حبان] .

بل إن المسجد هو بيت كل مؤمن وتقي، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: “الْمَسْجِد بَيتُ كُلّ تَقِيّ”. [أخرجه أبو نعيم في الحلية].

  • آداب المساجد وأحكامها:

لقد حرصت الشريعة الإسلامية على تسييج المساجد بمجموعة من الأحكام والآداب التي تحفظ لها مكانتها وتصون حرمتها وتضمن هيبتها، ومن جملة تلك الآداب والأحكام ما يلي:

  • بناء المساجد وتشييدها:

لقد رغب الشارع الحكيم في الحث على بناء المساجد وعمارتها وتشييدها ، فعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ بَنَى ِللهِ مَسْجِدًا، مِنْ مَالِهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ” [أخرجه ابن ماجة]

وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ: “مَنْ بَنَى ِللهِ مَسْجِدًا، صَغِيرًا كَانَ، أَوْ كَبِيرًا، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ”. [أخرجه التِّرْمِذِي].

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: “مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ[1] لِبَيْضِهَا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الْجَنَّةِ”. [أخرجه الإمام أحمد]

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: “من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة “. وقد كان أول عمل قام به النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة بناء المسجد النبوي وقبله مسجد قباء…. يقول الإمام رحمه الله: “وتعاد عمارة المسجد إلى بساطة البناء، مع جمال الهيئة، ودون هذه الزخرفة المنتفشة المبذرة. وحول المسجد، متصلة به حسا ومعنى تقام مرافق الدعوة من مكتبة، وحجر للضيف، وقاعات للرياضة والنظافة والاستحمام. يعاد للمسجد دفء الحياة، وحرارة الحركة، من برودة الهجران، وجمود العادة، كما ينبغي تعميم المساجد في كل بقعة من أرضنا في الحواضر والبوادي، بل يجب تعميم المساجد وإيلاؤها الأهمية قبل المدارس يقول الإمام رحمة الله عليه: ” تعميم المساجد أسبق من تعميم المدارس، بل موازيا له. وجهاد التعليم والتربية الموجهين للكبار والصغار أعم من المدارس المخصصة للناشئة. فيكون تكامل بين رسالة المسجد ورسالة المدرسة وتعاون. وعندما تلتقي الدعوة والدولة تكون المساجد العنصر الجامع في شبكة مؤسسات الدعوة. إن شاء الله تعالى.[لم يحدد أين ينتهي كلام الإمام رحمه الله في الاقتباسين؟؟]

  • السعي إلى الصلاة والذكر وقراءة القرآن وإحياء حلق العلم فيها:

لقد فرض الله عز وجل الصلاة على عباده ليتقربوا منه ويعبدوه ويعرضوا حاجاتهم عليه…وقد خص الله هذه الأمة المحمدية بأن جعل لها الأرض مسجدا وطهورا…لكنه رغب بإقامتها في المساجد إعلاء لكلمة الله وإظهارا لشعائره سبحانه، قال تعالى: “إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ” [سورة التوبة، 17-18]. كما يعمر المسجد بالتلاوة والعلم، ويطهر لذكر الله، ويجمر ويعتنى به، وينزه عن اللغو واللغط، ويحتفل لدخوله بالزينة السنية، والنظافة والطهارة وطيب الريح. ويمشى إليه في ظلم الليل وضحوة النهار. ويعمره الرجال والنساء والشباب.

  • التجمل وأخذ الزينة مع الحرص على الطهارة:

يتميز المؤمن بسمته وخلقه وحسن مظهره، وقد أمر الله عز وجل بأخذ الزينة للصلاة وشهود الجماعات قال تعالى: “يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد”[الأعراف، 31] وهذا عام في كل مسجد للصلاة، كما دلت الآية على وجوب ستر العورة إلا في حال العجز والنسيان، فهي شرط في صحة الصلاة.

وأخذ الزينة من اللباس لا ينبغي فيه التكلف والخروج عن المألوف مما اعتاده الناس في حياتهم، فَكُلٌّ بحسب استطاعته وقدرته قال تعالى: ” لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءَاتاهُ الله لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا”[الطلاق، 7]

ومما ينبغي مراعاته والحرص عليه الطهارة من غسل ووضوء مع إكثار الخطى إلى المساجد، فقد ورد في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : « ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط “. كما يستحب الاغتسال مرة في الأسبوع خاصة يوم الجمعة لحديث أبي سعيد الخذری رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله و سلم: “غسل الجمعة واجب على كل محتلم” [رواه البخاري]. وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: “لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى” [رواه البخاري].

  • إخلاص النية والعبادة لله تعالى:

إن شرط صحة الأعمال وقبولها هو الإخلاص لله تعالى، قال تعالى: “وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة” [البينة، 5] فالميل عن الباطل إلى الحق والإخلاص له هو أسمى المطالب وأرفعها، عليه يتوقف قبول الأعمال، وقد ورد عن الني صلى الله عليه وسلم أنه قال: “صلاة الرجل جماعة تزيد على صلاته في سوقه وبيته بضعة وعشرين درجة. وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث”. [متفق عليه].

والنية ركن الأعمال وروحها، ولابد منها في قبول الأعمال ونيل الثواب والأجر عند الله تعالى. ففي الحديث النبوي المشهور الذي يرويه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوی، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ” [متفق عليه]

  • ومن جملة الآداب التي ينبغي مراعاتها أيضا:

الحضور بنشاط، والتزام الأدب عند التثاؤب، وتجنب إذاية الغير برائحة ونحوها:  لقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل” [أخرجه مسلم].

ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من أكل من هذه الشجرة ـ يريد الثوم ـ فلا يغشانا في مساجدنا” وقوله صلى الله عليه وسلم: “من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم” [أخرجه البخاري ومسلم].

وقد جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اجلس فقد آذيت” وفي رواية: “وآنيت” أخرجه أبو داود “أي: أبطأت وتأخرت”.

  • التحية والدعاء أثناء الدخول والخروج والمكث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين” وفي رواية “فليركع ركعتين قبل أن يجلس” [أخرجه البخاري ومسلم]. مع مراعاة أوقات الكراهة (بعد صلاة الصبح إلى الشروق، وبعد صلاة العصر إلى الغروب).

وقال عليه الصلاة والسلام: “إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك” [أخرجه مسلم]

وقال صلى الله عليه وسلم: “بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة” ثم قال في الثالثة: “لمن شاء” [أخرجه البخاري ومسلم]. وقوله صلى الله عليه وسلم: “لا يُرد الدعاء بين الأذان والإقامة”.

  • الإكثار من الخطى إلى المساجد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصليها ثم ينام” [أخرجه البخاري ومسلم]. وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع حسنة” [أخرجه مسلم]. وعن بريدة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بشر المشائين في الظلم إلى المسجد بالنور التام يوم القيامة” [أخرجه مسلم].
  • السكينة والوقار وعدم التشبيك بين الأصابع: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا” [أخرجه البخاري ومسلم]، وقوله عليه الصلاة والسلام: “إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة….” [أخرجه أبو داود].

ومما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في آداب المساجد قوله:

“إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن” [أخرجه البخاري ومسلم]. وقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك. وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا رد الله عليك” كما أمر صلى الله عليه وسلم بتسوية الصفوف قال صلى الله عليه وسلم: “سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة”، وفي رواية: “من إقامة الصلاة” [أخرجه البخاري ومسلم].

ختاما نقول:

ينبغي للمؤمن والمؤمنة أن يستحضرا وهما قاصدين بيوت الله أنهما في ضيافة الرحمن، وحَرِيٌّ بالضيف أن يكرمه صاحب الدار ويجزل له المثوبة والعطاء، لذا وجب الذهاب في أجمل صورة وأبهى حُلّة، مظهرا ومخبرا، والتزام الأدب الرفيع والخلق الكريم، ودوام المسير والارتياد من غير ملل ولا كلل، إلا لعذر قاهر ومانع معتبر، إلى أن يأذن الرب باللقاء ويرتفع التكليف ويبدأ التكريم ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيد الأولين والآخرين.


[1]المكانُ الذي تَبيضُ فيه القَطاةُ وتُفَرِّخ. والقَطاةُ: نوعٌ من الحمام يُضرَب به المثلُ في الاهتِداء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.