دور الأوقاف في تعزيز أهداف التنمية المستدامة في الدول العربية: رؤية مبتكرة للمستقبل
حسين عبد المطلب الأسرج
دور الأوقاف في تعزيز أهداف التنمية المستدامة في الدول العربية:
رؤية مبتكرة للمستقبل
حسين عبد المطلب الأسرج
عضو هيئة تحرير مجلة الاقتصاد الإسلامى العالمية
مقدمة:
في ظل عالم يعاني من تحديات معقدة كالتغير المناخي، الفقر المستشري، وتفاقم أزمات الموارد، تبرز الحاجة إلى حلول تجمع بين الإرث الحضاري والابتكار الحديث. الأوقاف، كمؤسسة راسخة في التاريخ العربي والإسلامي، ليست مجرد أداة للعطاء الخيري، بل نظام اقتصادي واجتماعي يمكن أن يُحدث ثورة في التنمية المستدامة إذا أُعيد تصميمها برؤية جريئة. بعيدًا عن النظرة التقليدية التي تحصرها في تمويل المساجد أو توزيع الصدقات، يمكن للأوقاف أن تتحول إلى محرك للتغيير الجذري في الدول العربية، متجاوزة حدود الزمن لتلبي احتياجات القرن الحادي والعشرين. في هذا المقال، نستكشف كيف يمكن إعادة اختراع الأوقاف لتصبح رافعة لأهداف التنمية المستدامة، مع تقديم تحليل عميق، أمثلة تاريخية، ومقترحات غير مسبوقة.
الأوقاف في التاريخ: دروس من الماضي
تاريخيًا، كانت الأوقاف أكثر من مجرد تبرعات؛ كانت أنظمة مستدامة تدير الموارد لأجيال. في العصر العباسي، مثلًا، لم تكتفِ الأوقاف بتمويل المدارس والمستشفيات، بل شملت مشاريع مائية معقدة كالسدود والقنوات التي ضمنت استدامة الزراعة في مناطق قاحلة. هذه الرؤية الاستباقية تُظهر أن الأوقاف لم تكن مجرد رد فعل لاحتياجات آنية، بل خططت للمستقبل، وهو ما يتماشى مع جوهر التنمية المستدامة التي تسعى لتلبية احتياجات الحاضر دون المساس بحقوق الأجيال القادمة. وفي المغرب على سبيل المثال، أسهمت الأوقاف في تأسيس جامعة القرويين في القرن التاسع الميلادي، التي أصبحت أقدم جامعة لا تزال قائمة حتى اليوم، مقدمةً التعليم لآلاف الطلاب دون مقابل. أما في العصر الأندلسي، فقد مولت الأوقاف بناء الحدائق والمكتبات العامة في قرطبة، مما جعلها مركزًا حضاريًا يجمع بين التنمية البيئية والثقافية.هذه الأمثلة تُظهر أن الأوقاف لم تكن مجرد رد فعل لاحتياجات آنية، بل خططت للمستقبل بطريقة تتماشى مع جوهر التنمية المستدامة التي حددتها الأمم المتحدة في 17 هدفًا عام 2015.
لكن اليوم، في كثير من الدول العربية، تُدار الأوقاف بطرق عفا عليها الزمن، حيث تقتصر على استئجار عقارات أو توزيع أرباح محدودة على أنشطة تقليدية. هذا النهج، رغم أهميته في سياقات معينة، لا يرقى إلى مستوى التحديات الحالية التي تواجهها المنطقة، مثل ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب (التي تصل إلى 25% في بعض الدول وفقًا لتقارير منظمة العمل الدولية)، أو تدهور الموارد الطبيعية بسبب الجفاف والتصحر. إن إعادة اختراع الأوقاف ليست خيارًا، بل ضرورة ملحة.
واقع الأوقاف: ثروة كامنة تنتظر الاستغلال
تمتلك الدول العربية ثروة وقفية هائلة، لكنها غالبًا تظل حبيسة أطر عتيقة. ويُقدر عدد الأوقاف فى الدول العربية بالآلاف ، تشمل أراضي ومباني بقيمة قد تصل إلى مليارات الدولارات، لكن الكثير منه اما يُدار بطرق لا تُحقق سوى عائد ضئيل ،او ان سوء الإدارة والفساد يُهددان بتبديد هذه الأصول. هذه الثروة، إذا أُحسن استغلالها، يمكن أن تُشكل قوة اقتصادية تدعم أهداف التنمية المستدامة، من القضاء على الفقر إلى حماية البيئة.
في المقابل، تُظهر التقارير الحديثة عن التنمية المستدامة في المنطقة تقدمًا متفاوتًا. ففي بعض الدول مثل الأردن والمغرب، انخفضت معدلات وفيات الأطفال بشكل ملحوظ، لكن الفقر لا يزال يُهدد حوالي 40% من سكان دول أخرى، وفقًا لتقديرات البنك الدولي. كما أن البطالة بين الشباب، التي تصل إلى 25% في بعض المناطق حسب منظمة العمل الدولية، تُشكل قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الاجتماعي. هذه الفجوات تُبرز الحاجة إلى أدوات مبتكرة، والأوقاف يمكن أن تكون الحل إذا خرجت من قوقعتها التقليدية.
الأوقاف كمحرك اقتصادي واجتماعي
الأوقاف ليست مجرد مصدر للإيرادات السلبية، بل يمكن أن تُصبح استثمارًا ديناميكيًا يُحقق عوائد اقتصادية واجتماعية مستدامة. على سبيل المثال، إذا استُثمر 10% فقط من أصول الأوقاف في مشاريع طاقة متجددة بقيمة مليار دولار، يمكن أن تُولد عوائد سنوية تتراوح بين 50 و70 مليون دولار، بناءً على معدلات الاستثمار في القطاع الأخضر العالمي. هذه الأموال يمكن أن تُوجه لتمويل التعليم المهني للشباب، مما يُقلل البطالة، أو لإنشاء وحدات صحية في المناطق النائية، مما يعزز الصحة العامة.
هذا النهج ليس جديدًا كليًا؛ ففي العصر العثماني، كانت الأوقاف تُستثمر في التجارة عبر طريق الحرير، مما أنتج أرباحًا دعمت البنية التحتية للمدن. اليوم، يمكن تكرار هذه التجربة بأدوات حديثة، مثل الاستثمار في التكنولوجيا أو الاقتصاد الأخضر، لتتحول الأوقاف من عبء إداري إلى رافعة تنمية.
أصوات المجتمع: ماذا يقول الناس؟
في سياق غير رسمي، تُظهر مناقشات المجتمعات المحلية في بعض الدول العربية رغبة متزايدة في إعادة توجيه الأوقاف. على سبيل المثال، يرى العديد من الشباب أن الأوقاف يجب أن تُركز على دعم التكنولوجيا والابتكار بدلًا من العقارات فقط، حيث يقول أحد الشباب في استطلاع غير رسمي: “نحتاج إلى أوقاف تُعلمنا البرمجة، لا مجرد دفع إيجارات.” كما تُعبر المجتمعات الريفية عن حاجتها إلى أوقاف تُوفر حلولًا ملموسة مثل المياه النظيفة أو الوحدات الصحية المتنقلة. هذه الأصوات تُؤكد أن الأوقاف يجب أن تتجاوز دورها التقليدي لتلبي تطلعات الجيل الجديد.
مقترحات مبتكرة لإعادة اختراع الأوقاف
بدلًا من الاكتفاء بتمويل المرافق الأساسية، يمكن للأوقاف أن تتحول إلى قوة دافعة للتغيير الجذري من خلال تبني الأفكار غير التقليدية ومنها:
الأوقاف الرقمية: لماذا لا نُنشئ أوقافًا تستثمر في التكنولوجيا؟ يمكن إنشاء منصات تعليمية رقمية ممولة من الأوقاف تُتيح التعليم المجاني لملايين الشباب العرب، مما يعزز الهدف الرابع (التعليم الجيد) ويقلل البطالة عبر تدريبهم على مهارات المستقبل مثل البرمجة والذكاء الاصطناعي.
الأوقاف البيئية: في ظل أزمة المناخ، يمكن توجيه الأوقاف لتمويل “غابات وقفية” في مناطق التصحر، حيث تُزرع أشجار مقاومة للجفاف تُنتج ثمارًا اقتصادية (كالزيتون أو اللوز)، مما يحقق الهدف 13 (العمل المناخي) ويوفر دخلًا مستدامًا للمجتمعات المحلية.
الأوقاف التعاونية: بدلًا من إدارة الأوقاف على مستوى فردي أو محلي، يمكن إنشاء “تكتلات وقفية” عربية تجمع الأصول من عدة دول لتمويل مشاريع ضخمة، مثل شبكات طاقة شمسية إقليمية تُغذي المناطق النائية، مما يدعم الهدف 7 (الطاقة النظيفة).
هذه الأفكار تتطلب تغييرًا في العقلية: من رؤية الأوقاف كمصدر للإيرادات السلبية إلى اعتبارها استثمارات ديناميكية تخدم أهدافًا طويلة الأمد. على سبيل المثال، إذا استُثمرت الأوقاف في السعودية أو مصر في مشاريع الطاقة المتجددة، لأمكن توفير مئات الآلاف من الوظائف، مع تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وهو ما يتماشى مع التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر.
التحديات: ما الذي يعيق هذا التحول؟
التحديات أمام هذه الرؤية ليست بسيطة. أولًا، غياب البيانات الشاملة عن الأوقاف يجعل من الصعب قياس حجمها أو تأثيرها المحتمل. في كثير من الدول، لا توجد حتى سجلات دقيقة للأصول الوقفية، مما يعيق التخطيط الاستراتيجي. ثانيًا، الإطار القانوني في بعض الدول لا يسمح بالمرونة الكافية لاستثمار الأوقاف في مجالات غير تقليدية مثل التكنولوجيا أو البيئة. ثالثًا، هناك مقاومة ثقافية لتغيير النظرة إلى الأوقاف، حيث يراها البعض كمؤسسة دينية لا يجب “تدنيسها” بالاستثمارات الحديثة.
لكن هذه التحديات ليست مستعصية. التاريخ يُظهر أن الأوقاف تطورت عبر العصور لتلبي احتياجات كل عصر، من تمويل الجيوش في العصر الأموي إلى دعم العلماء في العصر الذهبي. اليوم، يمكن أن تتكيف مرة أخرى إذا تغيرت الإرادة والرؤية.
رؤية للمستقبل: خطة عمل جريئة
لتحقيق هذا التحول، نقترح الآتي:
إنشاء هيئة عربية للأوقاف المستدامة: تكون مسؤولة عن جمع البيانات، تطوير السياسات، وتنسيق الجهود بين الدول لاستثمار الأوقاف في مشاريع مشتركة.
تشريعات مرنة: تعديل القوانين للسماح باستخدام الأوقاف في استثمارات مبتكرة، مع ضمان الشفافية وحماية الأصول.
تجارب رائدة: إطلاق مشاريع تجريبية، مثل “الوقف الرقمي” في دولة مثل الأردن (بفضل شبابها التقني)، أو “الغابات الوقفية” في المغرب (لخبرته الزراعية).
حملات توعية: تعريف المجتمعات بأن تطوير الأوقاف لا يتعارض مع جوهرها الديني، بل يعزز رسالتها في خدمة البشرية.
خاتمة
الأوقاف ليست مجرد أصول جامدة، بل طاقة كامنة يمكن أن تُشعل ثورة تنموية في الدول العربية. من خلال إعادة اختراعها كأداة للابتكار—سواء في التكنولوجيا، البيئة، أو الاقتصاد—يمكن أن تتجاوز دورها التقليدي لتصبح محركًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. إنها دعوة للخروج من المألوف، لنحول تراثنا إلى سلاح لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، ونبني مستقبلًا يجمع بين الأصالة والحداثة.