منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خيار المقاومة بعد عام من طوفان الأقصى

د. فؤاد هراجة

0
خيار المقاومة بعد عام من طوفان الأقصى
د. فؤاد هراجة
كنت كتبت بتاريخ 15 غشت 2020 مقالا بعنوان “الديكتاتوريات العربية والكيان الصه.يوني وجهان لعملة واحدة”، بينت من خلاله أن الحلم الأزرق الذي يحلم به الي.هود الصها.ينة لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود أنظمة عربية وظيفية مهمتها تدجين الشعوب وسوقها سوقا سبايا إلى حضيرة إسرا..ئيل. لقد قسم سايكس وبيكو الدول العربية ووضعوا عليها عائلات حاكمة ذيلية تابعة لتَخْلُفَ المحتل البريطاني والفرنسي في مهامه بعد خروج جيوشه منالمنطقة. بالموازاة هيأت كل الظروف لقيام الكيان الصهي وني سنة 1948. وبذلك أصبحت وظيفة الأنظمة العربية ومعها النظام الصفوي بإيران قبل الثورة حماية الكيان الصهيو..ني والمصالح الغربية من شعوب المنطقة. على هذا الأساس، فإن كل حديث بعد 7 أكتوبر ومعركة طو..فان الأق..صى عن الوطن العربي والإقليم العربي والدول العربية ومحور السنة في مقابل المقاومة الفلسطي..نية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وأذرعها في المنطقة(اليمن وسوريا والعراق وحزب الله) هو انخراط علني وليس ضمني في المشروع الصهي..وني العالمي.
لقد عمل الإعلام الغربي منذ الإعلان عن البرنامج النووي الإيراني، على ترسيخ فكرة محورية في أذهان الشعوب العربية مفادها أن العدو الاستراتيجي في المنطقة هو “إيران الثورة” التي اجتثت نظام الشاه الصفوي المنغمس في موالاته للكيان الصهي.وني، والمندمج بكليته في الصهيونية العالمية. على ذلك تعالت الأصوات للتطبيع مع “إسرا..ئيل”
ضد الخطر النووي الإيراني الداهم، وظلت كل المنابر الإعلامية الرسمية والمأجورة في المنطقة العربية خاصة والدوائر الغربية عامة تلعب على الوتر. وقد يتساءل البعض، ما دامت إيران بهذه القوة حاضرا ومستقبلا، لماذا لم تختر الدول العربية التقارب مع إيران عوض التطبيع مع “إسرا..ئيل”؟ والجواب بسيط، لأن بقاء الأقليات الحاكمة في الوطن العربي على كراسي الحكم رهين ببقاء الكيان الصهي..وني، كما أن زوالها يأذن بزوال “إسرا..ئيل” وسقوط الهيمنة الغربية على العالم.
بناء عليه، فإن الإعلان عن صفقة القرن، والإعلان عن التطبيع، كان هدفه الاستراتيجي، أولا بتر أذرع إيران في المنطقة، وهذا ما يفسر التدخل المسلح في سوريا لاستنزاف جبهة المقاومة، وإعلان الحرب على اليمن، وضرب حركة الج.ها.د باغتيال كوادرها باعتبارها مقربة لإيران، ومحاولة مساومة حركة ح.م.ا.س في غزة من خلال مشروع اقتصادي يرفع الحصار عن القطاع ويمكنها من مطار وميناء ومشاريع تنموية كبيرة سترفع غزة إلى مصاف المرافئ العالمية، مقابل إنهاء المقاومة والانخراط في عمل سياسي يقبل بوجود الكيان الإسرا..ئيلي، ما دامت المنطقة سائرة لا محالة الى تطبيع شامل، لا يمكن لغزة أن تصمد أمامه وفي أجوائه، وما دام الحليف الإيراني سيتلقى ضربة قاضية بعد ترتيب كل دول المنطقة تطبيع علاقاتها مع الكيان الصهي..وني وانخراطها ماليا وعسكريا ولوجستيكيا في ضرب المشروع النووي الإيراني واستعادة المناطق التي كان له نفوذ عليها. ولعل ما جعل الغرب والعرب يطمعون في قبول حماس بذلك العرض المغري الذي صرح به الش.هيد إسما.عيل ه.ن.ية والذي حدد في 15مليار دولار، عدم رد ح.م.ا.س وكتا..ئب عز الد..ين الق..سام على اغتيالات قادة الج.ها.د الإسلا.مي، ثم استقرار مكتبها السياسي في قطر، فمحاولات رأب الصدع بينها وبين السلطة الفلس..طينية.
بَيْدَ أن الأحداث ستسير عكس ما كان متوقعا، وسيستفيق العالم صبيحة يوم السابع من أكتوبر 2023 على اجتياح ك.ت.ائب عز ال.دي.ن الق.س..ا.م لغلاف غ.ز.ة مكبدا العدو الصه..يوني خسائر فادحة في الأرواح وفي بنك المعلومات، حيث إلى جانب الأسرى استولت ح.م.ا.س على حواسيب وأقراص صلبة تضم معلومات استخباراتية معتبرة فيها أخبار المنطقة بأكملها. فضلا عن كل ذلك، اعتبرت هذه المعركة هزيمة كبرى للمو.صاد والشا.باك وكل الاستخبارات العالمية المعنية بأمن وسلامة “إسرا..ئيل”. وعليه دخل العالم منعطفا جديدا وحاسما، انتقل فيه الكيان الصه…يوني ومعه الغرب الامبريالي من دور المهاجم والمهيمن والمهدد إلى دور المدافع والباحث عن استعادة هيبته من خلال صيغ جديدة الردع.
هكذا، سيراهن العالم الغربي المُتَأَمْرِكُ والمتصهين على هزيمة سريعة للم.قاو.مة في غ.ز.ة سيما وأنها لم تنسق مع باقي جبهات الم.قا.ومة الأخرى، ناهيك على أنها في نظر الكيان وحلفائه لا تمتلك من القوة ما يجعلها قادرة على الصمود أمام الترسانة العسكرية الصه..يونية والإمدادات الغربية من كل جانب.
غير أن الصمود الأسطوري للم.قا.ومة الفلس..طينية في غ.ز.ة والخسائر الكبيرة التي ألحقها بالكيان، والقدرة على تحمل الضربات، والنجاح الباهر في إخفاء الأسرى، ثم الأهم الحاضنة الشعبية التي فاقت التوقعات بصمودها، كلها عوامل قوضت صفقة القرن، وبرهنت على عدم جدوى التطبيع، وخلطت كل الحسابات جيوسياسية في المنطقة، وأرغم القوى العظمى على التفاوض مع ح.م.ا.س، وشهدنا عودة الخطاب القائل بحل الدولتين، كما شهدنا تظاهرات في كل دول العالم تدعم تحرير فلس..طين من النهر إلى البحر. في خضم كل هذا المَوَرَان انتقلت الدكتاتوريات العربية من موقف التنديد والشجب وعقد القمم، إلى الصمت المطبق تجاه ما يقع من مجازر وإبادة جماعية للشعب الفلس..طيني، وهو موقف على كل حال مفهوم ما دمنا أننا قد تعرفنا في مطلع المقال كيف نشأت أنظمة سايكس- بيكو، ولماذا أنشأت! فلا تنتظر من الفأرة أن تلد أسداً !
وأمام صمود الم.قا.و.مة الفلس…طينية، وأمام الفشل الذريع لجيش الكيان، وأمام الضغوط الداخلية على حكومة النَّتِنْ-ياهو لاسترجاع الأسرى، وأمام استيعاب لحظة اغتيال الش.هي.د إسما..عيل ه.ن.ية وسد ثغرة القيادة بسرعة في ح.م.ا.س ، ولأن الكيان كان يعد العدة لح.ز.ب الله منذ هزيمة 2006، ولأنه كان يمتلك بنك أهداف معتبرة من خلال اختراقات وازنة، أصَرَّ هذا الكيان على تحويل المعركة إلى الشمال، لعله يقدم حصيلة مع اقتراب انتهاء عام على معركة طو.فان الأق.صى تنسي الشارع “الإسرا..ئيلي” ما تكبده من خسائر ومذلة أمام مقا.ومة محاصرة ومقطوعة الامدادات مدة 18 سنة.
في هذا السياق، جاءت عملية اغتيال فؤاد ش.ك.ر، وعمليات البيجير والتوكي ووكي، واغتيال قيادة الرضوان، فاغتيال الش.هي.د السيد ح.س.ن نص.ر الله، ثم اغتيال ها.شم ص.في الدين. كل هذه العمليات غيرت المناخ السياسي والعسكري في الكيان وجعلته ينتشي مرحليا بطعم الانتصار، حتى أفاقه من نشوته الرد الإيراني الرادع؛ أقول الرادع بالعقل والمنطق السياسي، وليس العقل والمنطق الغرائزي، فالأول يبعث برسائل مفادها أن إيران قادرة على الضرب والوصول إلى أهداف حيوية، أما الثاني أي العقل الغرائزي فيتساءل عن عدد القتلى وحجم الخسائر ورقعة الدمار، فما يهم إيران مرحليا هو تذكير “إسرا..ئيل” أنها أهبة الإستعداد المواجهة وأن أي جسارة عسكرية ستقابل برد أقوى وأشد.
إن المتأمل في تدحرج كل هذه الأحداث بعد مرور سنة عن اندلاعها، سَيَخْلُصُ لا محالة إلى مصداقية ما صرح به الس.نو.ار قبيل تنفيذ عملية طو.فان الأق.صى، حين أخبر بكل وضوح أن ح.م.ا.س سوف تخلط كل الأوراق وستدفع بالمنطقة إلى أحداث تسقط صفقة القرن ومعها مخطط التطبيع الذي كانت تنقصه فقط السعودية. علاوة على ذلك، فإن تحقق رؤية ح.م.ا.س التي عَبَّرَ عنها الس.نو.ار، تدل دلالة قاطعة على أن العقل السياسي والعسكري الفلس.طيني متفوق استراتيجيا رغم قلة ذات اليد، وعلى أن ما يعد به الأمة ويتوعد به العدو يؤخذ على محمل الجد. لقد سرَّعت معركة طو.فان الأق.صى
بعدة نتائج منها:
  •   انفضاح الأنظمة العربية التي لم يعد مسموح لها حتى بالتنديد.
  • تراجع كبير لمنسوب تعاطف الشعوب الغربية مع “إسرا..ئيل.
  • عودة القضية الفلسطينية لتحتل صدارة الأحداث في العالم، بعدما أريد لها الإقبار والتهميش.
  • تَوَحُّد جبهات الم.قا.و.مة على هدف واحد هو إنهاء الحرب في غزة ورفع الحصار عنها وتبييض سجون العدو من الأسرى الفلس…طينيين.
  • إبراز مواطن ضعف المنظومة العسكرية والاستخباراتية الصه.يونية في غ.ز.ة والعمل على ضرورة الاستفادة من تجربة ح.م.ا.س على كل واجهات الم.قاو.مة.
وأخيرا وليس آخرا، فإن العبرة من كل ما حدث تتمثل في أن الكيان قد فَقَدَ أهم المقومات التي تأسس عليها متمثلة في الردع الاستراتيجي، والأمن الاقتصادي، والرفاه الاجتماعي، والجيش الأكثر أخلاقية، وباحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، والكيان المظلوم في المنطقة، فأصبح كل العالم بعيد طو.فان الأق.صى يرى في “إسرا..ئيل الدولة المارقة المتمردة على القوانين الدولية وكل مواثيق وعهود حقوق الإنسان، كما أضحى العالم على يقين أن هذه الدولة العصابة إذا لم تُلْجَم سوف تسوق العالم نحو حرب عالمية ثالثة لا محالة. أما الوقائع فتؤكد بما لا يدع شك أن المقاومة هي الخيار الوحيد والأوحد لتحرير فلس.طين ومن خلالها تحرير العالم من كل الديكتاتوريات السياسية والاقتصادية، كما أن عقيدتنا فتدلنا أن الأمة قد باتت على طريق النصر، وأن ما يقع اليوم هو مجرد تمارين مصغرة تهيء العالم لقبول زوال هذا الكيان الذي لم يعد له مكان تحت الشمس ولم يعد له موضع بين الأمم خلافا لما كتبه النتن-ياهو سنة 1993 في كتابه A place among thé nations والذي ترجم إلى العبرية تحت عنوان “مكان تحت الشمس”.
«والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون»
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.