منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

علاقة المقاصد بالأدلة الشرعية

علاقة المقاصد بالأدلة الشرعية/ ذة. فاطنة بورزة

0

علاقة المقاصد بالأدلة الشرعية

بقلم: ذة. فاطنة بورزة

شكّل الحديث عن علاقة المقاصد بالأدلة الشرعية محورا للعديد من المناظرات والكتب للترابط القائم بينهما، فمقاصد الشريعة محراب الأدلة الشرعية وقبلتها وغايتها ثم إن الشريعة عبارة عن أحكام وضعت لجلب المصلحة ودفع المفسدة وهذا ما يسمى بالمقاصد، وللشريعة مصادرها المعروفة وهي الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها، لذلك فإن بين المقاصد والأدلة صلة وعلاقة قوية لأن كل دليل يتضمن مقصدا سواء كان كليا أو جزئيا أي أن الدليل يحتوي على قصد أو مقصد الشارع من تشريعه للأحكام.

ومن الأدلة المتفق عليها الكتاب والسنة والإجماع والقياس:

  1. علاقة المقاصد بالقرآن الكريم:

إن القرآن الكريم هو أول مصدر من مصادر التشريع وأساس الأحكام والأسرار الشرعية، قال الشاطبي رحمه الله: “إن الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره ،.. وهذا لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه؛ لأنه معلوم من دين الأمة، وإذا كان كذلك لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة، وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها، أن يتخذه   سميره   وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي، نظراً وعملاً، لا اقتصار اعلى أحدهما”  [الموافقات: 4/144]

وفي ظل القران الكريم تنقسم المقاصد الى:

  • مقاصد عامة:

مقصد العبودية، قال تعالى: (“وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”).

مقصد العدل والإحسان، قال تعالى: (“إن الله يامر بالعدل والإحسان”).

  • مقاصد جزئية:

بيان مقاصد الصلاة، قال تعالى: (“وأقم الصلاة لذكري”)،

بيان مقاصد القصاص، قال تعالى:(“ولكم في القصاص حياة”).

  1. علاقة المقاصد بالسنة النبوية:

تعتبر السنة النبوية المصدر الثاني بعد كتاب الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بمقاصد القرآن، لذلك فالحاجة ماسة إليها لبيان المقاصد التي من أجلها شرعت الاحكام الشرعية . يقول ابن القيم الجوزية إن السنة مع القرآن الكريم ثلاثة أوجه: “

أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها،

الثاني: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له،

الثالث: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمه لما سكت عن تحريمه ولا تخرج عن هذه الأقسام، [كتاب أعلام الموقعين، ج2 لابن القيم]،

وتنضوي تحت السنة أيضا :

  • مقاصد عامة:

1.مقصد بيان يسر الدين، قال صلى الله عليه وسلم: “إن هذا الدين يسر”.

2.مقصد دفع الضرر، قال صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار”.

  • مقاصد جزئية:

1.أن تكون السنة مبينة لمقصد مجمل في القرآن:

كبيان فائدة الاستئذان في القرآن لقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما جعل الاستئذان من أجل البصر”.

2.أن تضيف على ما ذكره القرآن من مقاصد في تشريع حكم ما مثل:

إضافة مقاصد أخرى لتشريع النكاح، قال صلى الله عليه وسلم: “من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج”.

3.أن تستقل السنة بذكر مقاصد لتشريع حكم لم يذكر في القرآن مثل:

ذكر النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، قال صلى الله عليه وسلم: “إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن”.

  1. علاقة المقاصد بالإجماع:

الإجماع هواتفاق المجتهدين في عصر من العصور على حكم في قضية من القضايا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المصدر الثالث بعد الكتاب والسنة إذ لا ينعقد إلا بمجتهد ملم بمقاصد الشريعة، ثم إن الإجماع من أقوى الطرق في تحديد المقصد من الحكم الشرعي مثل (الاتفاق حول علّة الصغر الموجب للولاية).

وتكتسب المقاصد المجمع عليها قوة في معرفتها وتحديدها أكثر من المقاصد المختلف فيها.

  1. علاقة المقاصد بالقياس:

القياس اصطلاحاً: تسوية فرع بأصل في حكم لعلَّة جامعة بينهما.

فالفرع: المقيس.

والأصل: المقيس عليه.

والحكم: ما اقتضاه الدليل الشرعي من وجوب، أو تحريم، أو صحة، أو فساد، أو غيرها.

والعلة: هي المعنى الذي ثبت بسببه حكم الأصل، وهذه   هي أركان القياس .
والقياس أحد الأدلة التي تثبت بها الأحكام الشرعية،

وترتبط المقاصد في القياس  بالعلة، خاصة باب المناسبة حيث اعتبرت  هذه الأخيرة شرطاً في صحة العلة، وأن أكثر كلام الأصوليين في مقاصد الشريعة جاء من خلال باب المناسبة. من أمثلتها:

مالأصلالفرعالعلةالحكمالمقصد
1الخمرنبيذ الشعيرالإسكارالتحريمحفظ العقل والمال
2القضاء أثناء الغضبالقضاء الجوع الشديدتشويش الذهنالمنعحفظ حقوق المتخاصمين
  1. علاقة المقاصد بالمصالح المرسلة:

المصلحة المرسلة هي المصلحة المسكوت عنها التي لم يشهد الشارع باعتبارها ولا بإلغائها، وتعتبر حجة عند جمهور العلماء والأصوليين إذا تلاءمت مع الأدلة والمقاصد الشرعية. من أمثلتها:

  • جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر رضي الله عنه؛ لمصلحة حفظه من الضياع والاندثار بعد تفرق القراء وموتهم.
  • الإستعانة بمكبرات الصوت وبوسائل التكنولوجية المعاصرة في الأذان والصلوات والجمعات وخطب العيدين والتراويح.
  1. علاقة المقاصد بالاستحسان:

الاستحسان هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص، وهو حجة عند جمهور العلماء إذا توافرت فيه شروطه وضوابطه.

ولا يعدل بالمسألة عن نظائرها إلا لتحقيق مصالح أعظم ودفع مفاسد، وتظهر هذه العلاقة جلية في استحسان الضرورة عند الحنفية. مثال:

  • النظر إلى المخطوبة جائز وهو مستثنى من عموم تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية وعلة الاستثناء هي: مصلحة دوام العشرة الزوجية لحصول الارتياح والاطمئنان …
  1. علاقة المقاصد بسد الذرائع:

ونعني بسد الذريعة منع ما يجوز حتى لا يتوصل به إلى ما لا يجوز، وقد قال جمهور العلماء: إنها أصل شرعي يعمل به ويعول عليه في معرفة الأحكام واستنباطها. ومن أمثلتها:

  • البيع وقت الجمعة وسيلة لترك الجمعة، لذلك نهىي عنه لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
  • كثرة السهر ذريعة للتأخر عن المحاضرات.
  1. علاقة مقاصد الشريعة بالعرف:

حظيت أعراف الناس وعاداتهم بقدسية كبيرة في المجتمعات القديمة قبل الإسلام، وكانت في كثير من الأحيان هي القوانين المبجّلة التي يجب طاعتها ويُمنع منعًا باتًا مخالفتها. من أمثلتها:

  • العمل بالعرف يؤكد ما جاءت به الشريعة من التسيير ورفع الحرج.
  • جاءت الشريعة الإسلامية بجلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، فكل خير وصلاح فالشريعة أولى به، وكل شر وفساد فهي بعيدة عنه كل البعد.

خاتمة:
وصفوة القول فان علاقة المقاصد بالأدلة الشرعية موضوع شاسع. يطول شرحه,…وما كتابتنا هذه الا غيض من فيض …وقد تناولته مؤلفات كثر بالشرح والتفصيل  …لابأس بالاطلاع عليها  ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.