مواقف من تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع المخطئ
مواقف من تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع المخطئ/ جهاد المجدوب
مواقف من تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع المخطئ
بقلم: جهاد المجدوب
عاش الصحابة رضوان الله عليهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداثاً عظيمة، ونقرأ في السيرة العطرة بطولاتهم في المشاهد الكبرى: الغزوات، والمواقف، والتضحيات. لكن بين سطور تلك البطولات، هناك سطور أخرى أكثر قرباً منا، أكثر شبهاً بحياتنا اليومية: سطور الزلة، والخطأ، والتوبة.
فبعد عقد العزم على الاستقامة -وهي كما قيل مشروع عمر لا مشروع يوم- تكثر الخيبات والزلات التي يقع فيها الإنسان يوماً بعد يوم، فتساورنا الأسئلة: هل كان الصحابة أنفسهم يقعون في مثل ما نقع فيه اليوم من أخطاء ومعاصٍ؟ وهل كانت فتنتهم بحجم ما نراه اليوم من فتنٍ تُشيب لها الولدان؟ وكيف كانت توبتهم منها؟ والأهم: كيف تعامل الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم مع هذه الأخطاء؟
كانت شخصية حبيبنا صلى الله عليه وسلم شخصية فريدة تركت أثرها في كل من عرفه، بأسلوبه الهيّن اللين كان يقوّم سلوك أصحابه ويربّي نفوسهم، لا بالقسوة والزجر، بل بالحكمة والرفق. وكان أصحابه رضوان الله عليهم، مع ما امتازوا به من سمات رفيعة، بشراً يخطئون كما نخطئ، لكنهم كانوا -بشهادة النبي ﷺ نفسه- خير الأجيال؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم” (رواه البخاري ومسلم).
أولاً: الإقناع النبوي وصدق المستفتي
كان النبي ﷺ يعتمد في تقويم أخطاء الناس على منهج تربوي فريد، يركز على إصلاح الخطأ وتعزيز الرغبة في التوبة، مع الحرص التام على صون كرامة المخطئ.
جاء شاب من قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي في الزنا؟ فأقبل عليه القوم فزجروه، أما هو صلى الله عليه وسلم فقال: “ادنه”، فدنا منه قريباً حتى جلس، فقال له: “أتحبه لأمك؟” قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: “ولا الناس يحبونه لأمهاتهم”. قال: “أفتحبه لابنتك؟” قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: “ولا الناس يحبونه لبناتهم”. وما زال النبي ﷺ يسأله عن أخته وعمته وخالته، والشاب يجيب في كل مرة: لا والله، جعلني الله فداءك، حتى وضع صلى الله عليه وسلم يده عليه وقال: “اللهم اغفر ذنبه، وطهّر قلبه، وحصّن فرجه”، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.
بمنطقٍ هادئ، ومن غير عتاب على صراحته، ولا إسكات لصوته، أقنعه صلى الله عليه وسلم بالإقلاع عن خطئه، مستحضراً ما استقر في فطرته من الغيرة على عرضه، ثم ختم كلامه بدعاء كان بلسماً شافياً على قلب ذلك الشاب. فيا لعظمة الدعاء حين يكون خاتمة النصيحة، ويا لحاجة شباب اليوم -رجال الغد- إلى من يدعو لهم بالاستقامة بدل أن يكتفي بلومهم عليها.
وفي موقفٍ آخر، رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسّها (وفي رواية: أصبت منها قبلة)، فأنا هذا، فاقضِ فيّ ما شئت. فقال عمر رضي الله عنه: لقد سترك الله، لو سترت نفسك! لكن الرجل كان يريد التوبة الصادقة، فلم يردّ عليه النبي ﷺ شيئاً، إذ كان ينتظر الوحي، فقام الرجل منطلقاً وهو يتألم من ذنبه، فأتبعه النبي ﷺ رجلاً دعاه وقال: “ارجع”، وتلا عليه ما أنزل الله عليه من قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود: 114). فقال رجل من القوم -وقيل إنه معاذ بن جبل رضي الله عنه-: يا نبي الله، هذا له خاصة؟ قال: “بل للناس كافة”.
كلنا نخطئ، وتتخطّفنا فتن الحياة، لكن الفارق الحقيقي يكمن في سرعة التدارك. فإذا ضعفتَ أمام زلة، وضاعت منك لحظات لم تستطع فيها كبح جماح نفسك، فلا تنكمش في زاوية اليأس، ولا تبقَ أسيراً لخطيئتك؛ بل انهض فوراً. زاحم سيئاتك بحسناتك حتى تمحوها: توضأ واركع لله ركعتين نافلة، اعقد جلسة استغفار صادقة، صِلْ رَحِماً، اقرأ وِردك من القرآن، أو شاهد ما يُذكّرك بحلاوة التوبة. اجعل من خطيئتك وقوداً لطاعة جديدة، فـ”الحسنات يُذهبن السيئات”.
ثانياً: لا تنظر إلى صغر الذنب، بل انظر إلى عِظَم من عصيت
كم كلمة نُطلقها من ألسنتنا في اليوم الواحد لا نُلقي لها بالاً، ولا نعلم ما تفعله في صحائفنا يوم القيامة! قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وكان بلال بن سعد رحمه الله يقول: “لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت”. وقد تجلّت هذه الحساسية المرهفة تجاه الذنب في أبهى صورها لدى ذلك الجيل الفريد.
انظر إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الوزير الأول والساعد الأيمن للنبي ﷺ، حين اختلف مع ربيعة بن كعب -خادم النبي ﷺ- على نخلة، فبدرت من الصديق كلمة أغضبت ربيعة. أدرك أبو بكر فوراً فداحة ما قال، ولم تمنعه مكانته العالية من أن يطلب من خادم النبي ﷺ أن يردّ عليه الكلمة، ليكون ذلك قصاصاً في الدنيا قبل الآخرة! فأبى ربيعة أن يفعل، إذ تربّى في بيت النبوة على رفض السباب والشتم مهما كان مبرَّره. فذهب أبو بكر يشتكيه إلى رسول الله ﷺ، يطلب أن يأمره بردّ الكلمة قصاصاً، فأقرّ النبي ﷺ ربيعة على سموّ خُلقه، وأمره أن يقول لأبي بكر: “يغفر الله لك يا أبا بكر”. فولّى الصديق رضي الله عنه وهو يبكي؛ يبكي بحرقة لأن الجرح في صحيفته لم يُقتصّ منه في الدنيا. هكذا كانت حساسيتهم تجاه الذنب مهما صغر.
وفي المعنى نفسه، روى مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتماً من ذهب في يد رجل، فنزعه وطرحه، وقال: “يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده”. فقيل للرجل بعدما ذهب النبي ﷺ: خذ خاتمك وانتفع به. فقال: لا والله، لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله ﷺ. فرغم أن الرجل كان بإمكانه أن يأخذه ليبيعه أو ينتفع بثمنه -وهو أمر مباح في ذاته- إلا أن إحساسه بعِظَم ما فعل جعله يزهد فيه بالكلية. وحجة الصحابة في هذا الإحساس المفرط بخطر الذنوب الصغيرة ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إياكم ومحقَّرات الذنوب، فإنهنّ يجتمعن على الرجل حتى يُهلكنه”.
هنا تتجلى قمة الصدق في التوبة، وهي التخلص الجذري من مسببات الذنب، لا الاكتفاء بالندم عليه. وصدق التوبة اليوم يتطلب منا تطبيقاً عملياً لمبدأ “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك”. فإن كان هناك تطبيق هاتفي، أو منصة، أو بيئة معينة تجني منها فائدة دنيوية، لكنها تُفسد قلبك وتستدرجك إلى السيئات، فاحسم أمرك وأعرض عنها تماماً، أو قنّن استخدامك لها بصرامة حتى تسلم من ضررها، فمن ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه.
ثالثاً: التسليم المطلق ولا جدال ولا مناقشة بعد معرفة الخطأ
في مشهد تربوي عظيم آخر، جاء أسامة بن زيد رضي الله عنهما -حِبّ رسول الله ﷺ وابن حبّه- ليشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، أملاً في إعفائها من الحد نظراً لمكانة قبيلتها القوية. فتغيّر وجه النبي ﷺ وقال غاضباً: “أتكلمني في حدٍّ من حدود الله؟”. (رواه البخاري ومسلم)
في تلك اللحظة الحاسمة، لم يجادل أسامة، ولم يبرر موقفه بحسن نيته، ولم يتعذر بمكانة المرأة وقبيلتها وما قد ينجم عن ذلك من حساسيات اجتماعية، بل أدرك حجم الخطأ فقال كلمة واحدة اختزلت كل معاني التسليم: “استغفر لي يا رسول الله”.
لقد علّمنا الصحابة أن الخطأ البشري وارد لا محالة، لكن الكارثة الحقيقية تكمن في تبريره، والمجادلة بالباطل، والانتصار للنفس بدل الانتصار للحق. فإذا وُجّه إليك اللوم أو النصيحة من محبٍّ صادق، فكن أنت المستفيد الأول؛ لا تبنِ جدار الأعذار حول نفسك، بل وسّع صدرك لقبولها، واحمد الله أن سخّر لك من يهديك عيوبك قبل أن تقف بها بين يدي الله.
خاتمة
هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المخطئين: يقنع لا يقهر، ويربّي لا يفضح، ويستقبل التوبة بالرحمة لا بالتشفي. وفي ذكرى مولده الشريف، تبقى هذه المواقف مناراتٍ لكل من أثقلته ذنوبه تناديه: أن الطريق إلى الله لا يُغلق بخطيئة، وأن أقرب الناس إلى قلب النبي ﷺ لم يكونوا المعصومين من الخطأ، بل التوّابين المسارعين إلى الله بعده.