والله يبدي ما نخفيه
والله يبدي ما نخفيه/ أشرف شعبان أبو أحمد
والله يبدي ما نخفيه
بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد
كثير من الناس يأخذون الآخرين بما هم عليه من ظاهر، وبما يبدونه من وجاهة في الملبس، أو ما يظهرونه من مقتنيات أو بما ينطقون به من كلمات منمقة تصاحبها ابتسامات مفتعلة، أو بما يصدر عنهم من حركات وسلوكيات متكلفة، ويكتفون بذلك معيارا للحكم عليهم، وكأنما أدركوا ما هم عليه إدراكا كاملا، وأما حقيقة مخبرهم وما تخفيه بواطنهم فإلى الله وحده، لا يطلع عليه سواه، ويقولون لا علم لنا به، وقولهم هذا يصح فيما لا يبديه الله من سرائر الناس على وجوههم أو في فلتات ألسنتهم، أو تفضحه جوارحهم دون قصد منهم، فهو من البيان الذي يظهره الله لبعض ما يخفونه، غير أن هؤلاء لا يحسنون قراءة الناس حق القراءة.
وقليل من الناس من هم ينظرون إلى الآخرين فيدركون أحوالهم، يستشفون شيئا من سيرتهم، وبواطن نفوسهم، يتطلعون إلى ما يخفى عن غيرهم، فيقرأون ما يبديه الله على الوجوه، ويلتقطون ما يتساقط من زلات الألسنة في الأحاديث الارتجالية والأقوال العفوية، ويفهمون الإشارات التي يعجز عنها سواهم، لا تخدعهم السلوكيات والتصرفات المصطنعة، بل يرصدون ردود الأفعال ولاسيما المفاجئ منها، فيستدلون بها على ما ورائها، ففي اللحظة التي يظن فيها المرء أنه أحكم إخفاء ما بداخله، تكشفه نظرة عابرة، أو كلمة تفلت منه، أو ردة فعل غير محسوبة، فجوارحه سجل مفتوح لما تنطوي عليه سريرته، لمن يحسن قراءته وتدبر معانيه، وهكذا تتشكل صورة الإنسان في وعي تلك القلة.
وتلك القلة قد بلغت ما هي عليه بإحدى طريقتين: الأولى من خلال إلمامهم بعلم النفس والسلوك الإنساني، وما تراكم لديهم من خبرات طويلة في التعامل مع الناس، نتيجة كثرة احتكاكهم بهم ومعايشتهم لهم، ودقة ملاحظتهم لتفاصيل سلوكياتهم وسكناتهم وانفعالاتهم وسائر أحوالهم، فهم يتتبعون ما يبدو من بواطن النفس على ظاهر الجسد، ويلتقطون الإشارات التي لا ينتبه لها أغلب الناس، كنبرة الصوت، وانتقاء الألفاظ وطريقة الحديث، ولغة الجسد، وملامح التردد والانفعالات، إلى غير ذلك مما يفصح به الإنسان دون وعي منه ولا قصد، ومع هذا فهم لا يقرأون الغيب، ولا يتجاوزون ما تعلنه النفس دون أن تشعر. وقد ذكر عدد من العلماء، أن الإنسان يستطيع معرفة أحوال غيره وطباعه، من خلال البيئة التي نشأ فيها وسلوكه وتصرفاته وعاداته ولغته، ومن أبرز من أشار إلى ذلك ابن خلدون في مقدمته، حيث بين أثر البيئة والعادات والتجارب في تشكيل شخصية الإنسان، وأن من يفهم هذه العوامل يستطيع فهم الناس وأحوالهم. كما أشار ابن الجوزي في صيد الخاطر إلى أن كثرة التجربة والمخالطة، تكسب الإنسان بصيرة بأحوال الناس، وتقوي حدسه في إدراك مقاصدهم قبل أن يصرحوا بها. وبين الماوردي في أدب الدنيا والدين، جملة من آداب المعاشرة وفنون التعامل مع الناس، المبنية على فهم طبائعهم ومراعاة أحوالهم. ومجمل ذلك أن كثرة مخالطة الناس تكشف طبائعهم، وكثرة التجارب مع مختلف أطيافهم ومشاربهم تنشئ لدى الإنسان بصيرة عقلية نافذة تمكنه من فهم الآخرين دون ادعاء معرفة الغيب.
أما الطريقة الثانية فهي ما أشار إليه علماء الدين، وتسمى بـالفراسة الإيمانية أو نور البصيرة، وهي ليست كشفا للغيب، بل هي إلهام من الله، ونور يقذفه في قلوب عباده الصالحين، وصفاء سريرة يهبه الله لأوليائه، فيستنير به فكرهم، ويميزون به بين الحق والباطل، ويدركون به خفايا النفوس، وينفذون ببصيرتهم إلى ما تعجز عن إدراكه الأبصار، وما تخفى أماراته على كثير من الناس، يقول النبي عليه الصلاة والسلام ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ). وهذه البصيرة لا يهبها الله لكل أحد، وإنما يمن بها غالبا على من صدق إيمانه، وصح توجهه إلى الله، وكثر ذكره، وطهرت سريرته من كل آفة، واستقام على التقوى والعمل الصالح. قال الأمام الغزالي: إن القلب إذا صفا رأى ما لا يراه غيره. ويقول ابن القيم: كلما كان القلب أصفى كانت فراسته أقوى. ويقول أيضا: الفراسة نور يقذفه الله في قلب عبده، يميز به بين الحق والباطل، والصادق والكاذب.
ومن دلائل ظهور ما يخفيه الإنسان، قول عثمان بن عفان: ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه. وقول عمر بن الخطاب: ما كانت نعمة الله على أحد إلا أظهرت في ملامحه وسمته. وقول الفضيل بن عياض: إنما يخفي الناس أعمالهم، والله يظهرها لهم وإن كرهوا. كما روي عن المسيب بن رافع أنه قال: ما من رجل يعمل حسنة في سر ولو كانت بين جدران سبعة بيوت إلا أظهرها الله للناس، وما من رجل يقترف سيئة في خفاء، ولو كانت في أعمق سبعة أبيات، إلا أظهرها الله وأبان أثرها. وتصديق ذلك في كلام الله، قال تعالى ( والله مخرج ما كنتم تكتمون ) البقرة 72 وإن كان ورود هذه الآية في سياق خاص، إلا أن المعنى العام يدل على أن ما يضمره العبد من خير أو شر لابد أن يظهره الله، إما بآثاره على سلوكه وجوارحه، أو بفضحه وإظهاره في موطن من المواطن، أو يؤجل كشفه إلى يوم القيامة، وقال تعالى ( أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ) محمد 29 هل ظن هؤلاء المنافقون وأصحاب القلوب المريضة، أن الله لن يظهر ما في صدورهم من أحقاد وضغائن، بل سيظهره الله عليهم، فيبدو في أقوالهم وتصرفاتهم ومواقفهم، ويكشفه الله لعباده بما يجعل أمرهم واضحا لمن رزقه الله بصيرة ونورا يهدي إلى الحق، وقال تعالى ( يحذر المنافقون أن تنزل سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون ) التوبة 64 يخشى المنافقون ومن على شاكلتهم، أن يظهر ما يخفونه في صدورهم من نفاق وسوء نية، لكن الله عز وجل مظهر لما يحذرون ظهوره، وكاشف لما يضمرونه، وظاهر لما يختبئ في قلوبهم من نوايا وخفايا، وقوله تعالى ( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ) محمد 30 أي ستعرف يا رسول الله هؤلاء المنافقين، من خلال أساليب كلامهم، وطريقة حديثهم، وما يفيض به لسانهم من تلميحات وإشارات تكشف ما في صدورهم، حتى وإن حاولوا إخفاء نفاقهم، وإن كان الخطاب في الآية موجها للرسول عليه الصلاة والسلام، فإن هذا الأمر سنة ماضية تشمل كل من اتصف بصفاتهم في كل زمان ومكان، ممن يبطن سوء النية أو يخفي الخيانة أو يستبطن النفاق، فإن الله يظهره أمره ويكشف حاله على ما تقتضيه حكمته وعدله، ولا محالة أن يظهر أثر ذلك على صاحبه، كما قال عز وجل لرسوله محمد عليه الصلاة والسلام في سورة الأحزاب آية 37 ( وتخفي في نفسك ما الله مبديه ) وإذا كان سياق الآية خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكن المعنى العام، إن الله سبحانه وتعالى قد يظهر من الأمور ما كان مستورا في النفوس، إذا اقتضت حكمته ذلك، ولا يفهم من ذلك أن كل ما يخفيه الإنسان يكشف في الدنيا، ولا إنه يظهر لكل أحد على الإطلاق. كما ورد عن بعض السلف ما في معناه، أن للباطن أثرا يظهر على الظاهر، فمن صلحت سريرته طاب ظاهره، واستقام سلوكه، ومن خبث باطنه قد يجري الله على لسانه ووجهه وسلوكه ما يدل على ما في داخله من غير قصد منه، فتكون أفعاله وأقواله كاشفة لحاله بقدر ما يشاء الله أن يظهر، وإن كان الأصل أن السرائر موكولة إلى الله وحده، لا يطلع عليها أحد إلا بما يظهره سبحانه من آثارها. كما قال بعض السلف: المؤمن مرآة المؤمن. بمعنى أن كل مؤمن يرى في أخيه انعكاسا لنفسه، كما ورد في الأمثال: كل إناء ينضح بما فيه. والعلامات التي يظهرها الله على وجه الإنسان، لا تقتصر ظهورها في الحياة الدنيا فحسب، بل تظهر كذلك في الآخرة، إذ تتجلى هناك آثار الأعمال على الوجوه، بما لا يدع مجالا للخفاء، وقد أخبر الله تعالى عن ذلك في كتابه، مبينا أن وجوه الذين افتروا عليه الكذب، تكسى بالسواد يوم القيامة، عقوبة وجزاء لهم على جرأتهم وافترائهم، قال تعالى ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) الزمر 60 فكما أن للسرائر أثرا ظاهرا في الدنيا، فإن لها يوم القيامة أثرا أظهر وأبين. وغالبا ما يغلب الطبع التطبع، فمهما حول الإنسان إخفاء طبعه أو التظاهر بخلاف حقيقته، فإن ما في داخله لا يلبث أن يظهر ويبان، ومهما اصطنع الإنسان لنفسه صورا تخالف باطنه ولا تعكس حقيقته، وظل على ذلك زمنا من الوقت، سيأتي عليه موقف ووقت ليظهر حقيقته بلا تكلف، ويفصح عن حقيقة نفسه بلا مواربة، إذ السجية الأصلية في الإنسان تغلب السلوك المصطنع، والجوهر أصدق من المظهر، وهذا لا يمنع الإنسان من تهذيب نفسه وتربيتها، فقد جاء الشرع بتزكية الأنفس وتقويم اعوجاجها، قال تعالى في سورة الشمس ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ). كما أن اللسان كثيرا ما يفضح ما تكنه القلوب، فتزل كلمة عابرة تكشف المستور، وتظهر من فلتات القول ما لا يستطيع صاحبها إخفاءها، فالكلام مرآة الباطن، والكلمات تحمل دائما وراءها من خفايا النفوس، والمنافق مهما بالغ في التكلف والإخفاء، لابد أن يظهر أثر نفاقه في لحن قوله وعوج بيانه، وقال تعالى ( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ) آل عمران 118 وقال تعالى ( يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ) الفتح 11وهكذا يظل الباطن أصلا للظاهر، وتبقى السريرة منبعا للسلوك، وما تخفيه الصدور سيجد طريقا إلى الظهور ولو بعد حين.
وليس هذا فقط بل للطاعة وللمعصية أثر في القلب والوجه، قال الحسن البصري: إن المؤمن ليعمل الطاعة سرا، فيجعل الله له نورا في قلبه ومحبة في قلوب الناس، وإن الفاجر ليعمل المعصية سرا، فيجعل الله له ظلمة في قلبه، وبغضة في قلوب الناس. وقال ابن عباس: إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه، وإن للسيئة سوادا وظلمة على الوجه والقلب. فالقلب بما يحويه يظهر على الظاهر، فلا يخفى خيره أو شره على من له بصيرة، والله يفضح السرائر كما يشاء. وفي الحديث الصحيح ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) أي أن صلاح القلب أو فساده ينعكس على الجوارح. فإذا كان القلب سليما بالإيمان والتقوى، انعكس ذلك على بقية الأعضاء، فينطق اللسان بالحق، وتغض العين بصرها، وتعمل اليد في الخير، وتمشي القدم إلى الطاعات، وإذا فسد القلب، فسدت الجوارح تبعا لذلك، فيكذب اللسان، وتعصى الأعضاء، وتتجاوز النفس حدود الله. وعن عبد الله بن مسعود قال: من صلحت سريرته أصلح الله علانيته، ومن فسدت سريرته أفسد الله علانيته. فلا يخفي هذا وذاك إن كل ذو بصر وبصيرة.
وما أضمر عبد نية في صدره، إلا وأطلع الله تعالى عليها، وهو أعلم بنيات العباد وما تخفيه صدورهم، وغالبا ما تظهر آثار تلك النيات مع الأيام في أقوال الإنسان وأفعاله وسلوكه، فإن كانت خيرا ظهر خيرها،وإن كانت شر ظهر شرها،
تباعا لحكمة الله وعدله، ولكل امرئ جزاء ما نوى، فإن كانت نيته خيرا نال خيرا، وإن كانت شرا عاد عليه بشر ما قصد. قال تعالى ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) الملك 14. وقال عز وجل ( والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ) النحل 19 وقال سبحانه وتعالى ( وما يخفى على الله شيئا في الأرض ولا في السماء ) إبراهيم 38. وقال تعالى ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) غافر 19. وقال عز وجل ( وهو معكم أين ما كنتم ) الحديد 4. وفي الحديث الشريف ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمري ما نوى ) البخاري ومسلم. فمن يعلم الله في قلبه خيرا، يفتح له من أبواب فضله ما لا يخطر على بال، بما يعوضه عما فاته، قال تعالى ( إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ) الأنفال 70 وهذه الآية وإن كان خطابها موجها للرسول عليه الصلاة والسلام في شأن أسرى المشركين، إلا أنها تبدو حظا لكل امرئ بقدر مما في قلبه، فمعاني القرآن جارية على سنن الحياة، مادام لفظها يتسع ودلالتها تمتد، ولذا فهي بشارة لكل من أضمر في قلبه خيرا، إن الخير المختزن في الضمير هو أساس العطاء الإلهي، ومنطلق الفضل الرباني، قال تعالى ( فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ) الفتح 18 ولما علم الله تعالى ما وقر في قلوب الصحابة أهل بيعة الرضوان من الإيمان والصدق والوفاء والصبر والرضا بحكم الله ورسوله، فجزاهم على ذلك بأن أنزل عليهم السكينة فملأ قلوبهم طمأنينة وثباتا ووقارا وأمنا، ثم عجل لهم الفتح القريب وهو فتح خيبر بما فيه من مغانم كثيرة يأخذونها رزقهم الله إياها. ( ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا ) الإسراء 25 الله تعالى مطلع على ما أكنته سرائركم، وهو أعلم بما فيها من خير وشر، وهو لا ينظر إلى أعمالكم وأبدانكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وما فيها، فمن كان إرادته ومقصده مرضاة الله ومحبته ومحبة ما يقربه إليه، وليس فيها سواه، فإنه عز وجل يعفو عنه ويغفر له. وقال تعالى ( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ) التوبة 46 وكان تثبيط هؤلاء عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعلم الله تعالى بنفاقهم وغشهم، إذ لو خرجوا ما زادوا المؤمنين إلا خبالا، ولصاروا مصدر خيانة وغدر وشر، ولما لم يعدوا العدة، ولم يستعدوا لذلك، ولم يبذلوا ما يمكنهم من الأسباب، دل ذلك على عدم رغبتهم في الجهاد، فعلم الله أنهم لا يريدون الخروج، فثقل عليهم الخروج واستثقلوا السفر، فجاء التثبيط عقوبة لهم وحماية للمؤمنين، وهكذا من جاهد نفسه وأعد العدة لفعل الخير، وصدق في إرادته، أعانه الله وهداه إلى سبيله.
وليس بالضرورة أن ما يخفيه الإنسان ويخبئه عن الآخرين يكشف في الدنيا دائما، فبعض الخفايا يؤخر كشفها إلى يوم القيامة، قال تعالى ( بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ) الأنعام 28 أي يظهر يوم القيامة ما أخفاه الناس في الدنيا من سيئات وآثام، وتنكشف لهم الحقائق التي كتموها عن أنفسهم وعن الناس، فيرون ما كانوا يجحدونه، ثم يصف الله تعالى مشهدا أعظم لظهور الحقائق، فيقول تعالى ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ) النور 24 تشير الآية إلى يوم القيامة حينما ينكر الآثمون والعاصون ذنوبهم، يختم الله على أفواههم وتتحدث جوارحهم لتشهد عليهم بجميع المعاصي التي اقترفوها، مصداقا لقوله تعالى في سورة يسن آية 65 ( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ) ويؤكد سبحانه إحاطة علمه بالسر والعلن بقوله تعالى ( وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) البقرة 284 فما خفي من الأعمال أو ظهر، فإن الله يعلمه، وهو محاسب العباد عليه لا محالة. ولا يتنافى إظهار الله سبحان وتعالى لما نخفيه مع ستره لنا، وما هذا وذاك إلا لحكمته عز وجل، فقد يحجب عيوبنا حين، وقد يظهر آثار ما في قلوبنا على وجوهنا وجوارحنا حينا آخر، فستر الله لا يعني أن الإنسان يصبح خاليا من أثر سريرته أو نيته، بل يعني أن الله وحده هو الذي يقرر متى وكيف تظهر وتتكشف للناس، وما يكشفه الله من خفايا العباد إنما يكشفه لحكمة، إما لتأديبهم أو لإنقاذهم من شر أعظم أو لتميز الصادق من الكاذب أو لحماية المجتمع من فساد قد يقع، وما يؤخره إنما يؤخره لأجل مسمى أو ليوم تكشف فيه السرائر على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.
ختاما فإن السرائر مهما بالغ صاحبها في إخفائها، لابد أن يظهر الله تعالى أثرها في أقوال العبد وأفعاله وسلوكه، ويجليها لأهل البصائر، ليعلم العبد أن عمله شاهدا على نيته، وسلوكه مرآة لباطنه، وتصرفاته ترجمان سريرته، وهكذا يمضي الإنسان في دنياه، يخفي ما يشاء، والله يظهر ما يشاء مما يخفيه الإنسان، بالهيئة التي يقدرها وفي الوقت الذي يريد، فيعجل به في الدنيا إن شاء أو يؤجله إلى الآخرة، فباطن المرء هو العنوان الحقيقي لظاهره وإن طال الزمن، وما وقر في القلب لابد أن يظهر أثره على الجوارح ولو بعد حين، وتلك سنة الله في خلقه لا تحابي أحدا ولا تتبدل.