منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الخطاب القرآني للشباب: من بناء الشخصية إلى صناعة الفاعلية

عيد محمد عبد الغني

0

الخطاب القرآني للشباب: من بناء الشخصية إلى صناعة الفاعلية

عيد محمد عبد الغني

حين نتحدث عن الشباب اليوم، فإننا نتحدث عن جيل يعيش في عالم سريع التحول؛ تتعدد فيه مصادر المعرفة، وتتداخل فيه الأفكار والقيم، وتتسع فيه مساحة السؤال، وتتزاحم المؤثرات التي تسهم في تشكيل الوعي والسلوك. ولذلك لم يعد السؤال الدعوي مجرد: كيف نصل إلى الشباب؟ بل أصبح أعمق من ذلك: كيف نخاطب عقل الشاب ووجدانه وإرادته في عالم تتعدد فيه الخطابات وتتباين فيه المرجعيات؟

وهنا تبرز أهمية القرآن؛ لا باعتباره كتابًا يتحدث عن الشباب فحسب، وإنما باعتباره خطابًا قادرًا على أن يتحدث إلى الشاب؛ إلى عقله حين يحتار، وقلبه حين يضطرب، وفطرته حين تبحث عن الطريق، وإرادته حين تتجاذبها الرغبات والضغوط.

ومن ثم فإن دراسة الخطاب القرآني للشباب لا ينبغي أن تقف عند تتبع لفظ «الشباب»، وإنما تتجه إلى الكشف عن المنهج الذي اتبعه القرآن في بناء الإنسان الشاب: كيف ينظر إليه؟ وكيف يخاطب عقله؟ وكيف يعالج أسئلته؟ وكيف يبني إرادته؟ وكيف يحوله من متلقٍّ إلى إنسان قادر على الاختيار والمسؤولية وصناعة الأثر؟

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الخطاب القرآني للشباب في مسار متكامل يبدأ ببناء الشخصية، ويمر ببناء العقل والإرادة، ويتجسد في النماذج القرآنية، ويتأسس على الحوار، وينتهي بالفاعلية والمسؤولية.

أولًا: الخطاب القرآني وبناء الشخصية الشبابية

يبدأ أي خطاب ناجح إلى الشباب من تصوره للإنسان الذي يخاطبه. ومن أهم ما يلفت النظر في التصور القرآني أنه لا ينظر إلى الشباب باعتبارهم مشكلة ينبغي احتواؤها، وإنما باعتبارهم طاقة إنسانية قابلة للبناء والتوجيه.

فالشاب قد يخطئ، وتضعفه شهوته، ويتردد أمام خيارات متعددة، ويتأثر بمن حوله، لكنه لا يُختزل في لحظة ضعفه. فالقرآن حين يعالج الإنسان لا يحاصره بعيوبه، وإنما يفتح أمامه إمكانات الإصلاح والتجاوز.

وهذه نقطة بالغة الأهمية في الخطاب الدعوي؛ لأن الإكثار من تصوير الشباب باعتبارهم «جيلًا ضائعًا» أو «جيلًا متمردًا» قد يجعل الخطاب نفسه جزءًا من المشكلة، حين يشعر الشاب أن الداعية لا يراه إلا من خلال أخطائه ومخاطره.

أما القرآن فيقدم صورة مختلفة؛ فهو يعرض الإنسان الشاب باعتباره أهلًا للإيمان والموقف وتحمل المسؤولية. ولذلك لا ينتظر الخطاب القرآني أن يكتمل الإنسان حتى يبدأ دوره، وإنما يربي فيه منذ وقت مبكر القدرة على الاختيار وتحمل تبعاته.

ومن هنا فإن نقطة البداية ليست في ضبط سلوك الشاب من الخارج، وإنما في بناء الإنسان من الداخل؛ لأن السلوك المستقر هو ثمرة وعي وقناعة وإرادة. وهذا يقودنا بطبيعة الحال إلى السؤال التالي: كيف يبني القرآن هذه القناعة، ويمنح الشاب القدرة على الاختيار؟

وهنا يأتي العقل والإرادة بوصفهما أداتين أساسيتين في بناء الشخصية.

ثانيًا: الخطاب القرآني وبناء العقل والإرادة

إذا كان بناء الشخصية هو الغاية، فإن بناء العقل والإرادة هو أحد أهم مسالك الوصول إليها.

يعيش الشاب المعاصر في فضاء معرفي مفتوح؛ يستطيع أن يصل إلى آلاف الآراء والمعلومات خلال لحظات، لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وضوح الرؤية. فقد تكون المشكلة في القدرة على التمييز بين الصحيح والزائف، وبين الحجة والشبهة، وبين السؤال الذي يقود إلى المعرفة والسؤال الذي يصنع الحيرة.

ومن هنا يخاطب القرآن العقل بالحجة، ويفتح أمامه أبواب النظر والتفكر والتدبر، ويحاور المخالف، ويقيم البرهان، ويطالب الإنسان بالنظر في نفسه وفي العالم من حوله. فهو لا يطلب تعطيل العقل أمام النص، وإنما يربيه على النظر والفهم والاستدلال.

ولهذا فإن الشاب لا يحتاج دائمًا إلى من يقول له: «لا تسأل»، وإنما يحتاج إلى من يقول له: «اسأل، ولكن تعلم كيف تبحث عن الإجابة».

غير أن العقل وحده لا يكفي؛ فقد يعرف الإنسان الحق ولا يملك القدرة على الالتزام به. ولذلك يجمع الخطاب القرآني بين البصيرة والإرادة؛ فالقناعة تحتاج إلى قوة تحفظها، والرغبة تحتاج إلى ضابط يوجهها، والاختيار يحتاج إلى قدرة على تحمل تبعاته.

ومن هنا لا يكتفي القرآن بتعليم الشاب كيف يفكر، وإنما يربيه كذلك على أن يختار ويجاهد نفسه ويثبت أمام الضغوط. وهذه المعاني قد تبدو مجردة إذا عرضناها في صورة مبادئ نظرية، ولذلك كان من خصائص القرآن أن ينقلها من مستوى المفهوم إلى مستوى النموذج الإنساني الحي.

ومن هنا ننتقل إلى النماذج القرآنية للشباب.

ثالثًا: نماذج الشباب في الخطاب القرآني

حين يريد القرآن أن يبني قيمة في النفس، لا يكتفي بعرضها في صورة مجردة، وإنما يجسدها في الإنسان والموقف والقصة. ولذلك تمثل النماذج القرآنية التطبيق العملي لما سبق من بناء العقل والإرادة.

  • أصحاب الكهف: حين يثبت الشاب أمام ضغط الجماعة

يمثل أصحاب الكهف نموذجًا لشباب وجدوا أنفسهم في مواجهة بيئة لا تشاركهم قناعتهم، فلم يسمحوا لضغط المجتمع أن يصادر إيمانهم.

وتكمن أهمية هذا النموذج في أن الإنسان، ولا سيما في مرحلة الشباب، يتأثر كثيرًا بالجماعة المحيطة به؛ فهو يبحث عن القبول والانتماء، وقد يصبح الخوف من الاختلاف أقوى من الاقتناع الداخلي.

لكن أصحاب الكهف يقدمون صورة أخرى: يمكن للشاب أن يختلف حين يكون الاختلاف حقًا، وأن يحافظ على قناعته حين تصبح المحافظة عليها مكلفة.

غير أن القرآن لا يعلمنا رفض المجتمع لمجرد الرفض، وإنما يقدم نموذجًا لـ الاستقلال المنضبط بالحق؛ فالشخصية المستقلة لا ترفض كل ما حولها، وإنما تملك القدرة على التمييز ثم تتحمل مسؤولية اختيارها.

وهذا المعنى يزداد أهمية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت الجماعة الرقمية قادرة على تشكيل الذوق والرأي والسلوك، وأصبح الاختلاف أحيانًا مصدرًا للضغط والسخرية والعزلة.

  • إبراهيم عليه السلام: حين يبحث الشاب عن الحقيقة

إذا كان أصحاب الكهف يمثلون الثبات أمام ضغط الجماعة، فإن إبراهيم عليه السلام يمثل جانبًا آخر من البناء: الاستقلال العقلي والبحث عن الحقيقة.

فإبراهيم عليه السلام لا يكتفي بوراثة الأفكار، وإنما ينظر ويسأل ويحاور ويقيم الحجة، ثم يتخذ موقفه حين يتبين له الحق.

وفي حواره مع أبيه وقومه تتجلى قيم يحتاج إليها الشاب المعاصر بشدة: وضوح السؤال، وأدب الحوار، وقوة الحجة، والاستقلال في التفكير، والشجاعة في إعلان الموقف.

ولا يعني الاستقلال الفكري أن يرفض الشاب كل ما ورثه، وإنما أن يمتلك القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وأن يجعل قناعته قائمة على وعي لا على مجرد التقليد.

  • يوسف عليه السلام: حين ينتصر الشاب على الفتنة

أما يوسف عليه السلام فيقدم الجانب الثالث من بناء الشخصية: الإرادة أمام الشهوة والفتنة.

فهو لم يكن يعيش خارج دائرة الإغراء، وإنما واجه الفتنة في واقعها، وكان قادرًا على الاستجابة، لكنه اختار أن يجعل إيمانه حاكمًا على رغبته.

وهنا يقدم القرآن تصورًا واقعيًا للإنسان؛ فهو لا يفترض أن الشاب بلا شهوة، ولا يطلب منه إلغاء طبيعته، وإنما يعلمه كيف يهذبها ويوجهها.

ومن هنا تصبح مقاومة الفتنة أكثر من مجرد امتناع عن المحرم؛ إنها بناء للقدرة على الاختيار، وتدريب على تقديم المبدأ على اللذة العاجلة.

وهكذا تكتمل النماذج الثلاثة: أصحاب الكهف يعلمون الثبات، وإبراهيم يعلم البحث عن الحقيقة، ويوسف يعلم مجاهدة النفس.

وهي في حقيقتها ليست ثلاث خصال منفصلة، وإنما مكونات لشخصية واحدة: عقل يفكر، وقلب يؤمن، وإرادة تختار، وموقف يثبت.

وإذا كان القرآن قد قدم هذه القيم في صورة نماذج حية، فإن السؤال الدعوي بعد ذلك يصبح: كيف نستطيع أن ننقل هذا البناء إلى علاقة حوارية حقيقية مع الشباب؟

رابعًا: الخطاب القرآني والحوار مع الشباب

لا يمكن بناء عقل مستقل وإرادة واعية من غير مساحة للحوار؛ ولذلك يأتي الحوار نتيجة طبيعية للمنهج السابق، وليس عنصرًا منفصلًا عنه.

فالقرآن حين يعرض حوارات الأنبياء لا يقدم مجرد أجوبة جاهزة، وإنما يكشف عن طريقة في التعامل مع السؤال والمخالف والاعتراض. وفي حوار إبراهيم عليه السلام تتجاور الرحمة مع الوضوح، والأدب مع الحجة، والثبات مع القدرة على الاستماع.

وهذه المعادلة مهمة في الخطاب الموجه إلى الشباب؛ لأن السؤال عند الشاب ليس دائمًا علامة على الرفض، بل قد يكون علامة على البحث.

والشاب الذي يجد من يستقبل سؤاله بعقل هادئ وعلم راسخ، يكون أكثر قدرة على الوصول إلى القناعة. أما السؤال الذي يُقابل بالسخرية أو الاتهام أو التخويف، فقد يتحول إلى شك مكتوم، ثم إلى مسافة نفسية وفكرية بين الشاب والخطاب الديني.

ومن هنا فإن الداعية لا يحتاج إلى أن يتحدث أكثر مما يستمع؛ فقد يكون السؤال الفكري في ظاهره اعتراضًا، بينما يخفي وراءه أزمة نفسية أو تجربة إنسانية أو بحثًا عن معنى.

ولهذا فإن حسن الاستماع جزء من حسن الدعوة؛ لأن الحوار ليس مجرد وسيلة لإيصال الجواب، وإنما وسيلة لفهم الإنسان وبناء الثقة وإعادة ترتيب أفكاره.

غير أن الحوار، مهما بلغ أثره، لا ينبغي أن ينتهي عند القناعة النظرية؛ فغاية الخطاب القرآني ليست أن يصنع شابًا يجيد الحديث عن القيم، وإنما شابًا يستطيع أن يعيشها ويمارسها. ومن هنا نصل إلى الفاعلية.

خامسًا: الخطاب القرآني وبناء الفاعلية الشبابية

حين تتكامل البصيرة مع الإرادة، والحوار مع القناعة، يصبح السؤال: ماذا سيفعل الشاب بما عرف وآمن؟

هنا يتجاوز الخطاب القرآني حدود إصلاح الفرد إلى توجيه طاقته نحو العمل والإصلاح. فالشاب الصالح ليس مطلوبًا منه أن ينسحب من الحياة، وإنما أن يدخلها بقيمه وإيمانه وعلمه وقدرته على العمل.

ولذلك يمكن القول: الصلاح يحفظ الإنسان، أما الإصلاح فيجعله صاحب أثر.

والشباب بطبيعتهم مرحلة طاقة وطموح وقدرة على التعلم والمبادرة؛ ولذلك فإن الخطاب الدعوي الذي يركز فقط على التحذير من المخاطر قد ينجح في صناعة الحذر، لكنه قد يفشل في صناعة الفاعلية.

أما الخطاب الذي يربط الإيمان بالمسؤولية، فيحول الشاب من متلقٍّ إلى مشارك، ومن مستمع إلى صاحب مشروع، ومن فرد يبحث عن خلاصه الشخصي إلى إنسان يشعر بمسؤوليته تجاه أسرته ومجتمعه وأمته.

ومن هنا فإن حماية الشباب من الانحراف لا ينبغي أن تكون الغاية النهائية، وإنما خطوة في طريق استثمار طاقتهم في البناء والإصلاح.

فالشباب ليسوا مجرد مستقبل الأمة؛ إنهم جزء من حاضرها، وطاقة من أهم طاقاتها في العلم والعمل والتجديد والإصلاح.

لكن الانتقال من الخطاب إلى الفاعلية يحتاج إلى رؤية تجمع هذه العناصر كلها في منهج واضح؛ وهذا هو المستوى الأخير الذي يكشفه المقال.

سادسًا: من الرؤية القرآنية إلى الممارسة الدعوية

إذا كانت المحاور السابقة قد كشفت عن ملامح الخطاب القرآني في بناء الشخصية والعقل والإرادة، وتجسيد القيم في النماذج، وإتاحة الحوار، وصناعة الفاعلية؛ فإن القيمة الحقيقية لهذه الرؤية تظهر حين تتحول من مبادئ نظرية إلى ممارسة دعوية قادرة على ملامسة واقع الشباب.

ومن هنا يمكن صياغة عدد من الملامح التطبيقية التي ينبغي أن يقوم عليها الخطاب الدعوي المعاصر للشباب:

  • أولًا: أن يبدأ الخطاب من الإنسان لا من المشكلة.

فبدل أن ينطلق الداعية من قائمة طويلة من أخطاء الشباب وانحرافاتهم، ينبغي أن يبدأ من الإنسان نفسه: من أسئلته، وطموحاته، ومخاوفه، وحاجته إلى المعنى والانتماء والقدوة. وهذا لا يعني تجاهل الأخطاء، وإنما يعني التعامل معها داخل رؤية أوسع ترى في الشاب قابلية الإصلاح والطاقة على التغيير.

  • ثانيًا: أن ينتقل الخطاب من التلقين إلى بناء الوعي.

فالشاب اليوم لا يعيش في بيئة مغلقة معرفيًا، بل يواجه يوميًا أفكارًا واتجاهات وأسئلة متعددة. ولذلك لا يكفي أن نقدم له الأحكام والنتائج، بل نحتاج إلى أن نعلمه كيف يفكر، وكيف يميز، وكيف يفهم النص، وكيف يتعامل مع الشبهة، وكيف يبني موقفه على الحجة والبصيرة. فالمقصود ليس صناعة شاب يحفظ الإجابة، وإنما شاب يمتلك أدوات الوصول إليها.

  • ثالثًا: أن يتحول الحوار من وسيلة للدفاع إلى وسيلة للبناء.

فالسؤال الشبابي ينبغي أن يُستقبل باعتباره مدخلًا إلى الفهم، لا تهديدًا للخطاب الديني. وهذا يتطلب من الداعية علمًا يؤهله للإجابة، ووعيًا يمكنه من فهم خلفيات السؤال، وأدبًا يحفظ للمتلقي كرامته، وقدرة على التمييز بين السؤال المعرفي والمشكلة النفسية والتجربة الإنسانية. فنجاح الحوار لا يقاس فقط بانتصار الداعية في النقاش، وإنما بقدرته على بناء الثقة وفتح الطريق أمام الشاب نحو الحقيقة.

رابعًا: أن تقدم النماذج القرآنية بوصفها خبرات إنسانية قابلة للتأمل والاقتداء.

فبدل أن تتحول قصص أصحاب الكهف وإبراهيم ويوسف عليهم السلام إلى معلومات محفوظة، يمكن استحضارها بوصفها نماذج لمواقف يعيشها الشباب في صور مختلفة: ضغط الجماعة، والحيرة الفكرية، والصراع مع الشهوة، واتخاذ القرار، وتحمل تبعات الاختيار. وبهذا تنتقل القصة من مجرد سرد تاريخي إلى أداة لبناء الوعي وتشكيل الموقف.

خامسًا: أن يرتبط الخطاب بالتكليف والمسؤولية لا بمجرد التحذير.

فليس المقصود أن يخرج الشاب من الخطاب الدعوي وهو أكثر خوفًا من الفتن فحسب، وإنما أن يخرج وهو أكثر قدرة على مواجهتها، وأكثر وعيًا بدوره في أسرته ومجتمعه ومجال علمه وعمله. ولذلك ينبغي أن يسأل الخطاب دائمًا: ماذا سيفعل الشاب بما تعلمه؟ وكيف يتحول إيمانه إلى سلوك، ووعيه إلى قرار، وقدرته إلى عمل؟

سادسًا: أن يُنظر إلى الشباب باعتبارهم شركاء في البناء لا مجرد جمهور للدعوة.

وهذه من أهم النتائج التطبيقية؛ إذ لا ينبغي أن تظل العلاقة بين الداعية والشاب علاقة مرسل ومتلقٍّ بصورة دائمة، وإنما يمكن أن تتطور إلى علاقة تربية ومشاركة ومسؤولية. فالشاب الذي يُدرَّب على المبادرة، ويُمنح مساحة للعمل، ويُكلف بما يناسب قدرته، ويتعلم تحمل المسؤولية، يصبح جزءًا من عملية الإصلاح نفسها.

وبذلك يصبح الخطاب الدعوي للشباب قائمًا على مسار متكامل:

يفهم الشاب ثم يبني وعيه ثم يحاوره ثم يقدم له القدوة ثم يدرب إرادته ثم يفتح له مجال العمل.

وهذه ليست خطوات منفصلة، وإنما حلقات متتابعة في عملية واحدة؛ ففهم الشاب يقود إلى خطاب يناسبه، والخطاب الواعي يبني عقله، وبناء العقل يفتح باب الحوار، والحوار يعزز القناعة، والقناعة تحتاج إلى نموذج يترجمها، ثم تتحول القناعة والإرادة إلى عمل وفاعلية.

ومن هنا تتحدد إحدى أهم مهام الخطاب القرآني المعاصر للشباب: ألا يكتفي بأن يجعل الشاب متلقيًا للرسالة، بل يسعى إلى أن يجعله حاملًا لها، وألا يكتفي بأن يعلمه ماذا يؤمن، بل يعلمه كيف يفكر ويختار ويعمل، وألا يكتفي بحمايته من الخطأ، بل يبني فيه القدرة على صناعة الصواب.

وهكذا تتحول القراءة القرآنية للشباب من مجرد استحضار نماذج من الماضي إلى بناء رؤية دعوية للحاضر؛ رؤية تجعل القرآن حاضرًا في أسئلة الشاب، وفي اختياراته، وفي صراعاته الداخلية، وفي علاقته بمجتمعه، وفي قدرته على صناعة الأثر.

وبذلك يكتمل المسار الذي بدأناه: من بناء الشخصية، إلى بناء العقل والإرادة، إلى تجسيد القيم في النماذج، إلى الحوار، إلى الفاعلية، ثم إلى تحويل هذه الرؤية كلها إلى ممارسة دعوية واعية.

والله أعلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.