الله يجعل النظرة بالمغفرة؛ حين تكون رؤية الصالحين تذكرة، والصحبة تربية، والأثر طريقا إلى الله
عزالدين صمبة
الله يجعل النظرة بالمغفرة
حين تكون رؤية الصالحين تذكرة، والصحبة تربية، والأثر طريقا إلى الله
بقلم: عزالدين صمبة
الحمد لله الذي جعل للقلوب من القلوب أبوابا، وللأرواح من الأرواح أسبابا، وجعل في بعض عباده من آثار الصلاح ما يذكّر به إذا غفل الناس، ويبعث على محبته إذا قست القلوب، وجعل مجالس الخير مواطن تتنزل فيها السكينة، وتستريح فيها الأرواح من عناء الدنيا وغبارها.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، وإمام المتقين، وسيد الأولين والآخرين، الذي أحيا الله به القلوب بعد موتها، وأنار به البصائر بعد عماها، وجعل صحبته من أجل ما عرفت هذه الأمة من أسباب الخير، حتى كان من رآه لا يرى وجه رجل فحسب، وإنما يرى على الوجه أثر النبوة، وفي السمت نور الصحبة، وفي الكلام رائحة الوحي.
أما بعد؛
فإن في كلام العامة أحيانا من دقيق الحكمة، وخفي التجربة، وصدق الشعور، ما لا تجده في كثير من كلام الخاصة؛ إذ قد تحفظ الأمة معنى عظيما في جملة صغيرة، وتودع في كلمة دارجة خلاصة أعوام من التجربة، ثم تجري بها الألسن حتى يظن السامع أنها من كلام الحياة اليومية، وما هي إلا قطعة من تاريخ القلب.
ومن تلك الكلمات التي حفظها المغرب، وتناقلها أهله في مجالس الخير، وبين يدي العلماء، وعند زيارة أهل الفضل: الله يجعل النظرة بالمغفرة.
يا لها من كلمة!
كأنها خرجت من قلب عرف للعين حقها، وللقاء قدره، وللصحبة سرها؛ فعلم أن العين ليست دائما آلة للرؤية، وأن الوجه قد يكون كتابا، والسمت قد يكون موعظة، والصمت قد يكون أبلغ من الكلام.
الله يجعل النظرة بالمغفرة.
ما أعجب شأن هذه «النظرة» التي جعل لها المغاربة هذا المقام من الرجاء!
إنك قد تنظر إلى إنسان فلا ترى إلا صورته، وقد تنظر إلى آخر فترى وراء الصورة معنى، ووراء المعنى حالا، ووراء الحال طريقا إلى الله.
وليست الوجوه كلها سواء.
فمن الوجوه ما إذا رأيتها زادت الدنيا في عينيك، ومن الوجوه ما إذا رأيتها صغرت الدنيا في نفسك.
ومن الناس من يجعلك تنظر إليه فتقول: ما أكثر ما جمع! ومنهم من إذا نظرت إليه قلت : ما أقل ما أملك!
ومنهم من يذكرك بنفسه، ومنهم ــ وهم خيرهم ــ من يذكرك بالله تعالى.
وشتان بين رجل يكون حضوره حديثا عن ذاته، ورجل يكون حضوره حديثا عن الله.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2].
فليس البصر أن تقع العين على الشيء، وإنما البصر أن تعبر العين من الصورة إلى العبرة.
وما أكثر الذين لهم أبصار ولا بصائر! والنظرة قد تكون بابا إلى الصحبة.
وليس هذا المعنى غريبا عن روح السنة؛ فقد أخبر النبي ﷺ عن فضل الصحبة وامتداد أثرها، حتى جاء في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم». رواه البخاري (3649، 2897)، ومسلم (2532)، واللفظ لمسلم.
فانظر كيف امتد أثر الصحبة، وكيف بقيت الرؤية ــ بما وراءها من الإيمان والمحبة والتلقي ــ ذات أثر في النفوس والأجيال.
فمن رحمته سبحانه أن يجعل بعض عباده مفاتيح للخير، فإذا رأيتهم ذكروك به، وإذا جالستهم أحببت الطاعة، وإذا سمعتهم رق قلبك، وإذا فارقتهم بقي في نفسك شيء من أثرهم.
وهنا سر العبارة المغربية: الله يجعل النظرة بالمغفرة.
إن للقلوب أحوالا تتعدى إليها من القلوب، وللنفوس استعدادا للمحاكاة لا يحتاج إلى كثير بيان.
وقد قال النبي ﷺ: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً». متفق عليه: رواه البخاري (5534)، ومسلم (2628)، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
فالجليس الصالح قد لا يلقي عليك درسا، ولكنه يترك فيك أثرا.
قد تجلس إلى رجل فتراه إذا غضب ملك غضبه، وإذا أوذي عفا، وإذا مُدح صغر في عينه المديح، وإذا خلا بربه أقبل عليه؛ فتتعلم من صمته ما لا تتعلمه من خطب كثيرة.
وقد تقرأ عن التواضع صفحات، ثم تجلس إلى متواضع، فتفهم معنى لم تدركه في الكتاب.
وقد تقرأ في الخشية طويلا، ثم ترى عينا تدمع من خشية الله، فتفهم من الدموع ما لم تفهمه من الكلام.
وقد تسمع مواعظ كثيرة عن القرآن الكريم ، ثم ترى رجلا لا يفارقه كتاب الله، فتقول في نفسك: هكذا يكون القرآن إذا صار حياة.
لقد كان السلف يعرفون قيمة هذه الصحبة؛ لأن الإنسان قد يتعلم من العالم علمه، ومن العابد عبادته، ومن الزاهد زهده، ومن صاحب المروءة مروءته، لا لأن الفضائل تنتقل إلى المرء بمجرد النظر، ولكن لأن النفوس إذا أحبت شيئا تشبهت به، ولأن كثرة المجالسة تفتح في الروح أبوابا من التأثر لا تفتحها الكلمات وحدها.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28].
فقال: ﴿مَعَ الَّذِينَ﴾. كأن في «المعية» نفسها تربية.
فما أجمل أن تجلس إلى إنسان، ثم تقوم من عنده وأنت أقل تعلقا بالخلق وأكثر تعلقا بالخالق!
وما أجمل أن ترى وجه رجل صالح، فلا تقول: ما أعجب هذا الرجل!
بل تقول: ما أعجب فضل الله عليه!
هناك تصح المحبة.
وهناك تصح النظرة.
وهناك تكون النظرة بالمغفرة.
لقد امتلأت أعيننا في هذا الزمان بالوجوه حتى تعبت، وكثرت الصور حتى اختلطت علينا صور الناس بأقدارهم. فأصبح الإنسان يرى في يوم واحد من الوجوه ما كان أسلافه يرونه في أعوام، ولكنه ــ مع ذلك ــ قلما يرى وجها يوقظ قلبه.
وما أكثر الصور التي تدخل العين ولا تصل إلى القلب!
وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
فليست حاجتنا إلى كثرة الوجوه، وإنما إلى صدق الوجوه.
قد ترى وجوها فلا يعلق منها في نفسك شيء، ثم ترى وجوه ٱخرين، فتظل صورهم في قلبك أعواما. لا لأن الملامح كانت أجمل، ولكن لأن وراء الملامح حالا و أحوالا.
والإنسان إذا صدق مع الله تعالى، جعل الله في صدقه أثرا لا يحتاج إلى كثير كلام.
فمجالسته تربيك بغير درس، وصحبته تزكيك بغير موعظة.
وقد تصلح ساعة في مجلس رجل صالح ما لم تصلحه ساعات من الكلام.
الله يجعل النظرة بالمغفرة.
إنها نظرة تعبر من العين إلى القلب، ثم من القلب إلى العمل.
فإذا عدت من مجالس وقلبك أرق، ولسانك أطهر، وهمتك أعلى، ونفسك أشد حياء من الله، فقد كانت النظرة نافعة.
أما أن ترى أهل الصلاح ثم تبقى كما أنت، فماذا صنعت بك الرؤية؟
إنما الناس مرايا؛ ترى في بعضهم ما ينبغي أن تكون عليه، وترى في ٱخرين ما ينبغي أن تحذر منه.
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10].
فليست الغاية أن نكثر من رؤية الصالحين، وإنما أن يصير فينا شيء من صلاحهم.
وقد قال رسول الله ﷺ: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». رواه أبو داود (4833)، والترمذي (2378)، وأحمد (8398)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
فاختاروا من تنظرون إليهم قبل أن تغيب وجوههم، واحتفظوا بما تركوه فيكم من خير؛ فإن أصدق الوفاء للصالحين أن نحيا بشيء مما أحبوا أن يرونا عليه.
اللهم اجعل نظراتنا إلى أهل الخير سببا للمغفرة، واجعل آثار الصالحين فينا حياة وهداية.
إن كانت عيوننا قد أتعبتها صور الدنيا، فارزقها وجوها تذكرها بك.
وإن كانت قلوبنا قد أثقلتها صحبة الغافلين، فارزقها صحبة الصادقين.
اللهم اجعل لنا من كل رؤية عبرة، ومن كل صحبة ثمرة، ومن كل مجلس حياة.
اللهم اجعل لنا في كل وجه صالح رسالة، وفي كل مجلس خير نفحة، وفي كل نظرة صادقة بابا من أبواب رحمتك.
اللهم إذا وقفنا بين يديك يوما، وانقطعت الوجوه، وسكتت الأصوات، ولم يبق إلا أنت…
فاجعل لنا من تلك النظرات التي عبرت من العين إلى القلب، ومن القلب إلى العمل، نصيبا من مغفرتك.
اللهم اجعل النظرة بالمغفرة.
اللهم اجعل النظرة بالمغفرة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى ٱله وصحبه وإخوانه وحزبه.