منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القرآن الكريم وعلوم النحو

القرآن الكريم وعلوم النحو/ الأستاذة حسنية الهلالي

0

القرآن الكريم وعلوم النحو

بقلم: الأستاذة حسنية الهلالي

مقدمة

 إن نزول القرآن الكريم باللغة العربية زادها مكانة وشرفا قال الله تعالى:” إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون”1.كان العرب أصحاب فصاحة وبلاغة وأشعار كثيرة ونزول القرآن باللغة العربية هو تحد وإعجاز لهم بعدم قدرتهم على الإتيان ولو بآية من مثله.

أسباب نشأة علم النحو

إن الله عز وجل أنزل القرآن الكريم على رسوله صلى الله عليه وسلم وهو أفصح البشر فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:” خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمودع فقال:” أنا محمد النبي الأمي _ قاله ثلاث مرات_ ولا نبي بعدي أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه2.

وفواتح الكلم هي البلاغة والفصاحة والتوصل إلى أسرار المعاني ومحاسن العبارات.

قال الرافعي يصف بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا نظرت فيم صح من كلام النبي صلى الله عليه وسلم على جهة الصناعتين اللغوية والبيانية رأيته في الأولى مسدد اللفظ محكم الوضع، جزل التركيب، متناسب الأجزاء في تأليف الكلمات… ورأيته في الثانية حسن المعرض بين الجملة واضح التفضيل ظاهر الحدود، جيد الرصف، متمكن المعنى، واسع الحيلة في تصريفه، بديع الإشارة، غريب اللمحة، ناصع البيان”3 .

وكانت الطبقة الأولى حول رسول صلى الله عليه وسلم مثله عرب أقحاح، فلم يكونوا بحاجة أن يتعلموا كيف تنطق الحروف العربية ولا كيف تتلى كلمات القرآن لأنها لغتهم وفطرتهم وهم يعرفونها بالطبع والسليقة، لكن الأمر اختلف بعد الفتوحات والتوسعات الإسلامية، واختلاط العرب الفاتحين بالشعوب غير العربية، ودخول كثير منهم في الإسلام وعندئذ أصبحت تظهر إشكالات عديدة منها:

  • بعض الحروف العربية لم تكن موجودة في لغات أخرى.
  • اضطرار المقبلين على الإسلام تعلم اللغة العربية وتعلم القرآن مما أدى إلى ظهور اللحن في القرآن الكريم.
  • خلط علامات الإعراب عند غير العرب.
  • ظهور اللحن حتى من بعض العرب، وكانت هذه من بين الأسباب التي دفعت العلماء لوضع قواعد اللغة لعربية خوفا من تحريف القرآن الكريم

نشأة علم النحو:

إن علم النحو نشأ في رحاب القرآن الكريم ويعتبره العلماء من أهم علوم اللغة العربية التي لا غنى عنها، ويرى ابن جني في كتابه الخصائص أن النحو طريقة لمحاكاة العرب في طريقة كلامهم وذلك من أجل تجنب اللحن ولتمكين المستعربين من الوصول إلى مرتبة العربي في الفصاحة وسلامة اللغة التي يتكلمها، وبالتالي يكون غرض علم النحو هو تحقيق هذين الهدفين. وعلم النحو هو القناة التي تؤدي إلى فهم علوم الشريعة واستنباط أحكامها فقد أجمع علماء الشريعة وفقهاؤها على أن تعلم اللغة العربية والتعمق فيها شرط أساسي لكل باحث في العلوم الشرعية.

يقول الإمام الشافعي ( ت 204 هـ):” من تبحر في النحو اهتدى إلى كل العلوم ” وقال أيضا:” لا أسأل عن مسألة من مسائل الفقه إلا أجبت عنها من قواعد النحو” 4.

وأول غايات علم النحو فهم القرآن الكريم والسنة النبوية ومقاصدهما ومعانيهما.

وقد غلظ الأئمة على من يخوض في التفسير وهو غير ملم باللغة العربية. وقد ذكروا أن تعلم النحو فرض عين على قارئ الحديث والقرآن الكريم، ويرى الأصمعي أن الذي لا يعلم النحو يخشى عليه إن تحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل في عموم قوله عليه الصلاة والسلام:” من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار” 5 وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى:” من لحن في القرآن الكريم فقد كذب على الله، ومن لحن في حديثه صلى الله عليه وسلم فقد كذب عليه لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن.”

علماء برزوا في هذا العلم:

أول من تصدى لهذا العلم هو أبو الأسود الدؤلي(ت 69 هـ) الذي فزع من كثرة اللحن وخاف على القرآن من التحريف وهناك روايات متعددة في هذا المجال منها: الأعرابي الذي قرأ قوله تعالى:” إن الله بريء من المشركين ورسوله” قرأها بجر اللام في رسوله وأيضا قرئ قوله تعالى:” لا يأكله إلا الخاطئون” من سورة الحاقة بالخاطئين.

وقام أبو الأسود الدؤلي بوضع علامات يتتبعها الناس بما عرف بنقط الإعراب وهي الضمة والفتحة والكسرة ثم جاء بعده عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت 170هـ) وهو الإمام النحوي اللغوي صاحب كتاب “العين” في اللغة وقد عده العلماء الواضع الحقيقي لعلم النحو وهو واضع علم العروض الذي توزن به الأشعار العربية وهو من اصطلح رسما للهمزة في اللغة المكتوبة ووضع الحركات الإعرابية على المصحف إلى أقرب شكل لما نراه الآن في مصاحفنا. والفراهيدي هو شيخ سيبويه الذي يعتبر إمام النحاة ألف كتابا عظيما في علم النحو سماه “الكتاب” واشتهر بعدها بكتاب سيبويه الذي يعد دستورا لعلم النحو وقانونا لقواعده.

من أهم المتون المنثورة في النحو:

  • متن الأجرومية لابن آجروم
  • متن قطر الندى لابن هشام الأنصاري
  • متن الكافية لابن الحاجب

ومن أهم المتون المنظومة:

  • نظم الكافية الشافية
  • نظم ألفية بن مالك

خاتمة:

إن للنحو أهمية قصوى عند قارئ القرآن ومقرئه، فبالنسبة للقارئ فإن أهميته تكمن في ضبط القراءة الصحيحة الخالية من اللحن وأما بالنسبة للذي يقوم بالإقراء فقد دل الأثر الوارد عن عمر بن الخطاب عن المنع من إقراء القرآن من غير العلم بقواعد النحو واللغة العربية.

قال ابن تيمية:” إن اعتياد اللغة العربية يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويا بينا ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومشابهتهم تزيد في العقل والخلق وأيضا فإن نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب فإن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلى به فهو واجب” 6


هوامش:

1- سورة الزخرف، الآية 3

3- إعجاز القرآن والبلاغة النبوية مصطفى صادق الرافعي. دار الكتاب العربية، بيروت، ط 8 1425 هـ 2005 م ( ص 221)

4- لجزء الثاني الصفحة 560 _ دار الكتب العلمية، بيروت

5- الحديث إسناده صحيح على شرط الشيخين.

6- اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (527/1)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.