منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السؤال في الحديث النبوي وتأسيس دعامة المنهج التعليمي

جواد عامر

0

السؤال في الحديث النبوي وتأسيس دعامة المنهج التعليمي

بقلم: جواد عامر

اتخذت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أنساقا متنوعة على المستوى التعبيري، فتنوعت أبنيتها اللغوية معتمدة النسق السردي أحيانا أو النسق الحواري أحيانا أخرى داخل متن لغوي يميل أغلبه إلى الإيجاز والإختصار تشكله جمل قصيرة تستطيع الذاكرة توثيقها لحظة التلقي وترسيخها عبر التداول، ما مكن الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين وتابعي التابعين والأمة من بعدهم سواء من أهل العلم أو من عوام الناس من حفظ الكثير من الأحاديث لفظا ومعنى أو بالمعنى دون اللفظ.

ولم تحفل الأحاديث النبوية بميزة البلاغة والبيان فحسب، فالرسول عليه السلام أفصح العرب ينقاد له الكلام أيما انقياد ويطاوعة كل المطاوعة، وإنما وسمتها تنويعات النبي صلى الله عليه وسلم على مستوى البناء والمعمار ما جعل الأنساق تتباين في إيصال المقاصد، دفعا للرتابة وصناعة للجمال التعبيري،وشدا للمتلقي وحملا له على إدراك المعنى داخل النسق المباين، ولعل من أبدع الأنساق وأبهاها في معمار الحديث تأسيسه على محورية السؤال التي جعلت من الحديث سننا لغويا يحقق أعلى درجات التفاعل بين المرسل / الرسول عليه السلام والمتلقي / الصحابة ومن جاء بعدهم، فيتشكل السؤال كوسيلة تعليمية تحقق الإثارة والتنبيه بالمعنى الإشراطي البافلوفي وهو التجريب العلمي الذي التقطته المدرسة السلوكية مع واطسن وسكينير في الأدبيات التربوية الحديثة، حيث نجد الحديث النبوي يشرع في بناء السؤال كمدخل تحفيزي يعمد عبره النبي عليه السلام إلى إثارة انتباه الصحابة في المجلس ودفعهم إلى التنافس في إطار سباقي كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأخذ عني هذه الكلمات فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن؟ فقلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعد خمسا فقال:

اتق المحارم تكن أعبد الناس

وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس

وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا

وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما

ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب [ أحمد برقم 8095 والترمذي برقم 2305]

 تبدو التراكيب الجملية غاية في الإيجاز لكنها تكثف داخل مفرداتها القليلة معاني كبيرة وهذا من جوامع الكلم التي أوتي إياها نبينا عليه السلام، كان المدخل إليها صيغة استفهامية بأداة ( من)، خلقت نوعا من السباق المحموم بين الصحابة، وعملت على تنبيه العقول الشاردة دون أبي هريرة الذي كان حاضر الذهن شديد التنبه لسكنات النبي وحركاته وأقواله وأفعاله، فيظفر بشرف إمساكة اليد وعد الوصايا الذهبية لتمر عبره إلى الأمة، وفي حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم”[ مسلم باب الإيمان برقم 54]، فالحديث يستهل موضوعه بعد تمهيد وتعبيد لطريق الوسيلة بإخبار قطعي متدرج يكون فيه التحابب طريقا إلى الإيمان الموصل للجنة ليلجأ النبي عليه السلام إلى بنية الاستفهام المتلو بالنفي بعد الهمزة لتشويق صحابته، ليعقبه الجواب سريعا في لحظة تلهف تنتظر الرد السريع تناسبت بلاغيا مع المقام، حيث علامات الاستفهام والذهول كان باديا على الوجوه لهول الخطاب وثقله ما جعل الرد مباشرا بعد السؤال وبسلوك بسيط هو إفشاء السلام لتخف حدة الترقب وتتنفس النفوس الصعداء، وقد يتخذ السؤال في الحديث صبغة تحفيزية للعقول من أجل إيجاد الجواب على عادة ما يفعل المعلم في الممارسة الصفية الحديثة حين يطرح سؤاله ويلتقط الإجابات التي يتم الإجماع عليها بالاتفاق من هنا وهناك ثم يعرج على تنقيحها وتثبيت الصواب ليمنحها تخريجا آخر مختلفا عما توهمته العقول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيام بصلاة وصيام وزكاة وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار” [مسلم برقم 258]، وقد يأخذ السؤال مجرى آخر في بنية الحديث عبر خلق مساحة أكثر تفاعلا عبر الحوارية التي يفسح لها النبي عليه السلام الطريق تثبيتا للمقاصد وترسيخا لها في الأذهان كما في حديث معاذ بن جبل وهو حديث بني على أساس حواري بين طرفين هما الرسول عليه السلام ومعاذ بن جبل: قال النبي علبيه السلام: ألا أخبرك بملاك ذلك كله فقلت: بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه ثم قال: كف عليك هذا فقلت:يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم؟فقال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم أو قال على مناخيرهم في النار غير حصائد ألسنتهم.[الترمذي برقم 2616]

وقد نجد أحيانا من داخل الحديث سؤالا كسؤال معاذ الذي إن دل فإنما يدل على الطريقة التعليمية التي كان ينهجها النبي مع صحابته حيث إفساح المجال لهم لطرح السؤال والأخذ بيدهم عند الجواب سواء عبر تعديل فهم ليتماشى مع روح العقيدة والأخلاق أو إفهام لمعجم أو تركيب بعد فهمه عن الصحابة وشق عليهم إدراكه فيكون السؤال منهم بغية معرفة المعنى المقصود من المفردة أو التركيب كما في حديث أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون فقالوا: وما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون ” [الترمذي برقم 2018]

إن السؤال في بنية الحديث يتخذ منحيين أحدهما يتجه من المرسل نحو المتلقي والآخر من المتلقي نحو المرسل في إطار ديموقراطي يتم فيه تبادل الحوار بين الرسول عليه السلام وصحابته في إطار تعليمي بناء يتحقق فيه المقصد التعليمي من الحديث النبوي، سواء أكان هذا السؤال من المعلم الأول عليه السلام لغرض التحفيز والإثارة والتنبيه وخلق التنافس كما يصنع المعلم الناجح في فصله بمعية متعلميه، ليمنح درسه طابعا ديناميا ويعبد عبرالبيداغوجية الفارقية الطريق نحو تحقيق هدفه الأسمى وهو الإفهام أو كان السؤال متجها من المتلقي نحو الرسول علبه السللام طلبا للمعرفة وإحقاقا للإيضاح في المعنى، ما يجعل السؤال من أسمى الوسائل التي وظفها النبي عليه السلام في معمار الحديث ليكون الطريق الأمثل نحو إبلاغ مراد الله تعالى ويكون محمد صلى الله عليه وسلم قد وضع دعامة كبرى من دعامات الأدبيات التربوية في الحقل التعليمي وهي السؤال الذي لا يمكن لأي درس أن يبنى دونه في أي منظومة تعليمية كيفما كانت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.