منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ماتت الملكة؛ سبحان الحي الذي لا يموت

ماتت الملكة؛ سبحان الحي الذي لا يموت/ د. مصطفى شكٌري

0

ماتت الملكة

سبحان الحي الذي لا يموت

د. مصطفى شكٌري

 

ماتت إليزابيث ملكة إنجلترا. سبحان الله ! ماتت الملكة؟ وهل يموت الملوك؟ ماتت الملكة (وياله من لقب!)، مات الجسد، وصعدت الروح لبارئها، وذهبت الألقاب والسلطة والجاه والمال والعمر العريض الطويل، وأصبح الإنسان بين يدي الرحمن (نسأل الله ان يتدارك خلقه برحمته).

ليتذكر متذكر الجسد المسجى الذي ينادي عليه عندنا نحن المسلمين جنارة رجل أو امرأة. فنيت العبارة وبرزت الإشارة أن سلطنة الدنيا، وطغيان النفس، وتضخم الذات، أشياء في عالم الأشياء ستذهب في لمح البصر فإذا الإنسان وحده في عالم البرزخ ينظر ما قدمت يداه.
يمثل الموت لحظة وجودية جديرة بالاعتبار، وإن كان الحديث عن الوجود في ظل العدم مفارقة تستحق التأمل!

ما الموت؟ الموت عند الدهريين واللادينيين هباء وفناء وعدم واندثار؛ إذ الحياة كلها إنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع، وزمان يعاش، وشهوات تقضى، ودنيا للمتاع، وطموح للتسلق، وتسابق محموم نحو الملذات، والحديث عنه عند الحداثيين مفزع مقلق مرعب مرهب لأنه مرادف للتلاشي والغياب.

الموت عند أهل الإيمان مصيبة: (فأصابتكم مصيبة الموت). الموت خلق من خلق الله: ( الذي خلق الموت والحياة). الموات هادم للذات ومفرق للجماعات، وفرض قاهر رباني (كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)؛ إنه حتمية مفروضة: ( إنك ميت، وإنهم ميتون، ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون)، والنص خطاب لخير الخلق وحبيب الحق يقول له بوضوح يقرع القلوب قبل الأسماع: إنك يا محمد صلى الله عليه وسلم، يا من اقترن اسمه باسم الحي الدائم في الشهادتين ستموت، وإنكم أيها الخلق جميعا ستموتون، وإنكم رغم قوتكم وعدتكم وعددكم وجمالكم وأموالكم ميتون ومبعوثون ليوم الحاقة والصاخة والحساب. أي إن الموت بداية لا نهاية، واستئناف لحياة علوية هناك.

لقد اعتاد الناس أن يحدثوا عن نوع واحد من الموت هو هذا الذي تفارق فيه الروح الجسد، بينما الأصل في الموت موتان: موت الأموات حقا وصدقا، وموت الأحياء مجازا ومعنى؛ فليس من مات فاستراح بميت، إنما الميت ميت الأحياء، والناس صنفان: موتى في حياتهم، وآخرون ببطن الأرض أحياء. هناك موت الجسد حيث تعود اللحم المادة الترابية إلى أصلها الترابي، وتعود الروح النفحة العلوية والنفخة الربانية إلى أصلها العلوي، لكن هناك موتا آخر أشد وأفظع هو موت الإيمان في القلوب بموت الذكر (مثل الذي يذكر الله، والذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت) أي موت التذكر والتفكر في عهد الله وميثاقه للإنسان بربوبيته وإنكار الإنسان لعهد الإشهاد ( ألست بربكم؟)، وموت فطرة المخلوقية للاستعداد لمعرفة الله ولعبادته، وإنكار الغاية من الوجود، وفقد معاني الغيب ورجاء ما عند الله في الدار الآخرة.

ثم هناك موت الحياء بموت الأخلاق والقيم في المجتمع ولدى الإنسان، وبموت إماطة الأذى عن الطريق، وبموت حفظ البطن وما حوى، والرأس وما وعى، وموت ترك زينة الدنيا، وموت ذكر الموت والبلى، وأي موت أشد نكاية من فقد المعنى في الوجود، وسيادة الميوعة والانحلال والتسيب والفسق والفجور في المشهد العام، وصعود نجم العابثين والمفسدين والتافهين، وأفول نجم الصالحين والمصلحين والجادين والمجدين؟

ولن ننسى موت العدل وقتل الشورى وذهاب الإحسان بموت الأمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، وتغييب التعاون على البر والتقوى، وفشو الظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وما نشأ عن ذلك من حب الدنيا والتهارش حولها، ونشأة الانقياد للظلمة، والتعلق بالتغريب، واضمحلال الأمة وسيادة الجهل والضعف والتقليد والخوف والتواكل والهزيمة والأمراض القلبية المجتمعية التي غزت حياة الإنسانية وحرفت فطرتها وأنستها نفسها وربها.

ولعل ذكر الموت الحقيقي عند أهل التقى والنهى حافز على التغلب ومجابهة الموت المجازي، بما يفتحه تذكر رجوع الإنسان لأصله، ورجاؤه لما عند ربه من آفاق وحوافز وآمال وتطلعات تدفعه للعمل النافع له ولغيره، فيكون الموت بهذا المعنى دافعا نافعا ورافعا داعما لصناعة الإنسان، وصناعة التاريخ بل وصناعة التاريخ.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.