مما لاشك فيه أننا بحاجة إلى السير إلى الله تعالى تزكية لنفوسنا وتكملة لتربيتها الإيمانية واغتناما لما تبقى من فرصة الإقبال على الخير باعتكاف العشر الأواخر تأسيا برسولنا عليه الصلاة والسلام فقد أخرج البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ثم اعتكف أزواجه من بعده. وفي الصحيح أنه كان:” إذا دخل العشر الأواخر أحيا ليله وأيقظ أهله وشد المئزر”. فلنحرص على غفران من تقدم من ذنوبنا بالبحث عن فرصة العمر في ليلة القدر: فقد قال صلى الله عليه وسلم :” من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” والراجح أنها في أوتار هذه العشر التي أظلتنا فلنبذ الكسل ولنجتهد في طلبها.
وقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يفضلون في العشر الأواخر الاعتكاف على الأعمال الأخرى فكان مالك لا يعتزل مجلس العلم والتدريس إلا في العشر الأواخر.
ولكا كان فضول مخالطة الأنام وفضول مخالطة الكلام وفضول المنام مما يزيد شعث القلب ويشتته في كل واد ويوقفه عن السير إلى الله تعالى اقتضت رحمة الله تعالى أن يشرع لعباده من الصوم ما يمكنهم من التغلب على تلك الأصناف من الفضول. وزادهم في ذلك بأن شرع الاعتكاف الذي هو عكوف القلب على الله تعالى والخلوة به والانقطاع عن الأشغال بالخلق سبحانه وحده فهذا هو القصد من الاعتكاف وحرصا منا أيها الإخوة على إحياء هذه العبادة فإننا ستذكر هنا ببعض الأحكام المتعلقة بها حتى تكون عونا لنا على أدائها على الوجه الشرعي الأكمل، وذلك من خلا النقاط التالية:
تعريف الاعتكاف:
الاعتكاف شرعا: لزوم المسجد والمكث فيه بنية التقرب إلى الله تعالى.
حكمه:
هو سنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان ومستحب في غيرها، ولا يجب إلا بالذر فمن نذر أن يعتكف يوما أو أكثر وجب عليه الوفاء به لما رواه البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال:” من نذر أن يطيع الله فليطعه”.
شروط صحته:
اشترط الفقهاء لصحة الاعتكاف شروطا نجملها فيما يلي:
1 ـ الإسلام
2 ـ التمييز
3 ـ الطهارة الكبرى
4 ـ المسجد وإذا كانت تمر عليه الجمعة فيجب أن يكون اعتكافه في مسجد تصلى فيه.
5 ـ الصوم لقول عائشة رضي الله عنها: السنة على المعتكف ألا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع. رواه أبو داود.
6 ـ ارك المباشرة لقوله تعالى :” ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد”.
7 ـ إذن الزوج بالنسبة للمرأة.
مدة الاعتكاف:
اختلف العلماء في أقل ما يصدق عليه اعتكاف شرعي واختلفوا في أكثره فقال المالكية أقله يوم وجزء من ليلة قدر ما ينوي فيه الصوم لأنهم جعلوا الصوم شرطا في صحته وقال غيرهم أقله لحظة فلو دخل المسلم المسجد وجلس ينتظر الصلاة ونوى الاعتكاف تقربا إلى الله تعالى صح اعتكافه لأنهم لم يشترطوا الصوم إلا في حالة النذر وبعضهم لم يشترط الصوم مطلقا.
مستحباته:
يستحب للمعتكف الإكثار من ذكر الله تعالى والصلاة وتلاوة القرآن والدعاء والتفكر وأن يكون في مؤخرة المسجد ليكون بعيدا عن الناس ويستحب له أن يأخذ ما يلزمه وأن لا يتكلم إلا بخير وأن يتخير أفضل الأيام كالعشر الأواخر مثلا. ويستحب دخول المعتكف قبل غروب شمس اليوم الذي يريد الاعتكاف صبيحته ليكمل اعتكاف الليل.
مكروهاته:
تفطن المالكية للمعنى المقصود من الاعتكاف والذي هو التزكية فكرهوا كلما يسهم في ذلك المعنى وإن كان عبادة كقراءة الفقه وتدريسه واستحبوا المبالغة في الذكر والقراءة مع التدبر…
مفسداته:
مما يفس الاعتكاف:
ـ الجماع
ـ إنزال المني مطلقا
ـ الأكل والشرب نهارا عند من يشترط الصوم
ـ الحيض والنفاس
ـ نية الخروج من المسجد بلاعذر
الأعذار التي تبيح الخروج من المعتَكَف:
ـ أعذار طبيعية كالبول والغائط والاغتسال ونحو ذلك مما لابد منه
ـ أعذار شرعية: كالخروج إلى صلاة الجمعة إذا لم يكن المسجد جامعا فيجب ويبطل عند المالكية خلافا لغيرهم. وهكذا الخروج للتمريض وجنازة أحد الأبوين…
والحمد لله رب العالمين.