حج الأنبياء عليهم السلام|| سلسلة حج الصالحين
بقلم: يعقوب زروق
الحج عبادة عظيمة تتجلى فيها مظاهر العبودية والاستسلام لله تعالى. وتظهر فيها معاني التوجه والقصد، ومعاني الوحدة والألفة، والصبر والمصابرة، والبذل والجهاد.
قال تعالى: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس﴾ (البقرة 125) عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما في تفسيرها: لا يقضون منه وطرا، يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه[1].
فلا غرو أن يحج الصالحون من عباد الله. سيما الأنبياء عليهم السلام كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث والأخبار.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: «لقد سلك فج الروحاء سبعون نبيا حجاجا عليهم ثياب الصوف، ولقد صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا [2]«. مسجد الخيف يقع في مشعر منى ويسمى كذلك: . “مسجد الأنبياء”
حج آدم عليه السلام:
وردت أخبار لا تسندها نصوص صحيحة أن أول من بنى الكعبة وحج إليها سيدنا آدم عليه السلام.
ذكر هذا ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذۡ یرۡفع إبۡر اهـۧم ٱلۡقواعد من ٱلۡبیۡت وإسۡمـٰعیل ربنا تقبلۡ مناۤۖ إنك أنت ٱلسمیع ٱلۡعلیم﴾ (البقرة 127)
قال رحمه الله: “ثم اختلف أهل التأويل في “القواعد” التي رفعها إبراهيم وإسماعيل من البيت. أهما أحدثا ذلك، أم هي قواعد كانت له قبلهما؟ فقال قوم: هي قواعد بيت كان بناه آدم أبو البشر بأمر الله إياه بذلك، ثم درس مكانه وتعفى أثره بعده، حتى بوأه الله إبراهيم عليه والسلام، فبناه”[3].
حج خليل الرحمن وابنه إسماعيل عليهما السلام:
مما لا شك فيه بصريح الكتاب والسنة أن سيدنا إبراهيم بنى البيت وأذن في الناس ليحجوه. ساعده في البناء ابنه إسماعيل عليهما السلام.
قال تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ﴾ (آل عمران 96)
يخبر الله تعالى أن أول بيت وضع للناس يطوفون به ويصلون إليه ويعتكفون عنده الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام.
وأخبر سبحانه أنه أمر خليله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام أن يطهراه من رجس الأوثان للطائفين والراكعين. فقال سبحانه:﴿ وعهدۡناۤ إلىٰۤ إبۡر ٰهـۧم وإسۡمـٰعیل أن طهرا بیۡتی للطاۤىٕفین وٱلۡعـٰكفین وٱلركع ٱلسجود﴾ (البقرة 125)
ثم أمر خليله بعد إتمامه بناء البيت بأن يؤذن في الناس بالحج.
﴿ وأذن فی ٱلناس بٱلۡحج یأۡتوك رجالࣰا وعلىٰ كل ضامرࣲ یأۡتین من كل فج عمیقࣲ ﴾ (الحج 27)
قال ابن كثير رحمه الله: “فذكر أنه قال: يا رب، وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقيل: ناد وعلينا البلاغ.
فأجابه من شاء الله ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: “لبيك اللهم لبيك”.[4]
حج موسى عليه السلام:
أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بحج سيدنا موسى عليه السلام واصفا هيأته وراحلته وحتى زمام الجمل. في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ” وأما موسى فرجل آدم جعد، على جمل أحمر، مخطوم بخلبة، كأني أنظر إليه إذ انحدر في الوادي يلبي”.[5]
مخطوم بخلبة: “المخطوم” هو الذي وضع في أنفه “الخطام” (وهو الحبل الذي يقاد به البعير).
“الخلبة” هي ليف النخل؛ أي أن زمام جمله كان مصنوعا من ليف النخل.
حج يونس عليه السلام:
في الحديث التالي يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج سيدنا موسى وسيدنا يونس عليهما السلام ويصف حالهما أثناء الحج.
عن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ مر بوادي الأزرق، فقال: أي وادٍ هذا؟ فقالوا: هذا وادي الأزرق، قال: كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطا من الثنية، وله جؤار إلى الله بالتلبية، ثم أتى على ثنية هرشى، فقال: أي ثنيةٍ هذه؟ قالوا: ثنية هرشى، قال: كأني أنظر إلى يونس بن متى عليه السلام على ناقةٍ حمراء جعدةٍ عليه جبة من صوفٍ، خطام ناقته خلبة وهو يلبي .[6]
حج عيسى بن مريم عليه السلام:
أخبر النبي ﷺ أن نبي الله عيسى عليه السلام سينزل في آخر الزمان ويحج البيت. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما”[7]
الهوامش:
[1] – محمد بن جرير الطبري (224 – 310هـ) – جامع البيان عن تأويل آي القرآن. ج 2. ص 27
[2] – الحاكم. المستدرك على الصحيحين (4220)
[3] – محمد بن جرير الطبري (224 – 310هـ) – جامع البيان عن تأويل آي القرآن. ج 3. ص 57
[4] – أبو الفداء بن كثير القرشي الدمشقي (700 – 774 هـ) – تفسير القرآن العظيم. ج 5. ص 414
[5] – صحيح البخاري (5913) .
[6] – مسلم. (166)
[7] – أخرجه مسلم (1252)، وأحمد (7273).