حجة الوداع|| سلسلة حج الصالحين
بقلم: يعقوب زروق
إن الله معنا:
إنها السنة العاشرة للهجرة، حيث شاء الله أن يختم لحبيبه مقامه في هذه الدنيا بحجة مباركة عظيمة، يرى فيها أفواج المؤمنين تأخذ عنه مناسكها، ويشهدها على البلاغ، ويسمع منها: “نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت”.
قبل عشر سنوات أخرج صلى الله عليه وسلم من البلد الحرام ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه: “لا تحزن إن الله معنا”. معية الله هي التي هيأت الأسباب وصنعت الأحداث ليعود بعد سنوات حاجا في مائتي ألف من المسلمين الصادعين: “لبيك اللهم لبيك”.
قبل أربع سنوات جاء صلى الله عليه وسلم معتمرا لثلاثة أيام فقط هي ما سمحت بها قريش في الصلح، وقبل سنتين في السنة الثامنة دخل مكة فاتحا لها فخضعت قريش وعفا عنها الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم، وكسر الأصنام وتطهر البيت من رجسها. وفي العام الماضي حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس وكان لا يزال المشركون يطوفون بالبيت عراة، ودعاؤهم مكاء وتصدية؛ تصفيق وتصفير، فأوفد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا كرم الله وجهه مؤذنا في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك وألا يطوف بالبيت عريان، فتهيأت بذلك الأسباب لهذه الحجة النبوية العظيمة وقد تطهر البلد الحرام من رجس الأوثان ومن أعمال المشركين.
مشهد عظيم:
أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيحج هذا العام، وشاع الخبر في القبائل التي أسلمت حديثا ولم تكن قد حظيت بصحبته، فكانت هذه الحجة هي فرصتها، فتنافسوا للخروج معه واجتمعت أفواج وأفواج.
في الخامس والعشرين من ذي القعدة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألوف مؤلفة من المسلمين؛ مشهد رهيب يشهد الدنيا أنه رسول الله وكفى، صلى الله عليه وسلم.
وصل صلى الله عليه وسلم إلى الميقات (ذي الحليفة)، فاغتسل للإحرام وتطيب. قلت: بل الماء تطهر بطهارته، والطيب تطيب بطيبه، هو الطهر وهو الطيب، وإنما فعل ذلك ليأخذ الناس عنه المناسك.
قيل أحرم بالإفراد وقيل بالقران وكلاهما راجح ومشهور. وقيل بالتمتع وهو قول مرجوح والله أعلم.
قال جابر رضي الله عنه: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك. وأهل بالحج: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”، ولبى الناس معه.[1]
دخول مكة:
كان دخوله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الأحد الرابع من ذي الحجة.
عن ابن عمر، قال: بات النبي صلى الله عليه وسلم بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة. وكان ابن عمر رضي الله عنه يفعله.
وعنه رضي الله عنه كذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى.[2]
ودخل صلى الله عليه وسلم المسجد من باب بني شيبة وخرج من باب بني مخزوم إلى الصفا.
دعاء وذكر:
ها هو صلى الله عليه وسلم يعاين البيت ويدعو: “اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا- ربنا- بالسلام. اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما، وتكريما ومهابة وبرا، وزد من حجه أو اعتمره تكريما وتشريفا، وتعظيما وبرا”.
يدعو للبيت بزيادة تشريف وتعظيم، ويدعو لمن زاره من أمته إلى قيام الساعة بمثل ذلك؛ إنه الحريص على أمته صلى الله عليه وسلم.
وصل الكعبة صلى الله عليه وسلم فاستلم الركن وطاف صلى الله عليه وسلم، وهو مضطبع، سعى ثلاثة أشواط ومشى أربعة، وقيل طاف راكبا، يستلم الحجر الأسود بمحجن في يده، وقيل يقبله. ولعل الخلاف ناتج عن أن كل راو روى ما رآه في طواف من أنواع الطواف الثلاثة التي كانت في هذه الحجة.
فلما دنا من الصفا قرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (البقرة. 158) “أبدأ بما بدأ الله به”، فبدأ بالصفا، فرقي عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله، وكبره، وقال: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده”، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات.[3]
ثم نزل إلى المروة، حتى إذا أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، ثم رجع إلى الصفا وهكذا حتى أتم سبعة أشواط، يهرول في بطن الوادي فإذا جاوزه مشى.
التيسير ورفع الحرج سنته صلى الله عليه وسلم:
هو المبعوث رحمة للعالمين، سن لأمته التمتع تخفيفا ورفعا للمشقة، فأمر بعد تمام السعي عموم المسلمين ممن لم يسق الهدي بالتحلل. وكان هو قد ساق الهدي فبقي على إحرامه، فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي.
فقال: “لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة”.
وأعلمهم صلى الله عليه وسلم أن هذا التخفيف ليس خاصا بهم عامهم ذاك، وإنما هو لأمته بعده للأبد.
قام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: “دخلت العمرة في الحج” مرتين، “لا بل لأبد أبد”.[4]
وهكذا كان في حجته كلها بل في سنته عمومها وخصوصها، يراعي التيسير والتخفيف، وكثيرا ما يقول: لولا أن أشق على أمتي.
أخرج أبو داود رحمه الله في سننه وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى يسألونه، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، إني لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اذبح ولا حرج”، وجاء رجل آخر فقال: يا رسول الله، لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: “ارم ولا حرج”، قال: فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال: “اصنع ولا حرج”[5].
يوم التروية:
مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تمام السعي بالأبطح – مكان شرقي مكة – يصلي بأصحابه، ولم يعد إلى الكعبة في تلك الأيام.
وفي اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية الذي وافق يوم الخميس، خرج صلى الله عليه وسلم ووفد الحجيج إلى منى.
فصلي بهم صلى الله عليه وسلم هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.
يوم عرفة:
في يوم الجمعة التاسع من ذي الحجة وبعد شروق الشمس خرج صلى الله عليه وسلم إلى عرفات راكبا ناقته (القصواء)، وقريش تظن أنه سيقف عند المشعر الحرام كما كانت تصنع في الجاهلية؛ إذ كان الحمس وهم قريش ومن والاها لا يقفون مع الناس بعرفات ويقولون: نحن أهل الحرم لا نخرج منه ولا نقف إلا فيه. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبطل هذه العادة فجاوز حتى أتى عرفات، وضربت له بنمرة قبة أقام فيها.
وهنالك خطب خطبته المشهورة (خصصت لخطبة عرفة لها مقالا مفردا). وكان جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه يستنصت الناس (يقول لهم أنصتوا)، وكان ربيعة بن أمية بن خلف رضي الله عنه يبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (يرفع صوته بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمعه الناس).
ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر والعصر جمع تقديم، ثم ركب ناقته حتى جاء الصخرات التي في أسفل جبل الرحمة فوقف عندها مستقبلا القبلة حتى غربت الشمس، وقال: “وقفت ههنا وعرفات كلها موقف”.
بشارة ونعي:
وفي هذا اليوم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا). (المائدة 3.)
ولما نزلت هذه الآية بكى بعض الصحابة – ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه- فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان، يشير رضي الله عنه إلى دنو أجل الرسول صلى الله عليه وسلم.
السكينة والتواضع:
يعلمنا صلى الله عليه وسلم أن نقابل نعم الله وأفضاله بالتواضع لا بالعجب، بالسكينة لا بالبطر والأشر.
ركب صلى الله عليه وسلم ناقته بعد الغروب، وشد زمامها كي لا تسرع طلبا للسكينة، وأردف وراءه حبه ابن حبه أسامة بن زيد رضي الله عنهما وهو يشير إلى الناس قائلا: “السكينة، السكينة، ليس البر بالإيضاع” (الإيضاع هو الإسراع).
وعن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: حج على رحل رث وتحته قطيفة وقال: “حجة لا رياء فيها ولا سمعة”[6].
عن بشر بن قدامة الضبابي، قال: أبصرت عيناي حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفات مع الناس على ناقة له حمراء قصواء تحته قطيفة بولانية وهو يقول: “اللهم اجعلها حجة غير رياء ولا مباهاة ولا سمعة”، والناس يقولون: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.[7] بَوْلانية: (بفتح الباء وسكون الواو) نسبة إلى “بَوْلان”؛ وهو بطن من قبيلة طيّء الشهيرة.
دعاء لأمته صلى الله عليه وسلم وإلحاح:
أكثر صلى الله عليه وسلم يوم عرفة من الدعاء لأمته، فأوحى الله إليه أنه غفر كل شيء إلا ظلم بعضهم بعضا، فلما أتى المزدلفة، صلى بها المغرب والعشاء جمع تأخير، ثم اضطجع صلى الله عليه وسلم حتى صلى الفجر. وعاود صلى الله عليه وسلم في المزدلفة، الدعاء لأمته فأكثر من الدعاء.
أخرج البيهقي وابن ماجة رحمهما الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة، والرحمة، فأكثر الدعاء، فأوحى الله إليه: أني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا، وأما ذنوبهم فيما بينهم وبيني قد غفرتها، فقال: يا رب، إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته، وتغفر لهذا الظالم، فلم يجبه تلك العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء فأجابه أني قد غفرت لهم، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله، تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها، قال: تبسمت من عدو الله إبليس أنه لما علم أن الله تعالى قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل، والثبور، ويحثو التراب على رأسه.[8]
ثم ركب صلى الله عليه وسلم ناقته حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، ودعا الله وأكثر من الدعاء وهلل، وكبر.
يوم النحر:
ثم دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منى قبل أن تطلع الشمس، مردفا وراءه الفضل بن العباس رضي الله عنهما. وكان الفضل غلاما فجعل ينظر إلى النساء وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجهه حتى لا ينظر؛ تربية حكيمة منه صلى الله عليه وسلم.
ثم قصد الجمرة الكبرى فرماها بسبع حصيات صغار يكبر عند كل حصاة منها، حتى إذا فرغ من الرمي انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، وقال: “نحرت ههنا ومنى كلها منحر”، حرصا منه على التيسير. ونحر علي كرم الله وجهه تمام المائة.
ثم أمر أن يؤخذ من كل بدنة بضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها، امتثالا للأمر القرآني: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج 28].
حب وتبرك:
حلق صلى الله عليه وسلم شعره والصحابة مطيفون به، لا تقع شعرة إلا في يد أحدهم ؛ محبة له صلى الله عليه وسلم وتعظيما وتوقيرا .لأنهم علموا قدره فأجلوا كل أثر منه صلى الله عليه وسلم حتى شعرة من شعره الشريف. وبذلك أحل صلى الله عليه وسلم ولبس ثيابه وتطيب قبل أن يطوف بالبيت.
ومن تبركهم بآثاره صلى الله عليه وسلم تبركهم بوضوئه. فعن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح وهو في قبة له حمراء، فخرج بلال بفضل وضوئه، فمن ناضح ونائل.[9]
ومما يؤكد حرص الصحب الكرام رضوان الله عليهم على التماس آثاره صلى الله عليه وسلم والتبرك بها في حجهم واعتمارهم ما أورده البخاري وابن كثير رحمهما الله من ذكر المواضع التي صلى فيها صلى الله عليه وسلم في رحلته وحرص الصحابة على الصلاة فيها كلما مروا بها حاجين أو معتمرين.
طواف الإفاضة:
ثم ركب صلى الله عليه وسلم حتى جاء البيت ليطوف طواف الإفاضة، فطاف وصلى بمكة الظهر، ولم يسع بين الصفا والمروة، ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون الناس على بئر زمزم وقال: “انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم”، فناولوه دلوا فشرب منه حتى تضلع.
وأتى السقاية التي يقوم بها العباس رضي الله عنه فقال: “اسقوني”، فقال العباس رضي الله عنه: يا فضل، اذهب إلى أمك فأت رسول الله بشراب من عندها فإن هذا يجعل الناس أيديهم فيه، فقال النبي: “لا حاجة لي فيه، اسقوني مما يشرب الناس”؛ تواضعا منه صلى الله عليه وسلم.[10]
أيام التشريق:
عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منى بعد الظهر، وأقام صلى الله عليه وسلم بها يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة، يرمي الجمرات في كل يوم إذا زاغت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة، ويقف بعد كل من الجمرتين الأوليين مستقبلا القبلة، ورافعا يديه يدعو ويطيل الوقوف، فإذا رمى الثالثة انصرف ولا يقف بعدها.
وفي اليوم الثالث من أيام التشريق، ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، حتى نزلوا بالأبطح، فصلى بهم هناك الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
طواف الوداع:
بعث رسول الله عائشة رضي الله عنها مع أخيها عبد الرحمن لتعتمر من التنعيم، لتقضي عمرتها التي فاتتها مع الناس بسبب حيضتها، فلما قضتها ورجعت، ارتحل صلى الله عليه وسلم وطاف بالبيت وصلى الصبح عند الكعبة، ثم خرج صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة المنورة، وقد تمت هذه الحجة العظيمة والمؤمنون يكبرون ويهللون ويحمدون الله على ما أكمل الدين وأتم النعمة ووفق وتكرم.
الهوامش:
[1] – صحيح مسلم.( 1218)
[2] – ابن كثير أبو الفداء إسماعيل بن كثير (701 – 774 ه) ـ السيرة النبوية من البداية والنهاية. ج4 ص301
[3] – صحيح مسلم.( 1218)
[4] – صحيح مسلم.( 1218)
[5] – سنن أبي داود. ( 3013)
[6] – ابن كثير. السيرة النبوية ج 4 . ص218
[7] – نفسه. ج 4 . ص 219
[8] – البيهقي في شعب الإيمان، 1/253، وابن ماجه، (3013)
[9] – ابن كثير، السيرة النبوية 4/536)
[10] – السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة المؤلف: محمد بن محمد بن سويلم أبو شهبة (ت 1403هـ) ج2 ص577.