منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

توحّش الفاعل.. حين يدهس الموقف السياسي البعد الأخلاقي

عبد الرحمن خيزران

0
توحّش الفاعل.. حين يدهس الموقف السياسي البعد الأخلاقي
بقلم: عبد الرحمن خيزران
كانت السياسة دوما ساحة نزاع وتدافع وصراع، باعتبارها النواة الصلبة المؤثرة في حياة الجماعة البشرية، لذلك سعت الأديان والنظريات السياسية والاجتماعية والفلاسفة الأخلاقيون والمصلحون الحقيقيون إلى مدها دوما بجرعات أخلاقية تخفف من غلواء انفلاتاتها السلطوية، وحرصوا على أنسنة غاياتها ووسائلها حتى تكون فعلا “مصلحة عامة لشأن عام”.
في السياسة تُطل دوما معضلة سلطة الدولة، وهي تطرح رأسا علاقة الحاكم (فردا ونظاما) بالمحكومين باعتبارهم مصدر سلطته وشرعية التسليم له، وهي العلاقة/ المعادلة التي يجمع الإنس والجان على أنها لا يمكن أن تتجاوز الإرادة الشعبية. فالشعب باعتباره مصدر السلطة، حين يلفظ حاكمه الذي أخل بجوهر التعاقد، وحين تتعاظم ذات الحاكم ومصالحه إلى الحدّ الذي يصبح فيها الدوس على الإنسان والمجتمع والدولة عادة يومية، تنتهي بين يديه فذلكات الاستراتيجيات وتحليلات الماورائيات وتعقيدات الجيوسياسات! لأنها ببساطة لا تعني شيئا آخر غير تبرير الظلم الفادح والاستبداد الكالح.
اليوم، وسوريا تطوي صفحة مرحلة أليمة، عنوانها الأبرز إنهاء حكم العائلة المستبدة المتسلطة على الرقاب، وتخليص شعب ذاق مرارة القهر والظلم بشكل تظهر الصور والأخبار القادمة من أرض الشام أنه يفوق كل التخيلات والكوابيس، وطرد هذا الحاكم الذي ارتضى أن يكون سببا في تقتيل أكثر من نصف مليون إنسان وتهجير 12 مليون مواطن وتدمير البلد وفتحه للتدخل الأجنبي والتسبب في مآسٍ فردية وجماعية لا حصر لها، اليوم وسوريا تنهي هذه المرحلة، آملة في أن تلج مرحلة جديدة أفضل، تطل علينا آراء نخب ومثقفين وساسة على امتداد المحيط العربي، تتأوه على “الأسد”، وتلطم الخدود مما حل بـ”النظام المقاوم”، وتولول مما تمضي فيه سوريا اليوم وغدا، غير واضعة في الاعتبار كل المعاناة التي تتكشّف في السجون والمعتقلات وسائر البلاد.
لا شك أن الوضع السوري -سياسيا واستراتيجيا- شديد الالتباس، ولا ريب في أن المرحلة المقبلة غاية في التعقيد؛ فصائل مسلحة شتى، صراعات دولية وإقليمية كبرى على ساحتها، قواعد عسكرية تترى، ثارات طائفية، بنية تحتية خربة، مؤسسات مشلولة، اقتصاد منهار، جيش وإرث نظام وعلاقة مع الجوار، وفوق ذلك أطماع الصهيو-نية التي دشنت توسعها وقصفها…
كيف البدء؟ من أين؟ ومع من؟
ما خارطة الطريق التي تجنب أبناء سوريا الكثير من المطبات والألغام والمزالق والعقبات؟
كيف لا تتكرر أخطاء الأمس القريب؟ لا شك أن الوضع بهذه الصعوبة وأكثر.
ولا ريب في أن مسار الثورة السورية منذ 2011 إلى الآن اتخذ مسالك ومنعرجات مختلفة، جعلها تتسم في الكثير من المراحل بالغموض والضبابية (خاصة بعد العَسْكرة، وتكاثر القوى المسلحة الوافدة، واستقرار الوضع في معظم التراب السوري لصالح نظام الأسد)، بات معها -حينها- حتى بلورة الموقف مما يجري واستصداره، أشبه بخوض مغامرة غير مأمونة العواقب.
والأكيد أن مما زاد الوضع تعقيدا وصعوبة في التفكيك، انتساب نظام بشّار إلى “محور المقاومة”، محور كان وما يزال الفاعل الأبرز الذي ينازع الغطرسة الصهيونية في فلسطين والهيمنة الأمريكية في المنطقة، ودفاع معظم أركانه عن هذا النظام والتذكير بأياديه البيضاء تسليحا ودعما واحتضانا.
هذه الثلاثية التي ذكرناها (الوضع السوري ما بعد إسقاط النظام، تعقيدات حالة الثورة في مراحلها السابقة، تموقع النظام السوري في محور المقاومة) إن كانت تُدخل على الفاعل السياسي والمجتمعي والمثقف والباحث في مراحل سابقة شيئا من التردد في اتخاذ الموقف والتلعثم في الانحياز إلى أحد الفسطاطين، فإنها لا تصلح بتاتا اليوم لبث أي تردد أو اتخاذها متكأ للتعسف في التأويل والتبرير، وإلا فقد الإنسان كل قيمة أخلاقية ومنطق تفكير يجعله في مصاف الأسوياء. ذلك أن:
– وضع سوريا بعد الأسد لن يكون قطعا أسوأ (ألا يكفيك يا رجل إنهاء حكم العائلة الواحدة، وإيقاف نزيف ملايين المعتقلين والمُهجّرين والنازحين؟!).
– الحالة الثورية اليوم تبدو أكثر وضوحا؛ مع تصدّر أبناء سوريا مشهدها، ومع مؤشرات الطمأنة المتكاثرة سواء فيما يخص تقارب فصائلها أو فيما يخص خطاب طمأنة مختلف طوائف النسيج السوري.
– النظام السوري كان ثلمة أخلاقية كبرى في “محور المقاومة” على الأقل منذ ربيع سوريا 2011؛ إذ بغض الطرف عن طبيعة مقاومة النظام وأثرها الذي لم نره رأي العين في مقاومة المحتل الصهيو-ني مثلا (سنسلم أنه اترضى أن يكون ساحة خلفية خفية!)، وباستحضار أن الكثير من أبناء الأمة ونخبها ميزوا بين إسهام مكونات هذا المحور في معركة طوفان الأقصى (حزب الله وإيران) فشكروها وحمدوا فعلها ودعموها، وأبقوا على تحفظهم -إلى حين- من دورها في المنطقة وإجهاض حلم أبناء سوريا في الخلاص من الديكتاتور، فإنه يمكننا القول إن أحد أكبر الرابحين -أخلاقيا واستراتيجيا- من سقوط بشار ونظامه هو محور المقاومة نفسه وإنهاء الاقتران به؛ إذ لا شيء يشرعن الاستبداد والقهر والظلم، ولا شيء يمكنه أن يبرر دوس حق الشعوب في الحرية (ولو كان المبرر دعم فلسطين).
إنه ومع هذا الوضوح الكبير للصورة اليوم، بما يساعد الإنسان على أن يخرج من حالة الحيرة والقلق إلى الطمأنينة التامة وهو يتّخذ موقفا ويبني رأيا، فإنه ينبغي التذكير أن العاقل يرتدّ في حالات الحيرة إلى المنطلقات، التي تجعل من الإنسان إنسانا، وتضعه في حالة سلام مع مبادئه الوطنية والأخلاقية والدينية والإنسانية التي يدّعيها ويُصدّرها إلينا (أو التي تحتكم إليها العقول السويّة). وهي منطلقات تدفع المرء دفعا -إن كان صادقا في دعواه- إلى الوقوف عند آلام الشعوب وآمالها، واحترام تضحياتها وتطلعاتها، وانتفاضها لتصحيح علاقتها بنظام الحكم المنحرف. أما حين يستحكم الموقف العدمي وينغلق العقل، ويدوس الموقف السياسي البعد الإنساني، ويستهين صاحبه بمعاناة الناس التي يراها رأي العين، متحللا من كل بعد أخلاقي، فإننا نكون أمام فاعل متوحّش، ينبغي الحذر منه.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.