منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المريض في صحبة الله

المريض في صحبة الله/ رشيد غلام

0

المريض في صحبة الله
بقلم: رشيد غلام

من على سرير في المستشفى اكتب لكم هذه الخواطر عساها تكون نفعا لقارئها وجبرا وسلوانا لكتابها.

أؤكد لكم أن عبارتها صادقة من رحم التجربة ومخاض العيش. نابعة من فؤاد يختلجه الفرح الكبير بالله واليقين المطمئن إلى حميد ِفعله وصنعه، والمتعلق في أهداب عطفه ان عافيته اوسع له.

المريض أقرب المخلوقات إلى الله عز وجل من حيث إدراكهُ لعجزه وحاجته لله .ومن حيث انكساره و مسكنته لله. في كل اناته استعطاف و في كل عجزه استنجاد بالقوي، يدرك قيومية الله بعد ادراكه لمعنى ان حياته إفاضة من الله عز وجل، وأن الأشياء ومنها الأجساد قائمة بالله لا بنفسها، فيدخل بابَ تعرفٍ على الله لم يكن ليصيبه بعمله، فيصبح العجز كنز بما فيه من التعرف على الله.

فبكل آنات المريض تسبيحٌ، وكل آهة ضراعة، هو عابد بانتظار الفرج-لو أضاف إلى انتظاره الرضى بقضاء الله لما يعلم من إحسانه وحسن صنعه- يرقى مراقي العبد الراضي الذي يستحي الله ان يقيم له ميزانا او ينصب له ايوانا.

في ملازمة المرض للعبد صحبة دائمة لله بالعجز والضعف والمسكنة، وهي أوصاف للعبودية الحقة . التي لايدركها الإنسان في حال الصحة و السطوة.

وفي المرض أيضا تقديم اللجأ الى الله، كانه تدريب على لقاء الاخرة الحتمي، للذي قرب أجله استعداد العبد ونجواه لخالقه، ولغيره عبرة.

كلنا سنذهب إلى الله عزو جل فإليه منتهانا، ويا سعد من استعد لذاك اللقاء، وطلب من الله تعالى أن يجعله عيدا بجوده وكرمه. كل علائق الدنيا و حظوتها و جاهها لاقيمة لها امام سعي الإنسان إلى لقاء مولاه الذي أوجده وبرأه.

في حال المرض لاتأسى على شئ إلا ما مضى من فراغك وصحتك ولم يكن لله، تأسى على كل ساعة لم تعمرها بالله. ويثلج قلبك برد اليقين في فعل الله و هيمنته عليك في السابق اللاحق. وأن الأمر كله لله، ما أراده كان وما لم يرده لم يكن.

في المرض يعظم املك في الله الذي قدر عليك وعلى قهرك، انه قادر على ان يشفيك ويجعلك في اعلى المنازل، تصبح كرسوله سليمان عليه السلام الذي قال: (رب اغفر لي وهب لي ملكا لاينبغي لاحد من بعدي) طلب المغفرة والملك.لان المعطي واحد ، وهو قادر. فلماذا لا تسأل وتعظم السؤال.

أن كان في هذا المرض لقاء بالله فأنا أشهدكم أني سعيد بذلك كسعادة وليد يرجع إلى حضن امه، وهو يوم وأمر ما كنت عنه أحيد. بل كنت اقتحم الأهوال غير هياب ولا جبان، واعتبره خير يوم طلعت علي فيه الشمس. وان لي أحبة هم فرطي للآخرة اتمنى ان يلحقني بهم الله محسنا وارجو ان اكون لهم جارا. اما أواصر الدنيا وروابطها فلا احزن لأجلها، لأن الله وكيل كل حي وكفيل به.

عمري عشته كاملا لله فلا آسى عليه . صادقا مقتحما مقبلا غير مدبر، اقول الحق واصدح به ولاخاف في الله لوم لائم ولا أرجو حضوته، وامدح سيدنا محمد صلى اللهُ عليه الصلاة، واتعلق بجنابه وارجو شفاعته يوم القيامة.

لا أحمل في قلبي الحقد على أحدا ولاأكره أحدا إلا في الله، ولايتسع قلبي لغير الحب.

وقد خبرت كرم الله وعناته وإحسانه الجزيل في كل حياتي، وكنت احاول ان اثمثل خلق الله في كرمه وإحسانه ما استطعت. وكنت احب إسعاد الناس وتفريج كربهم ما استطعت إلى ذلك سبيلا. واشكر لله هذه النعمة العظيمة التي أنعم بها علي. وبها ارجو ان يعاملني يوم ألقاه ويبتش في وجهي وابتش في وجهه سبحانه وتعالى.

إن من نعم الله أن تحمل عطاياه إلا مطاياه فإذا سلط عليك البلاء ورزقك معه الفهم عنه، جعل ذلك منحة عوض ان تكون محنة خالصة.
حاجتنا لله ذاتية محضة. في حالة العجز تتعلق باسمه الشافي، وحالة الفقر تتعلق باسمه الغني، وحالة العجز تتعلق باسمه القادر. وهو في تصريف هذه الاحوال ينبهك إلى شيء واحد هو انك محتاج لله ذاتيا. مفتقر اليه ذاتا. في انتباهك لهذا العبودية الخالصة .
لست أودعكم بهذه الخواطر، ان شاء الله سأشفى ولازال لنا في العمر مضرب باذن الله. هي خواطر أردت أن أشاركها معكم إلتماسا للدعاء، وتذكيرا للغافل عن معنى وجوده و فحواه.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى

رشيد غلام من مستشفى لندن

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.