الصورة الموجعة.. إنها هنا!
عبد الرحمن خيزران
الصورة الموجعة أدناه لطفل فلسطيني أسير (طارق أبو خضير)، التُقطت له أثناء جلسة استماع في إحدى محاكم الا-حتلال الصهيو-ني.
الصورة المشبعة ألما ومعاناة وقهرا تعكس عذابات شعب أبت أن تنتهي؛ فنفس العذاب تكشّفت به قبل أيام صور أسرى غُيّبوا بعيدا عن أسرهم وأزواجهم وأطفالهم سنين عددا في معاناة لا تصفها الكلمات. وذات المعاناة تحكي تفاصيلها إغلاق المعابر وقطع الماء والكهرباء والدواء والغذاء وكل أسباب الحياة حتى بات الموت جوعا وبردا شيئا طبيعيا. وعين الألم يتجرعه يوميا هذا الشعب المقهور وهو يرى الطائرات الحربية ترميه من السماء بأطنان القنابل فتبيد وتدمر أسرا وعائلات بأكلها…
ليس المؤلم حد القهر مشهد الطفل المشبع ضربا وعنفا، حتى انتفخ وجهه واخضرت عيناه واختفت ملامح طفولته، بل المؤلم أكثر هذا الهوان الكامن في تفاصيل الصورة لأمة غثاء، بات مشهد تعذيب أطفالها وقتلهم والتحرش بنسائها وإبادتهن وقهر رجالها وسحقهم خبرا عاديا لا يحرك شيئا، ولو كان الأمر يرتبط بشيء اسمه الأ-قصى وفلسط-ين وبشيء كان يسمى “القضية الأولى للمسلمين”.
ليس الغريب في الصورة، هذه الوحشية البشعة وذاك الإرهاب السافر، فالمتسبّبون فيها “بشر” مشتاقون للدم والقتل والتدمير والإبادة والإهانة والقهر، اختاروا أن يكونوا “حطب جهنم” في يوم غير بعيد، ولكن الغريب أن تجد بعد كل هذا، وقبله 70 سنة من التقتيل والسحق وبعدها عام ونصف من الإبادة الجماعية المنقولة على الهواء مباشرة، أن تجد “بشرا” منّا ومعنا، محسوبون علينا، من بني جلدتنا، يجدون المبرر تلو المبرر والمخرج تلو المخرج والتأويل تلو التأويل.
الغريب، حاكم -وقد اشتعل رأسه شيبا وتمضي به الأيام نحو قبره ليلقى ربه فسائله عما صنع بأمته- لا تتحرك فيه شعرة صوب المذبحة الجارية، ليواصل “فدلكته” المسماة مصالح وطنية وعلاقات دولية وتوازنات الكبار وإكراهات التط-بيع ومنافعه.
الغريب، مثقف وأكاديمي ومفكر وإعلامي وسياسي لا يألو جهدا صباح مساء ليبيّض الصفحة ويزين السواد ويعقّد البسيط الماثل أمامنا جميعا، ليجعل من الخيانة وجهة نظر.
الغريب، عالم وداعية وفقيه وخطيب وإمام مسجد لا يجد أدنى مشكلة في أن يصلي بنا “سبحان الذي أسرى بعبده….”، ثم يفسرها لنا لغة ومعنى، ويحدثنا عن ذكرى الإسراء والمعراج، وجهاد النبي والصحابة في بدر وفي الأحزاب واليرموك، ويذكرنا أن رمضان شهر الجهاد لا القعود… ثم ماذا بعد ونحن نرى إخواننا يساقون إلى الذبح جماعات جماعات؟! لا شيء، فالجهاد أمر “وليّ الأمر”، وأحاديث المنابر والقراطيس والمواعظ والكتب هي شيء من التاريخ والذكريات والأحجيات، أما انسحاب روح الإسلام وذروة سنامه على واقعنا المكلوم، فأصحابنا صمّ بكم عمي كأنك تحدث الأموات.
الغريب، رجال ونساء وشباب أنهوا صلاتهم للتو، داعين متبتلين في تراويح هذا الشهر العظيم، وإخوانهم المرابطون في المقاهي تزجية للوقت ومشاهدة للمباريات ودردشات مع الأصدقاء ودندنات، ثم تراهم يتسللون تابعا أو يتسمرون في كراسيهم، لا تعنيهم وقفة في باب المسجد ولا مسيرة في دروب الحي يصدع أصحابها “اللهم إن هذا منكر”، ليواصل أصحابنا (في المسجد كما في المقهى) سلبية قاتلة وجمعا غريبا بين متناقضات لا تجتمع: “نفسي نفسي” و”نحن أمة واحدة”!
الغريب، مدونون ومعلقون ومواطنون مشاربهم شتى وجامعهم واحد: “خذلان هؤلاء المعذبين”؛ فهذا متدين متمسكن انسلك في مسلك “إسلام الزهادة” المميت. وذاك متمزغن يمايز عرقه ويفاضله عن إخوانه “العرب” حتى بات يفرح بعذابات الفلس-طينيين الذين لا يعنيه أمرهم. وتلك مواطنة بسيطة لا يعنيها سوى “العيش الهانئ” بعيدا “عن الصداع” شعارها الذي تكرره دون وعي “واش بغيتو تردونا بحال سورية”. وهؤلاء “موظفون” لن يعدموا “دفعا”؛ فالقضية معقدة وممتدة في الزمن، ولا أحد يمكنه أن يقف في وجه ترامب، والخلاف مستحكم بين الفلسط-ينيين أنفسهم، وحما-س جرت كل هذا يوم 7 أكتوبر، ودولتنا ليست من دول الطوق، والأهم من المواقف السياسية المساعدات التي تقدمها دولتنا في هدوء، ومصالحنا الوطنية هي الأولى، وتازة قبل غزة، وضحايا الحوز يعانون أكثر من الفلسط-ينيين، والجزائر هي السبب في التط-بيع… وهلم تخريفا، وهلم تخذيلا.
اللهم أبدل حالنا بحال يرضيك، واجعلنا مع الحق دائما أبدا حتى نلقاك، واجعل لإخواننا المعذبين في غز-ة وفي أولى القبلتين فرجا ومخرجا ونصرا عاجلا غير آجل، إنك ولي ذلك والقادر عليه سبحانك.
