منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

شهر التطهير

الأستاذة أمينة جابري

0

شهر التطهير

 الأستاذة أمينة جابري

يقول الله سبحانه وتعالى ” وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ “ خلق الله تعالى الخلق واختار منهم من شاء وما شاء، و خلق البشر واختار منهم الأنبياء ومن الأنبياء اختار سيدهم وأفضلهم سيد المرسلين وإمام المتقين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، واختار من الأمكنة أفضلها مكة المكرمة ليبنى فيها بيته المحرم، فيجعله آمنا سبحانه وتعالى، وخلق الزمان واختار منه الأشهر الحرم الأربعة، ثلاثة منها متواليات وواحد فرد فيقول سبحانه في سورة التوبة:

” إِنَّ عِدَّةَ اَ۬لشُّهُورِ عِندَ اَ۬للَّهِ اِ۪ثْنَا عَشَرَ شَهْراٗ فِے كِتَٰبِ اِ۬للَّهِ يَوْمَ خَلَقَ اَ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٞۖ ذَٰلِكَ اَ۬لدِّينُ اُ۬لْقَيِّمُۖ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ” 36.

خص الله تعالى الأشهر الحرم بالذكر، ونهى عن الظلم فيها تشريفا لها وإن كان منهيا عنه في كل الأزمان. فما هي هذه الأشهر التي لا نظلم فيها أنفسنا؟

جاء في الحديث الذي يرويه أبو بكرة – رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم – خطب في حجة الوداع وقال في خطبته: “إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ذو القَعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان “.متفق عليه.

فأما المتتالية منها ذو القعدة، ذو الحجة ومحرم ثم رجب الفرد الذي يمثل الشهر السابع من الأشهر القمرية. وهي أشهر حرم الله سبحانه وتعالى فيها القتال وليس القتل، وكل ما يغضبه سبحانه. فالواجب علينا أن نحذر من المعاصي فيها لأن المعصية فيها ليست كالمعصية في غيرها والمعصية فيها أخطر وأعظم فجعل الذنب فيهن أعظم كما جعل العمل الصالح كذلك أعظم.

فكان ذو القعدة هو شهرالقعود للإستعداد لأعظم فريضة وهي حج بيت الله الحرام

وأما ذو الحجة فهو الشهر الذي يقوم الحاج فيه بتأدية مناسك هذه الفريضة،

وأما محرم الحرام فهو وقت عودة الحجاج إلى بيوتهم، وهو الشهر الذي نجى الله سبحانه فيه سيدنا موسى عليه السلام من فرعون وملإه.

هذا بالنسبة للمتتابعات، فماذا بالنسبة للفرد أي رجب؟ وما معنى رجب؟

ــ معنى رجب: يقال في اللغة (رَجَبَ) فلانا أي خافه، وهابه، وعظمه.

قال (رجب) الراء والجيم والباء أصلٌ يدل على دعم شيء بشيء وتقويته. (ابن فارس في معجم مقاييس اللغة:445)

ومن هذا الباب: رجبت الشيء أي عظّمتُه ووقرته. وقد عظمته كذلك الشريعة.

وسمي بعدة أسماء نذكر منها :

مضر: لأن قبيلة مضر كانت تبالغ في تعظيمه وتصون حرمته فكأنها اختصت بحرمته أشد من سائر العرب، ولم تبدل اسمه، ولم تكن تغيره بل توقعه في وقته ـ بخلاف باقي العرب الذين كانوا يغيّرون ويبدلون في الشهور بحسب حالة الحرب عندهم، حتى أنهم كانوا يُسمُّون الحرب التي تقع في هذا الشهر «حرب الفجار».

رجب الفرد: «يسمى شهر رجب بـ«الفرد»؛ لأنه انفرد عن بقية الأشهر الحرم، حيث جاءت متواليات وجاء منفردًا.

وسمي بالأصم: لأن فيه تنزع الأسنة من الرماح ولا تسمع قعقعة السلاح ولا صوت النفير للقتال، إنه شهر الهدوء والسكينة.

سمي كذلك الأصب: ففيه تصب الرحمات وأن الله يصب فيه الرزق والخيرات على العباد صبا وتجبرفيه الخواطر المنكسرة.

ــ فلماذا رجب من الأشهر الحرم؟

إنه من الأشهر الحرم لأنه المدرسة التمهيدية التي تؤهلنا للدخول إلى أعظم كلية، في أيامها ليلة خير من ألف شهر تسمى : شهر رمضان، مدة الدراسة فيها من بداية رجب إلى نهاية شعبان، إسمها:لا تظلموا أنفسكم.

فالمطلوب منا في هذه الأيام القلائل أن نراجع أنفسنا ونصحح ما نسينا أو أخطأنا، من طاعة لله عز وجل ورسوله في كل ما أُمِرنا به وما نُهينا عنه، وذلك بتطهيرالقلب واللسان، والتقرب إلى الله تعالى بالدعاء، وبالنوافل، والإكثار من ذكر الله، إننا في شهر الصفاء شهر التطهيرفنجملها فيما يلي :

تطهير القلب:

عن النعمان بن بشير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “…ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ.” صحيح البخاري.

إنَّ صلاحِ الجَسدِ كُلِّه أو فساده أساسه صلاح القَلْبِ أوفَساده؛ فإذا صلحَ القلبُ صلحَت إرادتُه، وصلحَت جَميعُ الجوارحِ، فلا نعمل إلَّا بما يرضي اللهِ جل وعلا، ونجتنب غضبه وسَخَطه، فقَنِعَتْ بالحلالِ عن الحرامِ، وإذا فسَد القلبُ فسَدَت إرادتُه، ففسَدَتِ الجوارحُ كلُّها، وارتضت مَعصية اللهِ عزَّ وجلَّ، وما فيه سَخَطُه، ولم تَقنَعْ بالحلالِ، بلْ أسرَعَتْ في الحرامِ بحسَبِ هَوى القلبِ ومَيلِه عنِ الحقِّ.

فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي الناس أفضل قال” أفضلُ النَّاسِ كلُّ مخمومِ القلبِ، صدوق اللِّسانِ، قالوا، صدوقُ اللِّسانِ نعرِفُه فما مخمومُ القلبِ؟ قال التَّقيُّ النَّقيُّ، لا إثمَ فيه، ولا بغْيَ، ولا غِلَّ، و لا حسَدَ” عن عبدالله بن عمرو المحدث : الألباني، المصدر السلسلة الصحيحة.

إذا أردت أن تكون من أفضل الناس عليك أن تكون تقيا نقيا معنى هذا:

  • أن تكون من أهل التقوى أهل الإستقامة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر. بتجنب غضب الله وعقابه، بالإخلاص له وتوحيده وإفراده بالعبادة، وأداء فرائضه، وترك محرماته، والوقوف عند حدوده، والجهاد في سبيله، والدعوة إلى ذلك، والتواصي بالحق والصبر، هكذا يكون أهله المتقون.
  • أن تكون نقي القلب طاهرا لا إثمَ فيه، ولا بغْيَ، ولا غِلَّ، و لا حسَدَ، لهذا يجب العناية به. ومن أسباب تطهيره التوبة من المعاصي فإنها تمرضه وتقسيه، والإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن وحفظه وتدبرآياته، فمتى صلح القلب وتطهر صلحت الأعمال واستقام اللسان.

العناية بالقلب واللسان، فمتى صلح القلب بمحبة الله والثناء عليه وخوفه ورجائه والإخلاص له وإيثار الآخرة صلحت الأعمال واستقام اللسان، ومتى انحرف القلب عن محبة الله وعن طاعته وعن ذكر الآخرة وعَمَرَ بالكبروالغل والحقد والحسد والشرك والنفاق والعياذ بالله انحرف اللسان وانحرفت الجوارح، وصار القلب أوهن من بيت العنكبوت.

الدعاء: يقول جل وعلا ” وَقَالَ رَبُّكُمُ اُ۟دْعُونِےٓ أَسْتَجِبْ لَكُمُۥٓۖ إِنَّ اَ۬لذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِے سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ “ۖ (60)غافر

نسأل الله المغفرة من كل ذنب اقترفناه في حق أنفسنا، وأن يقبل منا ما قمنا به من أعمال صالحة، فنحن مقبلين على شهر ترفع فيه الأعمال، كذلك نسأله سبحانه أن يبلغنا رمضان جاهزين لأداء هذه الفريضة على الوجه الذي يحبه ويرضى..

ومن الأدعية التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر في دعائه في جميع أوقاته “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”.

الكف عن ظلم النفس:

يقول الله عز وجل:” يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا “ عدم ظلم النفس بالوقوع في المعاصي صغائرها وكبائرها والتقصير عن الطاعات وظلم الآخرين بأكل حقوقهم فلنبادر برد المظالم إلى أهلها والعزم الصادق على عدم العودة إليها لقوله صلى الله عليه وسلم “من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ” خرجه البخاري.

التقرب إلى الله بالطاعات بالنوافل: الإكثار من النوافل من صلاة وصيام وصدقات وإنفاق في سبيل الله وما إلى ذلك مما يجبر ما انتقص من الفرائض، و الإبتعاد عن القيل والقال وكثرة السؤال مع المحافظة على الفرائض والواجبات، وأن نتوب إلى الله إنه هو التواب الرحيم.

هذه بعض الخطوات تعيننا على الإبتعاد عن ظلم النفس وظلم الغير فإن الظلم ظلمات يوم القيام ولا يهلك إلا القوم الظالمون، للوصول إلى درجة الإستقامة، استقامة دائمة دوام بقائنا في الحياة الدنيا فننال شرف المبشرين بالجنة الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.