رسالة العلماء بين القرآن والسلطان
بقلم: الدكتور محماد رفيع
لقد من الله تعالى على أمة الإسلام إذ بعث فيها خاتم الأنبياء والمرسلين رحمة للعالمين وهداية لخلق الله أجمعين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، واستأمن على هذه النعمة العظمى والمنة المثلى من بعده عليه الصلاة والسلام ورثته من علماء الأمة ودعاتها الذين يمشون في الأمة بهدي القرآن وينيرون لها طريق الحق بالبرهان، وبوأهم مكانة متميزة في كثير من آي القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة، وهذه المزية أهَّلتهم لكي ينوبوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبليغ والبيان، تقديسا لأمانة العلم التي طوق الله بها أعناقهم، بما أخذه عليهم من ميثاق على البيان ونفي الكتمان في قوله سبحانه: “وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه “(آل عمران:187).
فما زال العلماء ملاذ السائلين عما لا يعلمون من دين الله القويم ائتمارا بقول الله تعالى: ” فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”( النحل:43)، ومرجع الاحتكام عند التنازع فيما أشكل من شرع الله واشتبه، عموما لا خصوصا ، مصداقا لقول الله تعالى: “ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم”( النساء:82)،
فورثة الأنبياء من العلماء ظلوا في الأمة بحق محل قدوة وقيادة لحركة التصحيح الدائمة في الأمة دفعا لانتحال المنتحلين ومقاومة لأهل التحريف وفلول الزيغ المبطلين على اختلاف صورهم وتلون مناهجهم.
هكذا جعلت الشريعة منصب العلماء في الأمة تربية وتعليما وتوجيها وتقويما صمام أمانها وضمان استقامتها على هدي الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا غرو أن تشتد حاجة الأمة إلى علمائها الصادقين في زمن المحن وعند اشتداد الفتن ليستبين الناس منهم الحق؛ فيعرفونه وينصرونه، ويميزون الباطل؛ فيدفعونه فإذا هو زاهق.
1- افتراق القرآن والسلطان:
ظل العلماء الصادقون أوفياء لأمانة الوراثة النبوية قائمين لله شهداء بالقسط، فالتفت الأمة حولهم أفرادا ومجتمعات؛ لما ألفوا فيهم من ملاذ مرجعي آمن يقصدونهم كلما حزبهم أمر من أمور الدنيا والدين في السرائر والشدائد استهداء واسترشادا؛ فتستكين بأجوبتهم النفوس، وتستقر بأنوار فتاواهم الأحوال، لا يصدهم عن ذلك ظلم الظالمين ولا فساد المفسدين وفتنة الفاتنين، خصوصا بعد افتراق أهل السلطان عن أهل القرآن، والتفاف ديدان القراء حول سلاطين الطغيان يكيلون لهم الفتاوى حسب ما يشتهون، فتمايز الفريقان فريق يميل بعلمه حيث مال الحاكم بأمره، وفريق آثر الثبات على الوراثة النبوية تربية للأمة وتعليما وقياما بالقسط. فكان منهم الشهيد والسجين والطريد فما بدلوا وما غيروا، بل واصلوا طريق الإرشاد والإصلاح والتوجيه في الأمة في كل أحوالها الاضطرارية والاختيارية، ويأبى الله إلا أن يزداد الفريقان تزايلا وتمايزا في الزمن المعاصر بفعل وفضل ما ساقه الله من أحداث وأهوال جسام( الربيع العربي، معركة طوفان الأقصى )، حيث اصطف ديدان القراء إلى جانب الظالمين المستبدين الذين يسومون الأمة سوء العذاب ظلما وقهرا، فاختار أهل الرشد من العلماء الوارثين في تلك اللحظة العسيرة احتضان الأمة توجيها وإرشادا، وتنبيها، ومشاركة في الميدان، من خلال بيانات الهيآت العلمائية التي توالت وهي تواكب ما يجري في الأمة، ومن خلال المواقف الميدانية للعلماء في مختلف الأقطار، أشعروا الأمة وطمأنوها أنها على الحق وأنهم حماتها. غير أن الأنظمة الاستبدادية عبر التاريخ ظلت تعمل بكل استماتة على استمالة العلماء عن طريق الاحتواء والإغراء من أجل توظيفهم في مساندة وتسويغ استبداد تلك الأنظمة، أما من آثر من العلماء أن يحافظ على استقلاله عن السلطة الزمنية في قول كلمة الحق، وفاء لمقتضى ميراث النبوة؛ فإنهم يعرضون للتهميش والتهديد، والحصار، وغيرها من ألوان النفي والإقصاء، كما هو المعهود في الجانب المظلم من تاريخنا الإسلامي، وواقعنا المعاصر.
أمام توالي المحن والأحداث الجسام في الأمة محليا وإقليميا، برزت أهمية العلماء ومواقفهم ومواقعهم مما يجري، فظهر من جديد صنفان متمايزان من أهل العلم، امتدادا لما حصل في سابق العهود من التاريخ: علماء السلطان وعلماء القرآن، فعلماء السلطان هم صنف من أهل العلم الشرعي الذين اختاروا رغبة، أو أذعنوا رهبة اتباع السلطان المفارق للقرآن شرعية وسياسة، وقد وصفهم الله تعالى في كتابه، حين قال:
– “يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب”(آل عمران 77).
– “يحرفون الكلم عن مواضعه لموافقة خيار السلطان، لقوله تعالى:” يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين”(النساء.45)
– يزينون منكرات المستبدين كما كانت تفعل سحرة فرعون، مصداقا لقول الله تعالى: ” أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا”(فاطر.8).
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم في سنته من هؤلاء، فقال فيما أخرجه الترمذي وصححه، والنسائي، والحاكم وصححه، قال رسول الله ﷺ: «سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه، وليس بوارد عليَّ الحوض. ومن لم يدخل عليهم، ولم يعِنْهم على ظلمهم، ولم يصدقهم بكذبهم، فهو مني، وأنا منه، وهو وارد عليَّ الحوض”، وفيما أخرجه ابن كثير في مسند الفاروق عن عمر بن الخطاب: “أتاني رسول الله ﷺ وأنا أعرف الحزن في وجهه، فأخذ بلحيته، فقال: “إِنّا لِلَّهِ وَإِنّا إِلَيهِ راجِعون، أتاني جبريل آنفًا، فقال لي: إن أمتك مفتَنة بعدك بقليل من الدهر، غير كثير، قلت: ومن أين ذلك؟!، قال: من قِبَل قرَّائهم وأمرائهم، يمنع الأمراء الناس حقوقهم، فلا يعطونها، وتتبع القرَّاء أهواء الأمراء”.
2- علماء القرآن ناصحون ومصححون:
واجب النصح واجب ديني شرعي، وهو للحاكمين أوجب وآكد، له شروطه وضوابطه وآدابه ، ومحاولة إلغائه وتعطيله أو التقليل من أهميته، إضرار ومس بالدين، عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام مسلم ( في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المومنون، رقم الحديث:95)، عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ؛ لذا انبرى العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم للأمر ووقفوا في وجه الحكام الظلمة فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، ومن مشمولات النصيحة تصحيح الأخطاء وتقويم الانحرافات بمقتضى الحديث المرفوع “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين”( مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد، كتاب العلم، الحديث رقم: 86 ).
فالنماذج التي وثقتها كتب التراجم والأعلام في القيام بواجب النصيحة عديدة ومعروفة، فمن أوائل من قام في وجه الحكام الإمام الحسين رضي الله عنه ضد يزيد، وسعيد بن جبير في وجه الحجاج الثقفي حتى قتله، وطاووس اليمني أمام هشام بن عبد الملك. وما نزل بأئمة المذاهب الأربعة، والغزالي والعز بن عبد السلام، وابن تيمية وأبو إسحاق الشاطبي، والمفسر القرطبي والقاضي عياض، وبعدهم العلامة المحدث أبو الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني، وعبد الحميد بن باديس، وعبد الله كنون، والمختار السوسي، وشعيب الدكالي، وعلال الفاسي، والطاهر بن عاشور، والعلامة جسوس، وعبد السلام ياسين…، وغيرهم كثير. فقصة هؤلاء الأئمة الأعلام مع الحكام تثبت وتؤكد افتراق القرآن والسلطان، ولا يتسع المقام لذكر ما يحفظه طلبة العلم قبل العلماء من نصوص قرآنية وآثار نبوية تحض على النصح للحكام، نذكر من ذلك:
– “إنما يخشى الله من عباده العلماء”(فاطر.28)
– “الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله”(الأحزاب.39)
– “إن العلماء هم ورثة الأنبياء، ورثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقا يطلب به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة”( ذكره البخاري في صحيحه في كتاب العلم: باب العلم قبل القول والعمل).
– “أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطانٍ جائر” مسند الإمام احمد، رقم الحديث:11143.
– “إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا”(صحيح البخاري، باب كيف يُقبض العلم، رقم الحديث:)100 ).
3- علماء القرآن مُبلغون وبالحق صادعون:
أخذ الله الميثاق على العلماء أن يُبينوا للناس ما نزل إليهم من ربهم، والحكام من الناس بل من أولى الناس بالبيان والمعرفة ، وأولى الناس ألا يقدموا على أمر حتى يعلموا حكم الله فيه، والنصح والإرشاد والتوجيه من البيان، وما يؤكد لزوم المبادرة والإسراع إلى نصحهم، أثر فعلهم وسياستهم في الأمة حاضرها ومستقبلها ودينها وثوابتها، وكتمان العلم والبيان مع القدرة يعرض صاحبه للجام من نار يوم القيامة، والسكوت عن البيان غش للأمة وخيانة لله ورسوله خاصة إذا ترتب عليه ضياع للحقوق وأكل للأموال ومس بالأعراض.
إن الدعوة إلى تعطيل النصح للحكام والمشاركة فيه وقبوله والرضى به تبخيس وحط من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح للحكام إرادة للخير، وهو إما أمر بمعروف أو نهي عن منكر يلزم منهما صلاح المنصوح، ولقد أوجب اللعنة على بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم بسبب تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وما كانت أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس إلا لأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أن تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجلب العذاب والعقاب لصاحبه، كما أنه يمنع إجابة الدعاء، فعن حذيفة بن اليمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم ” (مسند الإمام أحمد، مسند الأنصار، حديث حذيفة بن اليمان، رقم الحديث:23301 ).
4- علماء القرآن مُنَزَّهون عن الطعن في العلماء العالمين:
إن استهداف العلماء العاملين بسبب نصحهم ووعظهم للحكام والطعن فيهم بتوجيه مختلف التهم مثل: سوء الأدب مع الحكام، حب الزعامة و الرئاسة، و سوء التقدير، و الجهل بالواقع و أحواله و بث الفتنة بين الناس… هذه التهم و الأحكام لا تستقيم حينما يتعلق الأمر بأئمة أعلام و قامات كبيرة ملأت أسماؤها فضاء العلم و تاريخه، و قد شهدت لهم الأمة بالفضل و الصلاح و الولاية و الخير، فمجرد النطق بأسمائهم ينفي عنهم التهم و الشبهات، و منهم القاضي عياض و أبو بكر بن العربي، و الحسن اليوسي… فالتعريض بهم بسبب نصحهم لله و لرسوله و للمؤمنين يعتبر زلة ومنقصة وخطأ فادحا، فقد استرخصوا أرواحهم في سبيل الله بالصدع بكلمة الحق و الرغبة في إصلاح الأمة، وقد نال بعضهم الفوز بالشهادة بل كتب له أن يلحق بسيد الشهداء .
إن الطعن في هؤلاء الأعلام طعن في أئمة المذاهب الأربعة، فجميعهم تعرضوا للإيذاء والتعذيب والتنكيل، وهو طعن في القرآن والسنة حيث أوجبا على أهل العلم النصح للحكام، وهو مس بمقام وراثة النبوة، إن هؤلاء الأعلام لا يضرهم أبدا أن يتجاسر عليهم متجاسر لأجل نزوة أو إرضاء لحاكم.
وختاما فإن منصب أهل العلم سام وراق عند الله وعند الأمة ما داموا أحرارا ومستقلين عن أي هيمنة أو وصاية تمنعهم من قول كلمة الحق والنصح، والواجب الزمني أن نعينهم على حفظ حريتهم واستقلاليتهم.