صناعة الحياة بين صناعة الموت وصناعة التاريخ
صناعة الحياة بين صناعة الموت وصناعة التاريخ/ ذ. عبد الله وخلفن
صناعة الحياة
بين صناعة الموت وصناعة التاريخ
بقلم: ذ. عبد الله وخلفن
قد نصادف في قراءاتنا المتنوعة مصطلحات ومفاهيم ذات دلالات متنوعة وثرية، تحتاج منا إلى وقفات وتأملات لاستيعاب مفهومها مستقلة ومسندة حين تنزيلها في سياق ما، يلبسها حمولة ذات ابعاد حسب أهداف الكاتب منها. من ذلك المصطلح الذي نحن بصدد تناوله في هذه السطور، نقف عنده لإزالة الغبش الذي قد يعتري بعض الأفهام، وفي هذا السياق نتساءل: ما معنى صناعة الحياة ؟ هل هي صناعة الموت أم صناعة التاريخ ؟ ما المقصود بهاته التعابير المختلفة شكلا والمتقاربة معنى؟ في هذا المقال سنحاول معالجة هذا الموضوع والإجابة على بعض أسئلته من خلال الفقرات والمحاور التالية:
مقدمة: التكريم الإلهي للإنسان
إن المتأمل في هذا الكون الفسيح، ومايضمه من مخلوقات، تمتلكه الدهشة وتشمله الرهبة، ذلك لأن المخلوقات كلها تخدم الإنسان وتطوف حوله من قريب أو بعيد، فبالرغم من تعددها وتنوعها فهي مسخرة لهذا الكائن البشري الذي يتسنم ذروتها، ويتواجد على رأس هرمها، فهو بحق سيدها ومولاها، نعم،لقد سخر الله هذا الكون ببعديه الزماني والمكاني، وما يموج ويروج فيهما لمصلحة الإنسان، قال تعالى: ” الم تر أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الارض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة” لقمان: 19. وقال تعالى مشيرا إلى تسخير الزمن ببعديه الليل والنهار:” وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون” النحل: 12. هنا يتجلى تكريم الله للإنسان وتفضيله عن سائر المخلوقات التي خلقها من جماد ونبات وحيوان، وأكثر من ذلك لقد فضله حتى على الملائكة، فقد أمر ملائكته بالسجود له حين خلقه، وطرد إبليس من رحمته بسب إنكباره وامتناعه عن السجود لآدم.قال تعالى:” قال فاخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ” الحجر: 34/35.هذه بعض مظاهر التكريم وليست كلها، يقول تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”الإسراء: 70.
ترى ما وظيفة هذا المخلوق الذي سخر له كل شيء ؟
وماذا يريد منه خالقه؟
إن وظيفة الإنسان بالبيان الإلهي هي عبادة الله تعالى. قال عز من قائل:” وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون” الذاريات 56/ 57. فغاية خلق الإنسان إذن هي تحقيق عبودية الخالق جل وعلا في هذا الكون، بالطريقة التي ترضيه سبحانه، في السر والعلن، في المحيا والممات، قال تعالى: ” قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العلمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين” الآنعام: 164/ 165. إنها مهمة صعبة ولا شك، لأنها تتطلب تكييف الحياة ومرادَ الله تعالى في مختلف مجالات الحياة، وهذا يستلزم مما يستلزم اقتحام مجالات الحياة، بمختلف تجلياتها بصبر وحكمة في الجانب المعرفي والسلوكي والحركي،لإشاعة نور الله في الآفاق، ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور، من أجل تحقيق الخلافة والاستخلاف الذي كلف به، ليعم العمران الأخوي الموسوم بالأمن والسلام والعدل والاحسان. السعي من أجل تحقيق مثل هذه الحياة الطيبة على كوكب الأرض، هو ما سماه بعض الدعاة بصناعة الحياة.
فما معنى صناعة الحياة ؟
وما هي الضوابط اللازمة لتحقيقها؟
مفهوم صناعة الحياة:
صناعة الحياة مركب إضافي، يتضمن المسند ( صناعة) والمسند إليه (الحياة)، وسمي المسند بصناعة إشارة إلى كونها مكتسبة غير موهوبة، وتحتاج إلى ما تحتاجه كل صناعة من علم مسبق ومهارة فنية، وتخطيط وجهد وأدوات وظروف، وتدافع ومخالطة، أما الحياة فالمقصود بها إسلامية، وهي معرفة غير نكرة، بشروطها وضوابطها ومستلزماتها، وبمعنى آخر: السعي والاجتهاد من أجل إيجاد حياة لحمتها وسداها الإسلام، لتحقيق العبودية لله تعالى.
ألّف الشيخ محمد أحمد الراشد[1] كتابا تحت عنوان ” صناعة الحياة”. ضمّنه تصوره لمعنى صناعة الحياة، قال رحمه الله في تقديم الكتاب:” تسميتنا لهذه النظرية بصناعة الحياة تعني أننا ننظر إلى إدارة الحياة على أنها (صنعة ) لها فنونها الخاصة وتجوده الخبرة المكتسبة إذا تراكمت، كمن يشتغل حداداً فتجب عليه الإحاطة بخصائص الحديد، أو نجاراً فتلزمه معرفة أنواع الخشب، فكذلك نحن نريد تسيير الحياة كلها في تيار واحد، بما فيها من بشر وعلاقات وأموال وعلوم وفنون، لنجعل هذا التيار يصب في الوادي الإسلامي “[2]. ولبيان الطريق الذي يجب سلوكه من أجل الوصول إلى مواقع التأثير يقول رحمه الله: ” الإمساك بزمام الحياة يستدعي نزولا إلى الساحة بأفق حضاري شامل، فيه إصلاح للأدب وبناء للاقتصاد وحيازة للمال وسيطرة على العلوم ونفاذ إلى مراكز القوة في كل قطر على مدى عالمي “[3]. وعلى هذا المنوال يوضح الكاتب أن ميدان صناعة الحياة يشمل كل المجالات وينفتح على كل المواقع من أجل التأثير، ويلوم بعض الدعاة الذين يحصرون المواقع المستهدفة، ولا ينفتحون على الواقع المعاصر. وبين أخيراً أن هدفه من هذا كله هو التمكين للحياة الإسلامية. وقد ختم الكاتبكتابه بجملة ملخصة لهدفه مستهدفا بها دعاة الإسلام بقوله: “أوصيهم بتقوى الله تعالى،أوصيهم بصناعة الحياة…”[4]
صناعة الموت:
وقبل أحمد الراشد، الذي حدثنا عن صناعة الحياة،كان حسن البنا رحمه الله يحدث الإخوان عن صناعة الموت، أي أنه يحرضهم على الجهاد في سبيل الله، خاصة في بلاد فلسطين التي بدأ الاستيطان اليهودي يتمدد فيها كما يتمدد السرطان في الجسم، لقد كتب مقالا في مجلة النذير يتحدث فيها عن صناعة الموت قائلا: ” فالموت صناعة من الصناعات من الناس من يحسنها فيعرف كيف يموت الموتة الكريمة، وكيف يختار لموتته الميدان الشريف والوقت المناسب فيبيع القطرة من دمه بأغلى أثمانهاويريح بها ربحاً أعظم..إلى أن قال: ومن الناس جبناء أذلةجهلوا سر هذه الصنعة وغفلوا عن مزاياها وفضائلهافمات كل واحد منهم ألف موتة ذليلة…وقضى ولا ثمن له وأهدر دمه ولا كرامة”[5]. وحديثه رحمه الله عن صناعة الموت لا يعني سوى الجهاد في سبيل الله الذي أمر الله به المسلمين، ويتضح هذا في رسالته الأخرى التي عنونها بالجهاد في سبيل الله،بين فيها أهمية الجهاد بمقاتلة الأعداء بكل الوسائل المتاحة، رسالة متميزة أورد فيها أدلة كثيرة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، بين فيها حكم الجهاد لدى فقهاء المذاهب الفقهية المختلفة، ليخلص إلى القول بأن الجهاد في سبيل الله فرض على الأمة الإسلامية من أجل إعلاء كلمة الله. وذكّر من يتحايل على الجهاد بالسيف ويخاف من الموت، بأن لاشيء يساوي عند الله تعالى القتال في سبيل الله، ولذلك يعتبر الجهاد ذروة سنام الإسلام. وعاد مرة أخرى ليذكر بأهمية صناعة الموت عن طريق الجهاد في سبيل الله فقال: ” إن الأمة التي تحسن صناعة الموت، وكيف تموت الموتة الشريفة،يهب الله لها الحياة الشريفة في الدنيا، والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم، واحرصوا على المو ت توهبْ لكم الحياة”. ولذلك كان من شعار جماعة الإخوان:” الموت في سبيل الله أسمى أمانينا”[6].
صناعة التاريخ:
وجاء بعد حسن البنا رحمه الله الإمام عبد السلام ياسين الذي قال بعد حديثه عن صناعة الموت معلقاً:” ونضيف نحن أن هناك صناعة أخرى في نفس المستوى من الضرورة وهي صناعة التاريخ “[7]. وقصده رحمه الله أن لايكون هم المؤمن بذلَ النفس فحسب في سبيل الله رغم أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، ولكن بموازاة مع ذلك ترك الأثر، والإسهامُ في بناء الدولة الإسلامية، لارتباط الخلاص الفردي بالخلاص الجماعي،والحياة الدنيا بالآخرة،وباستحضار مصلحة الأمة إلى جانب مصلحة الفرد، في مضمار تدافعنا مع الباطل.يقول رحمه الله: ” فاهتمام النصير والمهاجر والنقيب يجب أن ينصب حول مصيره عند الله فيعمق إيمانه وشوقه، ويعد حياته ليبذلها عند الحاجة في سبيل الله..لخدمة بناء الدولة الإسلامية، مصير المؤمن المقبل على الله حقا، لاينفك عن مصير أمته، هم ما بعد موته لاينفك عن هم انتصار دين الله واستمراره.” [8].
وللدكتور طارق السويدانبرامج متنوعة، بل مؤلفات متخصصة حول صناعة النجاح،كما للداعية المصري عمرو خالد، برنامج مشهور تحت عنوان ” صُنّاع الحياة”، ولغيرهم من العلماء والدعاة إسهامات كثيرة تصب في هذا الاتجاه،ولا مشاحة في الألفاظ كما يقال، فمهما تعددت الألفاظ وتنوعت، فالمقصد واحد، وهو إعادة الإسلام إلى مجالات الحياة المختلفة، بإيقاظ الأمة من كبوتها ومن الغفلة التي تهيمن على حياتها، مما جعلها تتبوأ المراتب الدنيا بين الأمم في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والصناعي والثقافي، والطريق إلى استئناف الحياة الإسلامية ليس مفروشا بالورود وليس بيد شخص أو جماعة أو حزب،بل هي مهمة شاقة تضطلع بها كل النخب المهمومة بهم الأمة، بل كل الغيورين، كل من موقعه، وحسب طاقته وهمته وإرادته، باقتحام كل ميادين الحياة ودروبها من أجل الانتقال بالأمة من موقع الانتظار والذيلية والاستهلاك، إلى مواقع المبادرة والاقتحام والفعل الإيجابي، نحو المستقبل الواعد. الأمر جلل ولا شك، لن يتأتى بموقف هنا وحركة هناك، إنها الصناعة كما سماها العلماء، تحتاج إلى فكر وتخطيط وأدوات وجهد متواصل وتعاون على امتداد أزمنة متعاقبة، ومبادرات متنوعة، تتأرجح بين النهوض والسقوط بين الفشل والنجاح، إلى أن يأذن الله، ولن يكتب النجاح إلا لمن واصل الطريق وتحمل المتاعب، وعبأالطاقات والجهود..
تعميق الرؤية:
لعل أكبر التحديات التي تواجه الحركات الإسلامية الجادة ذات الرؤى التغييرية، والتي من أهدافها السعي للنهوض الحضاري، هي كيف تتمكن من تكسير هذه القيود التي طُوقت بها، وتخلصها من الهامشية التي تعيشها مرة عن جهل وأخرى عن علم، من أجل اقتحامها لمجالات الحياة المعاصرة، والتسلل للمواقع والإنسياب اللطيف لإحداث تغييرات تتماهى وشرع الله بلا ضجيج ولا عجلة من الأمر، وهذا الذي سماه البعض أسلمة الحياة أ و تخليق الحياة للقيام بوظيفة العبودية لله تعالى على مسرح الحياة. والعالم اليوم يعج بأفكار غريبة وحضارات عجيبة، أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها منحرفة في كثير من جوانب الحياة عن المحجة البيضاء، وعن الفطرة السليمة. فلم يعد همها البناء والتشييد فحسب، بل الهدم كذلك من أغراضها خاصة في المجال الأخلاقي والإنساني. وموقع المسلمين من هذا الذي يروج ويموج لا يكاد يذكر، مما يجعل مهمة الصناعة والتغيير أمراً صعباً،بل مستحيلا عند البعض إلى درجة أنه لم يعد يفكر في التغيير، بل هو مستسلم وقانع بموقع التبعية والذيلية، مما جعله ينسحب من الواقع ويرضى بالمظاهر والطقوس. غير أن المؤمن المتسلح بالإيمان العارف بالسنن، لايحجبه الواقع ولا الأفكار عن الوثوق بموعود الله، الذي ينتظر المؤمنين، قال تعالى: “ولينصرن الله من ينصرهإن الله لقوي عزيز” الحج: 40. وقال سبحانه:”وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لايشركون بي شيئا ” النور:53. فمتى تحقق الشرط حصل الجواب، والعمل المطلوب في هذا الإطار هو على مستويين كبيرين، لايجوز أن يشغلنا أحدهما عن الآخر، فبالإضافة إلى التغلغل في الحياة واقتحام المواقع المختلفة لإشاعة العدل والاحسان الربانيين بين البشر،كثمرة من ثمار الإيمان، ومقاومة الانحراف برفق لتحكيم شرع الله، بالإضافة إلى ذلك فلابد من بذر البذور ورعايتها والإشراف على عملية الإنبات والنمو داخل الوحدات الصغرى للمجتمع؛ ألا وهي الأسر المسلمة، فهي المحاضن الأساسية لإرساء اللبنات الأولى لصرح الإسلام، وهي الضامنة للمحافظة على القيم ونقلها بين الأجيال.
وأعتقد أن نقطة البدء هنا تكمن، فلابد من العودة إلى الذات ومصارحة النفس، بل محاسبتها ومساءلتها وفق المنهج القرآني:”إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” الرعد: 12. من أجل التخلي قبل التحلي فالتجلي، ومن أجل اكتساب المناعة اللازمة لحماية المؤمن من الأذى الذي يمكن أن يلحقه أثناء المخالطة والمدافعة فالمزاحمة… إن صناعة الحياة وفق متطلبات الشرع، لايدرك بالأماني المعسولة ولا بالنيات الطيبة فحسب، ولا بالتعالي عن الواقع ومفاصلته، الأمر يحتاج – بعد توفيق الله تعالى والتجرد من حظوظ النفس – إلى تخطيط مسبق، ورؤية متزنة، ونفس طويل، وشمول وواقعية،وصبر على الأذى، وهذا كله بدوره يستلزم العلم بالشرع الحنيف من جهة كمضامين وصُوى، وبالواقع من جهة أخرى كأوعية للتنزيل، أما التوغل المطلوب فهو على المستوى العمودي لضمان الاستمرارية والبناء وتجنب الثغرات والتوقفات، وعلى المستوى الأفقي باكتساب التوازن وتجنب التبعيض، مما يعني من كل هذا أن الصناع عديدون بتعدد المواقع والأهداف، من أقربها إلى أبعدها، ومن أبسطها إلى أعقدها، في كل دروب الحياة، يسهم في ذلك كل الفاعلين بلا استثناء، في مجال العلم والتقانة والإقتصاد والأدب والإجتماع والسياسة والدين والفنوالأمن وغيرها، يتم ذلك بخطى متئدة ومتدرجة، مستنيرة بفقه الأولويات والموازنات لأن الأعداء والمعيقات كثيرة ومتنوعة.
فقه المخالـــطة:
من السنن الإلهية المؤصلة بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله الكريم،سنة التدافع بين بني الإنسان، قال تعالى:”ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض” البقرة: 149. لقد ربط الحق سبحانه الفساد في الأرض بعدم التدافع بدليل مفهوم المخالفة، أي التدافع بين الحق والباطل بين الشر والخير، فإذا انسحب أصحاب الحق والخير من الواقع وتركوه لغيرهم، فلا يمكن أن ننتظر إلا نشر الفساد في البر والبحر، وفي الحديث الذي رواه ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لايخالط الناس ولا يصبر على أذاهم”[9]
وزيادة في تأصيل اتجاه المخالطة نقول: إن كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين بعثوا في أقوامهم المفسدين، ما كانوا ليحققوا نصراًبنشر دعوتهم في صفوف أعدائهم،لولا مخالطتهم لأقوامهم،وكثيرا ما تحول الأعداء بتوفيق الله إلى جنود مناصرين لدعوات الرسل، كنتيجة بارزة لمخالطتهم لهم..
ومقابل هذه الرؤية التي تدعواْ إلى المخالطة والانفتاح على الواقع نجد من العلماء من يدعوا إلى مقاطعة الواقع الذي لايطبق فيه شرع الله خاصة في بلاد الكفر، ويرون أن التعامل معه هو تزكية له، ومساهمة في تثبيته، واعتراف به بطريقة أو بأخرى، كما أن مخالطة الباطل وأهله يمكن أن يلحق بنا أذى كثيرا، وقد يلحق بإيماننا ضربات موجعة، قد تنتهي – لاقدر الله- بذوباننا فيه، خاصة وصولة الباطل قوية، وتياره جارف. واجتنابا لهذه المخاطر المتوقعة، وفرارا بديننا، تجب مفاصلة الواقع الفاسد إلى أن يأذن الله ويكثر جند الله القادرين على خوض المعركة مطمئنين بنصر الله حسب هذا الطرف.
والوقع أن كلا الطرفين لايفقدان الدليل من المنقول ومن المعقول، والموقف السليم – والله أعلم- يكمن في الجمع بين التصورين في نظر أكثر أهل العلم، وخلاصة ذلك: المخالطة مشروعة ومؤصلة، لكن لها ضوابط وشروط لابد من التزامها لكي تثمر، كما أن المفاصلة والمقاطعة مشروعة ومفيدة في بعض الحالات، تفيد المقاطعة إذا لم نأمن مكر العدو وهجومه المباغت علينا في مواقعنا، وتجوز أيضا إذا قصدنا من ورائها التأديب، كما أنها واجبة في جوانب الشر إلزاما ولو كان الثمن باهظا، مالم يكن في الأمر مجال للاجتهاد والرأي..
ولقد تحدث سيد قطب رحمه الله عن هذه المخالطة المشروطة فسماها العزلة الشعورية، نتدافع مع القوم بأجسادنا وحركاتنا ونتنافس معهم المواقع، لكننا لا نخالطهم بشعورنا وتصوراتنا وعواطفناالتي تنبع من مبادئنا أساسا، وتبقى مستعلية استعلاء الإيمان على الكفر، ومما قال رحمه الله: “المخالطة مع التميز، والأخذ والعطاء مع الترفع،والصدع بالحق في مودة،والاستعلاء بالإيمان في تواضع” [10]. هدفه من مثل هذا التصور هو لتجنب الذوبان والانهزام أمام الكافر القوي بما يملك من وسائل وإمكانيات.ولقد أول الأعداء كلام الرجل فقولوه ما لم يقل. ولعل العبارة السابقة تبين المنهج الدعوي للرجل بما لايدع مجالا للشك والمتشككين.وقد اختار الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله اللفظ القرآني والنبوي: ” الزيال” مقتبسا له من قوله تعالى: “فزيلنا بينهم”. يونس:28. وورد أيضا في حديث عند اشتراط الرسول عليه السلام، على أعرابي[11] أن يزايل الشرك في بيعته. قال ياسين رحمه الله: “يعبر الكتاب الإسلاميون عن التمييز الواجب عن الجاهلية وبيئة الفتنة بكلمتي تميُّز أو مفاصلة، ونفضل لفظ الزيال الذي ورد في الحديث بهذا المعنى وهو لفظ قرآني أيضا”[12].
ومهما اختلفت المصطلحات فالمرمى واحد وهو التحذير من الارتماء في أحضان العدو قبل امتلاك المناعة اللازمة التي تقي من الذوبان في ساحته، وأيضا عدم مفاصلته ومقاطعته وإخلاء كل المواقع له بحجة انتشار الفساد أو بحجة التطهر وعدم التدنس، فالمطلوب المخالطة والاقتحام وعدم الانسحاب، ولكن لابد من استحضار بعض المبادئ والقواعد العامة التي أثلها علماء المقاصد لأنها ستعين في الباب من مثل: “درء المفاسد أولى من جلب المصالح” وقولهم: ” الضرر يزول” و” الضرورات تبيح المحظورات” والضرورة تقدر بقدرها”. لأن الاحتجاج بها على سبيل الإطلاق وبلا حدود ستترتب عليها أخطار وأخطاء، لغياب التوازن بين قوى الشر وقوى الخير، وهذا مما يستدعي التفقه على سبيل التخصص في السياسة الشرعية وفي علم المقاصد خاصة، في موضوع فقه الأولويات لمعرفة الأهم من المهم، لنعطيها ما تستحق من اهتمام في الوقت المناسب بالكيفية المناسبة، وهذا الفقه بدوره مرتبط تمام الارتباط بفقه الموازنات الذي يمكننا من الموازنة بين المفاسد فيما بينها وبين المصالح فيما بينها، أو بين المفاسد من جهة والمصالح من جهة أخرى، والترجيح بين طرفي الموازنة أية موازنة يحتاج إلى فقه الشرع ومقاصده، وكذا فقه الواقع ومطالبه، للوصول إلى الموازنة السليمة.
خاتمة: عود على بدء:
موضوع صناعة الحياة موضوع جدير بالمعالجة من مختلف الزوايا والرؤى، لمواجهة الواقع الفاسد الذي يزحف على ماتبقى عند المؤمن، موقعا موقعا، فلم يعد يفيد الهروب من الواقع، ولا الوقوف في خطوط الدفاع، بعد ما تم الخرق لأهم الخطوط، الأمر يستوجب أولا إرادة فخطة وبرمجة شاملة محكمة تشخص الواقع أولا ثم تضع برنامج عمل إجرائي، يتضمن القيام بالمبادرات للنفوذ إلى مختلف المواقع، ولن يتم النجاح إلا بتحريك كل الصناع أو على الأقل جلهم، ويتقاسم الجميع المسؤوليات اللازمة مع التحلي بالصبر على مشاق الطريق، فعلى قدر نبل الأهداف يكون الثمن، كل ذلك من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل، للقيام بوظيفة العبودية التي من أجلها خلق الإنسان، على أحسن وجه وإلى درجة الإحسان، والله المستعان.
والحمد لله رب العالمين.
[1]) مفكر عراقي اسمه الحقيقي : عبد المنعم صالح العلي العزي، منظر للحركة الإسلامية وعضو جماعة الإخوان في العراق له مؤلفات كثيرة توفي في ماليزيا بتاريخ: 27 غشت 2024 م. انتقل إلى ما ليزيا بعد مضايقات كثيرة من طرف بعض الأنظمة العربية.
[2]) محمد أحمد الراشد، صناعة الحياة دار المنطلق دبي ط: 1 / 1989. ص: أ – ب .
[3]) المرجع السابق، ص: د.
[4]) نفس المرجع، ص: 124 .
[5]) حسن البنا، مجلة النذير عدد 18 السنة الأولى 2 شعبان 1357 من ص: 3 وما بعدها.
[6]) حسن البنا وآخرون، الجهاد في سبيل الله ، كتاب جماعي، الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية، ص: 92.
[7]) عبد السلام ياسين،المنهاج النبوي،ط: 2. 1989 .ص: 43
[8])المرجع السابق ، ص: 43
[9]) أخرجه ابن ماجه(4032( وأحمد (5022)، والترمذي(2507). وهو صحيح على شرط الشيخين.
[10]) سيد قطب،معالم في الطريق، دار الثقافة، الدار البيضاء ط: 8 . 1983 . ص: 176 . انظر أيضا ص: 178 .
[11]) هو لقيط بن عامر، قال:قلت يارسول الله على ما أبايعك؟ فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال:”على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال المشرك، وأن لاتشرك بالله إلها غيره” ابن القيم الجوزية،زاد المعاد،ج : 3 ص: 563.
[12]) ياسين، المنهاج النبوي،م س ، ص: 259 .