منذ نزل القرآن الكريم إلى الناس، وهو قطب الرحى في الصراع الدائر بين دعاة الإسلام وأعدائه، لم يهدأ بال ولا سكن حال في أي وقت من الأوقات لكل من نصب نفسه محاربا لهذا الدين العظيم. ففي كل عصر وزمن تجد الهم المؤرق والشغل الشاغل لهؤلاء، أن يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى صلب القرآن ليهدموا أركانه، ويسقطوا أعمدته حسب زعمهم، فما قدروا على إيجادها، وما استطاعوا أن يزحزحوا هذا الكتاب الرباني قيد أنملة عن مكانته السامقة.
إن ثبات القرآن الكريم كل هذا الزمن رغم كل محاولات الطعن فيه، دليل قاطع على خلوه من أي زلل أو خلل، لأن العقل السليم إذا نظر وتفكر، سيلحظ بوضوح أن كل ما أنتج البشر من علوم وآداب سرعان ما يعتريها النقص والعيب إذا طال عليها الوقت، وهذا ما يدفع بالإنسان إلى أن يُحِل محلها إنتاجات جديدة إما عن طريق التطوير، أو عن طريق التغيير. ثم إذا نظر وتفكر فلن يجد هذا قد حدث على الإطلاق مع القرآن الكريم، فكلما نط أحدهم من مكانه هنا أو هناك يعلن أنه وجد أخطاء فادحة في هذا الكتاب، فيقيم الدنيا صراخا وضجيجا، حتى يتبين أنه إما محتال يستغل سذاجة الناس وبساطتهم بأسلوب دنيء لا يوصل إلى شيء يذكر، أو أنه قليل فهم وناقص علم ظن أن الجميع مثله.
ولكي أؤكد قولي هذا، أعرض بعض الأمثلة مما يعتبره أصحابنا أخطاء في القرآن الكريم ولكم أن تقفوا من خلال مناقشتها على تهافتها:
أ-الشبهات اللغوية:
تجدر الإشارة في هذه المسألة إلى أن القرآن الكريم نزل بلسان العرب في وقت لم تكن للغتهم أي قواعد يحتكم إليها إلا السليقة والسجية، كان العربي إذا سمع لحنا يتألم كما لو وخزته شوكة، لم يكن للحن الخفي أن يمر على مسامع العرب دون أن ينتبهوا إليه أحرى أن يكون جليا. ما أريد الوصول إليه أن يعلم من يدعي وجود أخطاء لغوية في القرآن الكريم بأنه يهرف بما لا يعرف، فقواعد النحو والبلاغة وما تفرع منهما من علوم اللغة المعروفة حديثا إنما نبعت من القرآن الكريم والشعر العربي الفصيح، فلا يصح بعد أن أجمع العرب على فصاحة القرآن وجعلوه مصدر ضبط للغتهم أن نرميه بهذه الشبهة السخيفة، لأن المنطق يقتضي أن يكون الفرع تابعا للأصل وليس العكس، ولهذا الأولى أن نكيف قواعد اللغة مع القرآن لا أن نخطئه على ضوئها.
ولأن أصحابنا لم يكلفوا أنفسهم أو بالأحرى تجاهلوا أن ينظروا في حقيقة ما رأوا أنها أخطاء لغوية بالرجوع إلى أهل الاختصاص، سأعمد للآية القرآنية التي يُظَن فيها الخطأ، ثم أعرض نظيرها من حيث الاستعمال اللغوي من الشعر العربي الفصيح ليتيقن المشككون والمنخدعون أنها فصاحة لا يتذوقها إلا من فقه لغة العرب.
من هذه الآيات قوله تعالى: “لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا” (النساء 162) حيث بدا لهم أن “المقيمين” نصبت وكان الأجدر أن ترفع إعمالا للقاعدة المعروفة: المعطوف يتبع المعطوف عليه في حركته. إن هذه الحالة تناظر ما جاء في قول الشاعر ابن الخياط العكلي: (شاعر جاهلي لم يسعفني الجهد لأصل إلى ترجمة له)
وَكُلُّ قَوْمٍ أَطَاعُوا أَمْرَ مُرْشِدِهِمْ إِلاَّ نُمَيْرًا أَطَاعَتْ أَمْرَ غَاوِيهَا
الظَّاعِنِينَ وَلَمَّــــــا يُظْعِنُوا أَحَدًا وَالقَائِلُونَ لِمَنْ دَارٌ نُخَلِّيـــــهَا
وقول الشاعرة الخرنق بنت بدر: (الخرنق بنت بدر بن هفان بن مالك، من بني ضبيعة، البكرية العدنانية. شاعرة من الشهيرات في الجاهلية. وهي أخت طرفة بن العبد لأمه. وفي المؤرخين من يسميها “الخرنق بنت هفان بن مالك” بإسقاط بدر)
لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمــــي الَّذيــــــــن هُمُ سُمُّ الْعُدَاةِ وآفــــــةُ الْجُــــــــــزْرِ
النَّازِلينَ بِكُــــــــــــــلِ مُعْتَــــــــــــــــــرَكٍ والطَّيِّبُونَ مَعَــــــــــــــــــاقِــدَ اْلأَزرِ
هذا النوع من النصب الذي استعمله العرب في لسانهم ووافقه القرآن الكريم يسميه النحاة نصب تعظيم أو نصب مدح كما ذكر ذلك سيبويه، وهو ما يمكن حمل الآية عليه حيث يجوز القول بأن “المقيمين” في الآية منصوبة على المدح أي “أعني المقيمين” وهذا يتوافق مع مذهب البصريين في النحو.
من الآيات التي يحلو لأصحابنا أن يستشهدوا بها ليثبتوا أن القرآن فيه أخطاء قوله تعالى: “قَالُوا إِن هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ” (طه 63) فالقاعدة تقول: “إن تنصب اسمها وترفع خبرها”، إذن الصحيح أن نقول: إن هذين لساحران”. هذه الملاحظة يمكن أن يبديها أي تلميذ متوسط المستوى في المرحلة الابتدائية، فهي ليست مسألة بالغة الدقة حتى يتأخر الانتباه إليها إلى هذا الزمن، فما كان على أصحابنا إلا أن يسألوا أهل العلم فسيجدون ما يطفئ حماستهم الزائدة في تخطيء القرآن.
أهل الشأن من علماء اللغة أعطوا وجوها عديدة حسب القراءات المتواترة لهذه الآية، ولكن سأكتفي بوجه واحد لعله يسكت لغو أصحابنا، فقد ثبت أن بعض العرب كانوا ينصبون المثنى ويرفعونه ويجرونه بالألف، كبني الحارث بن كعب وكنانة وبني العنبر وبيني هجيم وغيرهم من بطون القبائل العربية، والشاهد على هذا قول الشاعر هوبر الحارثي: (شاعر جاهلي لم أقف على ترجمته)
تَزَوَّدَ مِنَّا بَيْنَ أُذْنــــــــــاهُ طَعْنـــَةً دَعَتْهُ إِلَى هَابِي التُّرَابِ عَقِيمِ
بعد هذين المثالين –وقد اقتصرت عليهما لأن الغرض بهما يتحقق بإذن الله تعالى- فإنك تشعر بالشفقة تجاه أصحابنا، لأنهم ورطوا أنفسهم في موضوع لا يعرفون فيه إلا ما يعرف طالب مبتدئ في علوم اللغة العربية. وعلى كل حال، فهم بذلك قد قدموا لنا خدمة جليلة في بيان بعض الحقائق عن القرآن الكريم التي قد لا تستحضر إذا لم يكن من هؤلاء مثل هذه الاستفزازات، ومن ذلك هذا التلاؤم العجيب بين القرآن وأساليب البلاغة المعهودة عند العرب على اختلاف قبائلهم وبطونهم، تلاؤم أبهر فسحر العقول حتى ظنه الجاهل خطأ وما هو إلا جمالا زاد القرآن بهاء ونورا.
ب-الشيهات العلمية:
ضجت مواقع الأنترنيت بعشرات المقالات التي تتحدث عن أخطاء علمية في القرآن الكريم، حتى إن الواحد ليقول بينه وبين نفسه: لو كان لهذا الكلام مثقال ذرة من المصداقية، لنسف القرآن نسفا ولما قامت له قائمة.
إن عدم تفاعل البشرية مع هذه الترهات، يجعلنا نُعْرِض عنها ولا نقيم لها وزنا، غير أننا نخشى على شبابنا، الذين كما ذكرت في أكثر من موقع من هذا العمل، يفتقدون إلى الآليات والوسائل التي تحصنهم من هؤلاء الدجالين الذين احترفوا الكذب وتزوير الحقائق دون أي مراعاة للمبادئ والقيم المتعارف عليها عبر العصور. وبالتالي سأركز بالأساس، على إظهار عوار منهج أصحاب هذه الشبهات من خلال مدارسة بعض الأمثلة، قصد مد الشباب بما يمكنهم من إدراك حقيقتها المضلة التي تجعل عقولهم حائرة أمامها.
وقبل عرض الأمثلة، لابد من التذكير مجددا، بأن القرآن نزل بلسان العرب، وعليه لا يقبل منهجيا تجاوز أساليبهم في التعبير البلاغي والتحسين اللفظي، كالمجاز والكناية والتشبيه والجناس والطباق وغيرها من المحسنات البديعية. أقول هذا الكلام لأني اطلعت على مقال جاء في عنوانه “كوكتيل من أخطاء القرآن” إذ وجدت صاحبه -الذي اختار ألا يضع اسمه على مقاله- قد عدد عشرين خطأ، في كل واحد منها يؤكد على ضرورة قراءة الآية دون تأويل لمعانيها، أي يجب أن يُلْتَزم بظاهر النص حرفيا، وهذا مخالف لأبسط قواعد نقد النصوص وتحليلها. إن هذا الكاتب المجهول كأنه يريد منا أن نقبل من تلميذ سمع أستاذه استشهد بقول الشاعر:
عضَّنَا الدهر بنابه ليتَ ما حلَّ بنابِهْ
فبدأ يقول للجميع: إن الشاعر وقع في خطإ علمي فادح، فقد جعل الدهر حيوانا ذا أنياب يعض بها، فلما قيل له إن هذا الأسلوب في لسان العرب يسمى استعارة، رفض تفسيرهم وتشبث بوجود الخطإ، مصرا على ضرورة قراءة البيت الشعري على ظاهره دون تأويل. هكذا يريد أصحابنا أن يقنعونا بأن القرآن فيه أخطاء.
ولكم أن تنظروا في هذه الأمثلة لتتأكدوا بأنفسكم من هذا المنهج التافه:
-المثال الأول:
اكتشف أصحابنا أن آية من آيات الكتاب الحكيم قد حصل فيها خطأ علمي فادح، حيث ذكرت أن الشمس تغرب في عين وصفت بالحمئة، هذه الآية تقول: “حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا” (الكهف 86). هؤلاء المساكين فهموا من النص أن الشمس تدخل بذاتها في البركة المذكورة، وهذا مستحيل علميا، وبما أن الأمر كذلك، فقد توهموا أنه وقع بين أيديهم ما سيزلزل عرش القرآن ويكون القاضية التي ستريحهم منه. بالله عليكم، هل هؤلاء يملكون مُسْكَة عقل حتى يتبنوا مثل هذه الاستنتاجات الهابطة التي لا تمت بصلة للعلم بل هي من علامات الجهل المركب؟ ما أظنهم إلا متهورين تدفعهم افتراءاتهم وأباطيلهم إلى الهاوية يوما بعد يوم، وبئس المصير.
كل ما في الأمر، أن الآية جاءت باستعمال عربي فصيح يدركه من يستطيع تكوين جملة مفيدة باللغة العربية، فلو قال قائل: “رأيت الشمس تغرب في البحر فأبهرني المنظر” أو قال: “رأيت الشمس تغرب خلف الجبل الذي أمامنا” فهل يستقيم من صاحب عقل أن يفهم من المتكلم أنه يقصد دخول الشمس في البحر أو اختباءها وراء الجبل حتى إذا تجاوزه وجدها متكئة تحت شجرة تنتظر وقت الإذن بإشراقها من جديد؟ إن الطفل الذي بدأ يميز حديثا سيفهم أن الشمس غربت في ذلك الاتجاه ولن يفهم شيئا آخر غير هذا، ومع ذلك، لنأخذ أصحابنا على قدر عقولهم ولنسألهم: إذا كان القرآن يَقْصِد الفهم الذي فهمتموه، فمن أي مكان يجب أن يخبر بخروجها؟ المنطق يقتضي أن من يرى دخول الشمس في بئر أو بركة يجب أن يرى خروجها من ذات المكان، فلنقرأ إذا تتمة الآيات لنعرف مكان خروج الشمس حسب ما أخبر به القرآن. يقول الله عز وجل: “حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا” (الكهف 90)، لم تخرج الشمس في هذه الآية من العين الحمئة كما دخلت فيها في الآية التي قبلها، بل خرجت على قوم آخرين، إذا ماذا يعني هذا؟ يعني أن هؤلاء لا يبحثون عن الحق، هؤلاء مغرضون يريدون طمس الحق بالباطل، ولهذا أهيب بشباب أمتنا عندما يفاجؤون بمثل هذه الشبهات أن يتصفوا بالتريث، ويسلكوا طريق البحث والتدقيق، ويستعملوا العقل بالطريقة السليمة لا بالطريقة التي يريدها هؤلاء.
-المثال الثاني:
قرأ أصحابنا قوله تعالى: “وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا للشَّيَاطِينِ” فظنوا أنهم وقعوا على ثغرة كبيرة جدا في القرآن الكريم ستثبت باليقين أنه كتاب مزعوم، فتساءلوا قائلين: “كيف نتصور الكواكب كالحجارة يمسك بها ملاك في حجم الإنسان ليضرب بها الشيطان منعا له من استماع أصوات سكان السماء؟ هل كل هذه الأجرام السماوية خلقت لتكون ذخيرة أو عتادا حربيا كالحجارة لرجم الشيطان حتى اشتهر اسمه بالشيطان الرجيم؟ وكيف يطرح الملائكة الكواكب؟ وكيف يحفظ توازن الكون إذا سارت في غير فلكها؟” (هل القرآن معصوم لعبد الله عبد الفادي نسخة إلكترونية صفحة 4). يأبى أصحابنا إلا أن يتنكروا لكل قواعد النقد العلمي، فيصرون إصرارا على تحميل آيات القرآن الكريم ما لا تحتمل. صاحب السؤال السالف رغم أنه أحال على تفسير البيضاوي في كتابه، وهو أحد الكتب المشهورة في مجال تفسير القرآن، إلا أنه أعرض عنه إعراضا حتى أنه لم يناقش مضمونه مطلقا، فاتجه رأسا إلى طرح سؤاله المملوء بالتخرصات، هذا المحتال يوهم قارئه بأن الآية تصرح بالقطع أن الملائكة تتسابق نحو الكواكب السيارة لتلتقطها كما تُلْتَقَط الحجارةُ من الأرض، فتَضْرب بها الشياطين. ولو رجعنا إلى النص السابق وإلى جميع النصوص التي تتحدث عن نفس الموضوع، والتي ذكرها هذا المفتري كلها مما يدل على أنه اطلع عليها، لوجدنا أنها لا تشير على الإطلاق إلى أن الملائكة هي من تقوم بعملية الرجم، كما لا تشير على الإطلاق إلى أن الرجم يتم بالكواكب السيارة. أفبهذا المنهج الساقط سيثبتون أن القرآن فيه أخطاء؟ هيهات هيهات، فلا يمكث في الأرض إلا ما ينفع الناس، وأما الزبد فيذهب جفاء، كما علمنا ربنا عز وجل.
فلنرجع إذا إلى النصوص ولنوضح الحقائق الساطعة، فبالإضافة إلى آية سورة الملك التي ذكرت سابقا، جاء في مواضع أخرى قوله تعالى: “إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ” (الصافات 6) وقوله تعالى: “وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ” (الحجر 16). إن الآيات تصرح بأن الشياطين ترجم بالشهب وليس بالكواكب، وهذه مسألة فارقة في قضيتنا، ثم إن الآيات كلها لا تذكر مطلقا أن الملائكة هي من تقذف بالشهب، فلا أعرف من أين جاء هذا المفتري بزعمه وادعائه.
الحقيقة البادية عند هذا وغيره ممن يسير على نهجه في طرح مثل هذه الأسئلة، أنه يوجد قصد واضح لتحريف معاني القرآن بما يخدم افتراءات أعداء الإسلام، وعليه فإن شبهاتهم ساقطة من الأساس، لأنها مبنية على باطل. ولكن، مع ذلك فقد فسر علماؤنا الأجلاء المقصود حيث قالوا في آية سورة الملك أن الضمير في “جعلناها” يعود على السماء وليس المصابيح، فيكون القصد هو الشهب المنبعثة من الفضاء كما صرحت بذلك الآيات المذكورة بعدها، يبقى السؤال المطروح هو: هل ثبت في علم الفلك أن الشهب تقذف إلى السماء الدنيا كما وصفها القرآن الكريم؟ هذا الأمر صار بديهيا في علوم الفضاء، حيث يؤكد أهل الاختصاص بأن الآلاف من الشهب تتساقط يوميا على الأرض، وفي بعض الأحيان تسقط بكثرة على شكل زخات مثلها في ذلك مثل قطرات المطر. أما أنها ترجم الشياطين، فهذا أمر غيبي ذكره القرآن، فالواجب هو الإيمان به كما ثبت، ونفوض أمر الحكمة من ذلك لله سبحانه، فذاك شأنه جل وعلا يفعل ما شاء في خلقه.
أقتصر على هذا القدر من الشبهات المتعلقة بالأخطاء العلمية المزعومة، لأقول جازما بأن حال أصحابنا فعلا يدعو إلى الشفقة، لأنهم يتمسكون بأي شيء حتى ولو كان غبيا وساذجا ليطعنوا به في القرآن، هذا الكتاب الذي قال عنه المولى عز وجل: “لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ” (فصلت 42).