منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(25) تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(25) تابع

بقلم: عبد الغني منتصر

تصدير الفصل الخامس: فجر الاستخلاف ونداء أجيال الشهود

المبحث الثالث: من الدولة الوظيفية إلى أمة المنهاج

1-تفكيك مفهوم “الدولة الوظيفية”: زيف النموذج الاستعماري

إنَّ المتأمل في الخارطة السياسية التي أعقبت حقبة الاستعمار المباشر، يدرك أنَّ الغرب لم يغادر بلادنا إلا بعد أن غرس فيها منظومة “الدولة الوظيفية”؛ وهي كيانات سياسية تملك العلم والنشيد، لكنها تفتقر إلى “الإرادة والسيادة”. إنَّ هذه الدولة لم تُصمم لتلبي طموحات شعوبها في النهضة والاستخلاف، بل صُممت لتؤدي “وظيفة” محددة في النظام العالمي: حماية مصالح القوى الكبرى، تأمين ممرات الطاقة، وضبط الشعوب ومنعها من الانعتاق نحو هويتها الإسلامية. إنَّ “الدولة الوظيفية” هي الوجه الآخر للاستعمار، حيث يمارس المستعمر سطوته عبر “وكلاء محليين” يرهنون قرارهم السياسي والاقتصادي للخارج، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾.

وبالنظر في بنية هذه المنظومة، نجد أنَّ “الوظيفية” قد جعلت من الدولة “أداة عزل” للأمة عن قضاياها المركزية؛ فبينما تئن غزة تحت وطأة الإبادة، تقف الدولة الوظيفية مكبلةً بـ “اتفاقيات أمنية” و”التزامات دولية” و”موازنات مرهونة للبنك الدولي”. إنَّ نجاح “منهاج غزة” كشف عورة هذا النموذج؛ فغزة المحاصرة والمحرومة من اعتراف النظام الدولي، استطاعت أن تملك “سيادة القرار” التي تفتقدها دول تملك الجيوش والمليارات. هذا التناقض الصارخ أثبت أنَّ الدولة الوظيفية هي “عائق حضاري” يمنع الأمة من التحول إلى “قطب عالمي”، وهي التي حولت جيوشنا من أدوات للفتح والتحرير إلى “حراسٍ للحدود” التي رسمها الغرب بأقلام “سايكس بيكو”.

وعلى ضوء هذه المكاشفة، يتضح أنَّ “تفكيك الوظيفية” هو المدخل الإلزامي لبناء “أمة المنهاج”. فالاستمرار في هذا النموذج يعني البقاء في دائرة التبعية الأبدية؛ حيث يُقرر لنا في واشنطن أو بروكسل ماذا نأكل، وكيف نسلح جيوشنا، وماذا نعلّم أطفالنا. إنَّ “منهاج غزة” قد كسر هذه المعادلة حين قرر أن تكون وظيفته الوحيدة هي “العبودية لله والتحرر من الأنداد”؛ مما جعلها قوةً عصية على الترويض. إنَّ الدرس المستفاد هو أنَّ السيادة لا تُمنح من الأمم المتحدة، بل تُنتزع بإنهاء “دور الوكيل” واستعادة “دور الأصيل”؛ أي عودة الدولة لتكون خادمةً للمشروع الإسلامي لا شرطياً للنظام الرأسمالي.

وبناءً على ذلك، فإنَّ سقوط هيبة الدولة الوظيفية أمام صمود غزة يفتح الباب لميلاد “الدولة السيادية الربانية”. إننا أمام لحظة تاريخية تُعلن نهاية زمن “التبعية المقننة”؛ فالشعوب التي رأت كيف تحولت غزة إلى “رأس حربة” للأمة، لن تقبل بعد اليوم بكيانات وظيفية تعيش على هامش التاريخ. إنَّ المنهاج يطرح البديل الذي يحرر الدولة من “عقدة الوكالة”، لتصبح منطلقاً لجيش الكرامة واقتصاد الكفاية وسياسة العزة. إنَّ تفكيك الصنم الوظيفي هو التمهيد الضروري لعودة “الخلافة على منهاج النبوة”، حيث تكون السيادة للوحي، والريادة للأمة، والذلة والمهانة لكل من ارتهن قراره لعدوه، كما وعد سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

2-سقوط “شرعية الوكيل” وصعود “شرعية المنهاج”

لقد قامت الأنظمة الوظيفية في منطقتنا على ما يمكن تسميته بـ “شرعية الوكالة”؛ وهي شرعية تستمد بقاءها من رضا القوى الدولية (الأصيل) ومن قدرتها على ضبط الاستقرار لصالح المنظومة الغربية، لا من انتمائها لهوية الأمة أو تحقيق تطلعاتها. إلا أنَّ “طوفان الأقصى” جاء ليضع هذه الشرعية في مأزقٍ وجودي؛ فبينما كان “الوكيل” يلوذ بالصمت أو يكتفي ببيانات الإدانة الجوفاء خوفاً على كرسيه، كانت غزة تنحت “شرعية المنهاج” من وسط الأنقاض. إنَّ الشعوب اليوم لم تعد تبحث عن القائد الذي يباركه “البيت الأبيض”، بل صارت تبحث عن القائد الذي تباركه “المسافة صفر” ويُصدقه الميدان، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أَفَمَن مُّؤَسِّسُ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ يُؤَسِّسُ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.

وعند سبر أغوار هذا التحول، نجد أنَّ “شرعية الوكيل” قد سقطت أخلاقياً وشعبياً؛ لأنها أثبتت عجزها عن حماية “البيضة الإسلامية” وعن نصرة المظلوم. لقد أدركت الجماهير أنَّ المنظومات التي تستمد قوتها من “الخارج” هي منظومات هشة تنهار عند أول مواجهة حقيقية مع الإرادة الشعبية أو التحدي الوجودي. في المقابل، صعدت “شرعية المنهاج” كبديلٍ تاريخي؛ وهي شرعية تقوم على “الالتحام بالوحي” و**”الصدق مع الأمة”**. إنَّ غزة اليوم لا تملك اعترافاً دولياً، لكنها تملك “اعتراف القلوب” في جاكرتا والرباط وإسطنبول؛ وهذا هو الجوهر الحقيقي للسيادة، حيث تصبح القيادة تعبيراً عن “روح الأمة” لا مجرد أداة لإدارة شؤون المستعمر.

وعلى ضوء هذه المكاشفة، نلمس بوضوح أنَّ “الفراغ القيادي” في العالم الإسلامي بدأ يمتلئ بنموذج “المجاهد المرابط”. إنَّ سقوط “شرعية الوكيل” يعني أنَّ الأمة بدأت ترفض “الوصاية الغربية” على خياراتها السياسية. لقد أثبت المنهاج أنَّ القوة الحقيقية لا تأتي من “الاعتراف الدبلوماسي”، بل من “الاقتدار الميداني” والالتزام بثوابت العقيدة. هذا الصعود لشرعية المنهاج هو الذي يُمهد الطريق لبناء “نظام سياسي جديد”؛ نظام لا يداهن الظلم ولا يرهن مصير الشعوب لاتفاقيات الذل، بل يستمد قوته من توكله على الله وثقة جماهيره به. إنَّ زمن “الزعيم الوكيل” الذي يُنصَّب في العواصم الغربية قد ولى، وبدأ زمن “الإمام المنهاجي” الذي يخرج من رحم المعاناة ليقود الأمة نحو عزها.

وبناءً على ذلك، فإنَّ الصراع القادم هو صراعٌ على “من يمثل الأمة حقاً”. إنَّ سقوط الأقنعة عن الأنظمة الوظيفية هو التمهيد الضروري لظهور “أمة المنهاج” كقطبٍ سياسي عالمي. إننا أمام تحولٍ جذري في “مفهوم الولاء”؛ حيث أصبح الولاء اليوم للمنهاج وللمشروع التحرري، لا للحدود أو الكيانات التي تحرسها. إنَّ هذا الوعي المتفجر هو الضمانة بأنَّ المستقبل لن يكون لمن يملك “أختام السلطة” الزائفة، بل لمن يملك “أختام التضحية” واليقين. إنَّ شرعية المنهاج هي التي ستعيد للأمة هيبتها، وستجمع شتاتها تحت رايةٍ واحدة، لتكون هي القوة التي تُغير وجه التاريخ، كما وعد سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

3-أركان “أمة المنهاج”: السيادة لله والريادة للأمة

إنَّ الانتقال من نموذج “الدولة القطرية” إلى “أمة المنهاج” يتطلب إرساء قواعد صلبة تختلف جذرياً عن العقد الاجتماعي الغربي؛ فبينما تقوم الديمقراطية الليبرالية على “سيادة الهوى” أو “سيادة المصلحة”، تقوم أمة المنهاج على ركنين مكينين: “السيادة المطلقة لله” في التشريع والمآل، و**”الريادة الحقيقية للأمة”** في التنفيذ والاختيار. في هذا العقد الجديد، لا تصبح السلطة غايةً في ذاتها، بل هي “أمانة استخلافية” هدفها تمكين الحق وإقامة العدل. إنَّ غزة اليوم هي التي صاغت هذا الركن بدمائها؛ حيث نرى التحاماً منقطع النظير بين القيادة والشعب، لا يحكمه الخوف أو القمع، بل يجمعه “ميثاق العقيدة” الذي يرى في الحاكم خادماً للمشروع، وفي المحكوم جندياً في سبيل الله، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.

وعند تبيان الركن الأول (السيادة لله)، نجد أنَّ أمة المنهاج تتحرر من “عبودية القوانين الوضعية” التي فُرضت عليها في زمن الضعف. إنَّ الرجوع إلى الوحي كمرجعيةٍ عليا يعني أنَّ قرارات الحرب والسلم، والاقتصاد والتعليم، لم تعد تخضع لابتزاز “النظام العالمي”، بل تخضع لـ “البصيرة المنهاجية”. هذا التحرر التشريعي هو الذي يمنح الأمة “الاستقلال الحقيقي”؛ فمن يملك قانون نفسه يملك مصير نفسه. إنَّ تجربة غزة أثبتت أنَّ الاستناد إلى “الفقه الإستراتيجي القرآني” هو الذي مكنها من ابتكار حلولٍ للمعضلات التي عجزت عنها النظريات العسكرية التقليدية، لأنها انطلقت من يقينٍ بأنَّ “الأمر كله لله”، فصارت السيادة الإلهية هي المظلة التي تحمي القرار الوطني من التآكل أو الارتهان للخارج.

أما الركن الثاني (الريادة للأمة)، فيعني أنَّ الشعب ليس مجرد “قطيع استهلاكي” أو “كتلة انتخابية” تُستدعى كل بضع سنوات، بل هو “الشريك الأصيل في الجهاد والبناء”. في أمة المنهاج، تذوب الفوارق بين “النخبة” و”العامة” تحت وطأة المسؤولية المشتركة؛ فكل فردٍ في غزة هو “وزير دفاع” في موقعه، وكل أمٍّ هي “مدرسة للسيادة”. هذه الريادة الشعبية هي التي تخلق “الحصانة الداخلية” ضد المؤامرات؛ فالعدو لا يواجه نظاماً يمكن إسقاطه بانقلاب أو اغتيال، بل يواجه “أمةً واعية” تنبعث من كل زقاق. إنَّ المنهاج يُعيد للشعوب ثقتها في قدرتها على صياغة التاريخ، ويحول “الجماهير” إلى “أمة شاهدة” تملك زمام المبادرة ولا تنتظر من يقودها بالحديد والنار.

وبناءً على ذلك، فإنَّ أمة المنهاج هي “الكيان العابر للأزمات”؛ لأن مادتها الأساسية هي “الإنسان المؤمن” وقاعدتها الصلبة هي “السيادة الربانية”. إننا لا نتحدث عن حلمٍ طوباوي، بل عن واقعٍ نراه يتمثل في قدرة غزة على إدارة شؤونها تحت أقسى الظروف بكرامةٍ تفتقر إليها كبريات العواصم. إنَّ العقد السياسي القادم للأمة الإسلامية يجب أن يُكتب بمداد “طوفان الأقصى”؛ حيث لا ولاء إلا للمنهاج، ولا سيادة إلا للحق، ولا ريادة إلا للأمة التي أُخرجت للناس لتقودهم من ضيق المادية إلى سعة الاستخلاف. إنَّ هذا البناء هو الحصن الذي ستتحطم عليه كل “صفقات القرن” ومخططات التدجين، كما وعد سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾.

4-غزة كنموذج لـ “النواة الصلبة”: صناعة السيادة من تحت الركام

إنَّ أعظم ما قدمته غزة لمنهاجنا ليس مجرد الصمود العسكري، بل تقديمها للنموذج العملي لـ “النواة الصلبة” التي يبدأ منها انبعاث الأمة. ففي الوقت الذي تعاني فيه دولٌ كبرى من “هشاشة السيادة” وارتهان القرار، استطاعت غزة—بمساحتها الضيقة وإمكانياتها المحاصرة—أن تبني كياناً يمتلك أركان السيادة الحقيقية: (السلاح، الغذاء، والإرادة). إنَّ “النواة الصلبة” في المنهاج هي تلك البقعة التي تكتفي بذاتها روحياً وعسكرياً، وتتحول إلى “مركز جذب” لآمال الأمة وعقولها. لقد أثبتت غزة أنَّ السيادة لا تحتاج إلى اعترافٍ دولي بقدر ما تحتاج إلى “اعترافٍ بالميدان”، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.

وبالتدقيق في هندسة هذه النواة، نجد أنَّ غزة قد حققت “الاستقلال الوجودي الكامل” عن المنظومة الاستعمارية. فبينما كانت “الدول الوظيفية” تنتظر المساعدات المشروطة، كانت غزة تصنع صواريخها من مواسير الماء، وتستخرج “كيمياء القوة” من ركام الدمار. هذا الانتقال من “حالة الاحتياج” إلى “حالة الإبداع” هو الذي صنع النواة الصلبة؛ حيث لم يعد الحصار أداةً لتركيعها، بل أصبح “مُحفزاً” لسيادتها. إنَّ غزة اليوم هي “المقذوف الحضاري” الذي اخترق جدار اليأس العالمي، ليعلن أنَّ بناء الأمة يبدأ من “توطين القوة” وتأميم الإرادة، وأنَّ أصغر بقعة في الأرض يمكن أن تكون “المركز” إذا ما تمسكت بالمنهاج القوي.

وعلى ضوء هذا النموذج، تبرز غزة كـ “مُلهمةٍ للأقطار” في كيفية الخروج من حظيرة الوظيفية. إنَّ “النواة الصلبة” ليست مجرد قوة عسكرية، بل هي “نموذج تربوي وإداري” استطاع أن يدير حياة مليوني إنسان تحت القصف والجوع بكرامةٍ عزَّ نظيرها. هذا التلاحم العضوي بين القيادة والقاعدة، وهذا “الاقتصاد المقاوم” الذي يتحدى قوانين السوق العالمية، هو الذي جعل من غزة “قطب الرحى” في التغيير القادم. إنَّ الأمة اليوم لا تنظر إلى العواصم الكبرى لتستمد الأمل، بل تشخص أبصارها نحو غزة؛ لأنها “النواة” التي برهنت أنَّ الانعتاق من التبعية ممكن، وأنَّ “أمة المنهاج” قادرة على حكم نفسها بنفسها وفق مراد الله.

وبناءً على ذلك، فإنَّ غزة هي “الطلقة الأولى” في مشروع الاستخلاف السياسي. إنَّ نجاح هذه النواة في البقاء والانتصار يعني أنَّ بذور “الدولة السيادية” قد غُرست في تربةٍ لا تقبل الاقتلاع. إنَّ المهمة القادمة للأمة هي “تكثير هذه النوى” في كل قطر، والالتفاف حول “نموذج غزة” كمرجعيةٍ في التحرر الشامل. إننا أمام “نظام عالمي إسلامي” ينبت من تحت الأرض ومن بين الركام، ليثبت أنَّ الحق إذا وجد “نواةً صلبة” تحميه، فإنه يملك من القوة ما يزلزل عروش الظالمين ويهدم جدران الوظيفية.

5- جيوبوليتيك “الأمة” مقابل جيوبوليتيك “الحدود”: الانبعاث نحو “الأمة القطب”

لقد نجح الغرب طويلاً في تصفيد قوى الأمة عبر “جيوبوليتيك الحدود”؛ وهي هندسة جغرافية خبيثة جزأت الجسد الواحد إلى كيانات ميكروسكوبية تتنازع على مواردها وتخشى جيرانها، مما جعلها لقمة سائغة في فم النظام العالمي. إلا أنَّ “منهاج غزة” أطلق رصاصة الرحمة على هذه الحدود الوهمية، معلناً ميلاد “جيوبوليتيك الأمة”. إنَّ وحدة الساحات، والارتباط الوجداني والميداني العابر للحدود، قد أثبت أنَّ الجغرافيا الإسلامية ليست “مساحات مرسومة”، بل هي “كتلة واحدة من اليقين”. إننا ننتقل اليوم من “الدولة القطرية” التي تعيش في زاوية النسيان، إلى “الأمة القطب” التي تفرض إرادتها على المضايق والممرات والبحار، وتستعيد دورها كمركز ثقل عالمي لا يمكن تجاوزه، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾.

وبالنظر في موازين القوى الجديدة، نجد أنَّ “أمة المنهاج” قد بدأت تستثمر جغرافيتها كـ “سلاح سيادي”. فبينما كانت الحدود تُستخدم “لسجن” الشعوب، أصبحت اليوم ممراتٍ لـ “تصدير العزة”. إنَّ انتقال الروح الغزية إلى كل بيت في المغرب والمشرق، وتحول القضية إلى “محور ارتكاز” عالمي، يعني أنَّ الأمة قد استعادت “عمقها الإستراتيجي”. إنَّ “الأمة القطب” هي التي تدرك أنَّ قوتها ليست في عزلتها، بل في “تشابك خنادقها” ووحدة مصيرها؛ فما يحدث في غزة هو شأنٌ سيادي في بغداد والقاهرة والرباط. هذا الوعي الجغرافي الجديد هو الذي سيحطم “الأطواق الأمنية” التي ضربها العدو، ليحول الجغرافيا الإسلامية من “مناطق نفوذ للغرب” إلى “قاعدة انطلاق للاستخلاف”.

وعلى ضوء هذا الانبعاث الجيوسياسي، تسقط خرافة “المركزية الغربية” التي كانت ترى في بلادنا مجرد “فراغ” أو “مخزن للموارد”. إنَّ جيوبوليتيك الأمة يفرض اليوم “منطق القوة والندية”؛ فالأمة التي تمتلك العقيدة والعدد والجغرافيا والموارد، لا ينقصها إلا “المنهاج” لتتحول إلى القطب الأوحد الذي يملأ الفراغ الأخلاقي والسياسي في العالم. إنَّ غزة قد قدمت “الشرارة” التي أحرقت خرائط التقسيم، وفتحت المجال لجيش الأمة الواحد الذي لا يعترف بحدود المستعمر حين ينادي منادي الجهاد. إننا أمام إعادة رسمٍ للكون، حيث لا تكون السيادة لخطوطٍ رسمها “دبلوماسي عابر”، بل لجباهٍ سجدت لله وقررت أن تكون الأرضُ مسجداً وطهوراً، وسياحةً وفوزاً.

وبناءً على ذلك، فإنَّ التحول نحو “الأمة القطب” هو المآل الحتمي لـ “منهاج غزة”. إنَّ القوى العالمية التي تكتلت لإبادة غزة كانت تدرك أنَّ كسر هذه النواة هو كسرٌ لـ “حلم الوحدة السيادية” للأمة. ولكن، خاب سعيُهم؛ فقد أصبحت غزة هي “العاصمة الروحية” لجيوبوليتيك جديد يمتد بامتداد القرآن في الأرض. إنَّ المستقبل لن يكون لكيانات وظيفية ممزقة، بل لأمةٍ جامعة تملك زمام المبادرة، وتدير صراعاتها بـ “نفسٍ طويل”، وتقف شامخةً كقطبٍ رباني يقود البشرية نحو العدل والقسط. إنَّ الحدود تذوب اليوم في حرارة الطوفان، لتبرز ملامح “الخلافة القادمة” كحقيقة جيوسياسية لا مفر منها، كما وعد سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.