“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(8) تابع
عبد الغني منتصر
“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة:(8) تابع
استبصار السنن في زمن التحولات”
بقلم: عبد الغني منتصر
الفصل الثاني: المركزية الغربية وتهافت الأصنام
المبحث الثاني: الاستشراق السياسي والتبعية الثقافية
1.انبعاث “الاستشراق القديم”: عودة لغة “المتحضر” و”البربري”
إنَّ المتأمل في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي منذ صاعقة السابع من أكتوبر يلحظ ارتداداً حضارياً مخيفاً نحو “الاستشراق الكلاسيكي” الذي ساد في القرن التاسع عشر؛ حيث لم يعد الغرب يتحدث بلغة “الدبلوماسية” أو “القانون الدولي”، بل استدعى قاموساً عنصرياً بائداً يقسم العالم إلى “حديقة حضارية” و**”غابة بربرية”**. لقد بُعثت لغة “المتحضر” الذي يمثل القيم النورانية، و”البربري” الذي يمثل الظلامية والتوحش، في محاولة بائسة لتفسير الطوفان خارج سياقه التاريخي والسياسي.
إنَّ هذا الاستدعاء الاستشراقي يهدف بالأساس إلى “نزع الإنسانية” عن المقاوم الفلسطيني، وتصوير نضاله كفعلٍ غريزي عنيف منفصل عن العقل والهدف، تماماً كما كان المستعمر القديم يصف ثورات الشعوب المستضعفة بأنها “هياج غير عقلاني”. إنَّ الغرب اليوم يعيد إنتاج صورة الصهيوني كـ “حارس للثغور الحضارية” في مواجهة “الزحف البربري”، وهو تموضعٌ استشراقي يجعل من القاتل المدجج بالتكنولوجيا “ضحيةً للقيم”، ومن صاحب الأرض المدافع عن شرفه “وحشاً خارج التاريخ”.
إنَّ تشريح هذا الانبعاث الاستشراقي يقودنا إلى قضية “الحرمان من حق السرد” (The Right to Narrate)؛ فالفلسطيني في المنظور الغربي المستشرق ليس كائناً يمتلك “رواية”، بل هو “مادة للرواية” الغربية فقط. يُحرم المقاوم من شرح دوافعه السياسية والسننية، ويتم اختزال طوفانه في مشهد “عنف عبثي”، لكي لا يضطر العالم الغربي لمواجهة خطيئة الاحتلال التي دامت عقوداً. إنَّ هذا “البتر المعرفي” هو قمة الطغيان الاستشراقي؛ حيث يتم تصوير الفعل الفلسطيني كفعلٍ “شيطاني” لا سياق له، بينما يُصوّر الرد الصهيوني كـ “فعلٍ أخلاقي” ضروري لحماية “العالم الحر”.
إنَّ الواقع يثبت أنَّ هذه اللغة لم تكن زلة لسان من الزعماء الغربيين حين تحدثوا عن “القيم المشتركة”، بل كانت تعبيراً أصيلاً عن رؤية ترى في المسلم “كائناً دونياً” لا يستحق أن يُسمع صوته. إنَّ قوله تعالى: “وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ”، يصف بدقة هذه النخب الغربية التي تملك أجساداً حضارية وألسنةً منمقة، لكنها في حقيقتها “خشبٌ” لا روح فيها ولا عدل، حيث تستمع فقط لصوت مصالحها الاستعمارية وتصم آذانها عن صرخة الحق.
إنَّ التبحر في هذا المفهوم يكشف أنَّ الغرب استخدم “الاستشراق السياسي” لشرعنة الإبادة؛ فبمجرد وصم المقاوم بـ “البربري” أو “الحيوان البشري”، يصبح قتله وتجويع أطفاله فعلاً “تطهيرياً” لا غبار عليه في الضمير الغربي المشوه. هذا هو “الاستعمار بالتعريف”؛ أي أن تمتلك القدرة على تعريف خصمك كما تشاء لتقتله كما تشاء. ولكنَّ الطوفان، بعمقه المنهاجي، قد حطم هذا الصنم؛ فإنسان غزة لم يكتفِ بالفعل الميداني، بل فرض “سرديته” الخاصة عبر “إعلامه المقاوم” وبلاغة صموده، مكسراً احتكار الغرب لوصف الواقع. لقد كشف الواقع الميداني أنَّ “المتحضر” المزعوم هو من يقتل الخدج في الحاضنات، بينما “البربري” في عرفهم هو من أطلق الأسيرة برفقٍ وداوى جرحاهم بكرامة المنهاج.
إنَّ انبعاث الاستشراق القديم في زمن الطوفان هو علامة على “الإفلاس الإبداعي” للغرب؛ فهو لا يملك لغة جديدة لمواجهة الحق، فارتد إلى كهوفه العنصرية القديمة. إنَّ واجب “إنسان المنهاج” اليوم هو انتزاع “قلم التاريخ” من يد المستشرق، وإعادة كتابة السيرة بمداد اليقين، مؤكداً أنَّ “البربرية” الحقيقية هي تلك التي تسكن القلوب الحاقدة والعقول الاستعمارية، وأنَّ “الححضارة” هي ما جسده المرابطون في غزة من تزاوجٍ بين “عزة المقاتل” و”رحمة المؤمن”، عملاً بقوله تعالى: “أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ”؛ وبذلك تسقط لغة المستشرق أمام بيان الطوفان، ويتحرر “حق السرد” ليكون ملكاً لمن صنع التاريخ بدمه لا لمن زيفه بقلمه.
2. “التبعية الثقافية” وسقوط المثقف المتغرب (المثقف الملحق)
إنَّ زلزال الطوفان لم يكتفِ بهز أركان الكيان الصهيوني، بل أحدث تصدعاً وجودياً في بنية النخب العربية “المتغربة”، تلك التي عاشت لعقود تمارس دور “المثقف الملحق” بالمركزية الغربية. إنَّ تشريح حالة هؤلاء يكشف عن استلابٍ فكري عميق، حيث لا يرى “المثقف الملحق” العالم إلا من خلال العدسة التي يصقلها له “السيد الغربي” في لندن أو باريس أو واشنطن. لقد كشف الطوفان عجز هذه النخب عن اجتراح موقفٍ أخلاقي مستقل؛ فهم لا يستطيعون إدانة الإبادة الجماعية في غزة دون استحضار لغة “الإدانة المتوازنة”، ومحاولة المساواة بين “عنف الضحية” المدافع عن وجوده وبين “إرهاب الجلاد” المستأصل للهوية.
هذه “المساواة الأخلاقية الزائفة” ليست إلا صلاةً في محراب المركزية الغربية، ومحاولة يائسة لاستبقاء صكوك الغفران من المؤسسات والدوائر التي تمنحهم الألقاب والجوائز. إنهم يقدسون “المعايير الغربية” (التي ثبت كذبها) أكثر من تقديسهم للحقيقة الصارخة المكتوبة بدم الأطفال؛ لأنَّ التبعية هنا ليست سياسية فحسب، بل هي تبعية “إبستيمولوجية” (معرفية) تجعلهم يخشون الانفصال عن “ربيبهم الثقافي” الغربي أكثر من خشيتهم من السقوط في مزبلة التاريخ.
إنَّ الإسهاب في تحليل هذه الظاهرة يقودنا إلى فهم ما يسميه القرآن الكريم بـ “موالاة الذين كفروا” في سياقها الفكري؛ حيث يقول الله تعالى: “فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ”. إنَّ “المسارعة فيهم” اليوم تتجلى في تبني المصطلحات الغربية لتوصيف الواقع الفلسطيني، وفي استبطان “عقدة النقص” التي تجعل المثقف المتغرب يشعر بالخجل من “وضوح” و”نصاعة” المقاومة، فيحاول “عقلنتها” أو “تلطيفها” لتناسب الذوق الليبرالي الغربي. هؤلاء هم “سدنة الهزيمة النفسية” الذين يرون في المنهاج النبوي “تراثاً تجاوزه الزمن”، بينما يقدسون “القانون الدولي” الذي يُداس بالأقدام أمام أعينهم.
إنَّ الطوفان قد فضح هذه التبعية بشكلٍ قاطع؛ فبينما كانت الشعوب تلتحم بوجدانها مع غزة، كان المثقف الملحق يمارس “الترف الفكري” في نقد التوقيت، أو نقد الوسائل، في محاولة بائسة للهرب من استحقاق المواجهة الوجودية مع المركزية الغربية التي تبيح دمنا. إنَّ سوسيولوجيا سقوط المثقف المتغرب تخبرنا أنَّ “الهيمنة الثقافية” هي القيد الذي يمنع الأمة من النهوض؛ فهؤلاء المثقفون يعملون كـ “مصدات وعي” تحمي السردية الغربية من التفكك داخل عقولنا.
لكنَّ “واقع الدم” في غزة كان أقوى من “خيال الورق” في كتبهم؛ فالطفل الذي يخرج من تحت الأنقاض وهو يكبر، حطم بصرخته كل نظريات “ما بعد الحداثة” و”تفكيك الهوية” التي يلوكها هؤلاء. إنَّ الطوفان أعيد تعريف “المثقف” ليكون هو ذلك “المرتبط بالتراب والمنهاج”، لا ذلك “المعلق في هواء السفارات”. إنَّ السقوط القيمي لهذه النخب يمهد الطريق لولادة “المثقف المنهاجي العضوي” الذي يستمد شرعيته من “الوحي” و”الميدان”، ويرى الغرب كـ “تجربة إنسانية” قابلة للنقد والرفض، لا كـ “قدرٍ محتوم” أو “قبلةٍ معرفية”.
وبذلك، يكون الطوفان قد طهر الساحة الفكرية من “أصنام التغريب”، مفسحاً المجال لوعيٍ جديد يستعلي بإيمانه، ويقرأ الواقع بعين “البصيرة السننية” لا بعين “التبعية الاستشراقية”، محققاً قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ”؛ حيث التولي هنا هو تولي “القيم والرؤى” الذي يجعل من المثقف العربي صوتاً لعدوه في قلعة أهله.
3. “الاستعمار اللغوي”: معركة المصطلحات وتحرير المعنى
إنَّ الاستعمار في أخبث صوره لا يكتفي باحتلال الجغرافيا، بل يسعى لاحتلال “المعنى” عبر ما نسميه “الاستعمار اللغوي”؛ وهو فرض قاموس المركزية الغربية كمرجعية وحيدة لتوصيف واقعنا العربي والإسلامي. لقد خضع الوعي الجمعي لعقود لعملية “هندسة لسانية” تهدف إلى تدجين الإرادة عبر تزييف المصطلحات؛ حيث تم إحلال مصطلح “الصراع” (الذي يوحي بتكافؤ الطرفين وغياب الحق) محل “الاحتلال”، وتسمية “الإبادة الجماعية” بـ “الحرب” (التي توحي بوجود جيشين)، وتحويل “حق الدفاع عن النفس” إلى “رخصة للقتل” ممنوحة حصرياً للجلاد.
إنَّ هذا التلاعب بالمصطلحات هو أداة لاحتلال الوعي؛ إذ عندما تسيطر اللغة الغربية على توصيف واقعنا، فإنها تجبرنا على التفكير داخل “مربع التبعية”؛ فنعجز عن وصف ذواتنا إلا بما يرتضيه المستعمر. إنَّ تسمية “القدس” بـ “أورشليم” في المحافل الدولية، ووصم “المقاومة” بـ “الإرهاب”، ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل هو محاولة “لقتل الحقيقة” في مهدها عبر سلبها اسمها الحقيقي، تمهيداً لمحوها من الوجود.
إنَّ الإسهاب في تحليل هذه المعركة يقودنا إلى ملاحظة كيف قام “إنسان المنهاج” في غزة بعملية “تحرير كبرى للغة”؛ فمع انطلاق أول قذيفة في الطوفان، تحطمت قيود القاموس الغربي. لقد رفض المجاهد أن يسمى فعله “عنفاً” أو “صراعاً”، بل أسماه “طوفاناً”، وهو مصطلح يحمل شحنة سننية غارقة في التطهير والتغيير الجذري. لقد استعاد إنسان غزة المصطلحات الأصيلة (الجهاد، الرباط، العزة، الفتح، الاستشهاد) وفرضها على لسان العالم أجمع؛ فصار الغربي يلفظ كلمة “طوفان” و”ملثّم” و”أنفاق” كحقائق ميدانية لا تملك اللغة الغربية لها بديلاً.
إنَّ تحرير المعنى هو الخطوة الأولى في تحرير الأرض؛ لأنَّ الأمة التي تملك “سلطة التسمية” هي الأمة التي تملك “زمام المبادرة”. إنَّ قوله تعالى: “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا” يشير إلى أنَّ السيادة في هذا الكون تبدأ بامتلاك “الأسماء”؛ واليوم يستعيد أحفاد آدم في غزة هذه السيادة، فيسمون الأشياء بحقائقها السننية لا بأسمائها الاستعمارية الزائفة.
إنَّ سيكولوجية “الاستعمار اللغوي” تعتمد على جعل الضحية يخجل من لغته وقيمه، ولكنَّ الطوفان جعل من “اللغة القرآنية” لغةً عالمية للتحرر. عندما نرى الشباب في الغرب يقرؤون القرآن ليفهموا “سر صمود غزة”، فنحن نشهد انهيار جدران الاستعمار اللغوي؛ حيث بدأ “المعنى المنهاجي” يتدفق إلى لغاتهم، فيكتشفون أنَّ ما يسميه إعلامهم “إرهاباً” هو في حقيقته “عزة”، وما يسمونه “خسارة” هو في عرف الصامدين “شهادة”. إنَّ معركة المصطلحات اليوم هي معركة “الوضوح في مواجهة الزيف”؛ حيث يستخدم الغرب لغةً رمادية غامضة للتغطية على الجريمة، بينما يستخدم إنسان المنهاج لغةً “بيضاء كالشمس” تضع النقاط على الحروف.
إنَّ استعادة مصطلح “الرباط” ليصف حالة الوجود الفلسطيني هو تحريرٌ للمعنى من أطر “المواطنة” الضيقة نحو أطر “التكليف الإلهي” الواسعة. وبذلك، يكون الطوفان قد فتح عصراً جديداً من “الاستقلال اللغوي”؛ عصرٌ لا نحتاج فيه لترجمة وجعنا إلى اللغة الغربية ليعترف العالم به، بل نفرض فيه حقيقتنا بلغةٍ صاغها الوحي وعمدها الدم، مؤكدين أنَّ “الكلمة الطيبة” التي أصلها ثابت في أرض غزة وفرعها في سماء اليقين، هي التي ستقتلع “شجرة الزور” الاستعمارية، محققةً قوله سبحانه: “فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”؛ حيث يبطل سحر الكلمات الزائفة أمام جلال المسميات الربانية الصادقة.
4. “هدم صنم القدوة”: تحطم النموذج الثقافي الغربي في الخيال الشعبي
إنَّ الاستشراف السنني لمسار الأمة يخبرنا أنَّ “التمكين” لا يبدأ بتكافؤ السلاح، بل يبدأ بـ “تحطيم الأصنام النفسية”؛ وأكبر صنم جثم على صدر الإنسان العربي والمسلم لقرون هو صنم “القدوة الغربية”. لقد اعتمد الاستشراق السياسي لمدد طويلة على خلق حالة من “الاستلاب الحضاري”، حيث غُرس في الخيال الشعبي أنَّ الغرب هو “القبلة الثقافية” الوحيدة، والنموذج النهائي الذي يجب محاكاته في الملبس، والمأكل، ونمط الحياة، ومنظومة القيم. لكنَّ الطوفان جاء ليمارس عملية “هدمٍ أيقوني” لهذا الصنم؛ فبينما كان الغرب يسوّق نفسه كذروة الجمال والتقدم والأخلاق، كشف واقع غزة عن “قبحٍ جوهري” يختبئ خلف الأبراج الزجاجية والماركات العالمية.
لقد سقط النموذج الغربي من “عين الخيال الشعبي”؛ فلم يعد الشاب العربي يرى في باريس أو نيويورك “مدينة النور” والأخلاق، بل صار يراها عواصم “التواطؤ والدم”، مما أدى إلى نهاية “عصر الانبهار” وبداية عصر “الاشمئزاز الحضاري” من نفاق النموذج المستورد. إنَّ هذا التحول النفسي يقودنا إلى رصد حالة “العودة إلى الذات” كفعلٍ مقاوم؛ ففي اللحظة التي سقط فيها الغرب أخلاقياً، انبعثت في القلوب صورة “المرابط” و”المجاهد” و”الأم الصابرة” كأيقونات جمالية وقيمية جديدة.
لقد حرر الطوفان الشعوب من سحر “النمط الاستهلاكي” الغربي الذي كان يُقيد الوعي ببريق المادة؛ فإذا بإنسان غزة، الذي يفتقر لأدنى مقومات الرفاه، يقدم للعالم نموذجاً في “الجمال الروحي” والقوة النفسية لا تستطيع هوليوود بكل ميزانياتها أن تحاكي ذرة منه. إنَّ هذا الانكسار لصنم القدوة أفسح المجال لعودة “الاعتزاز بالذات الحضارية”؛ حيث بدأ الإنسان العربي يبحث عن الجمال والقوة في تراثه ومنهاجه النبوي، مدركاً أنَّ “السيادة” ليست في استنساخ الآخر، بل في “الاستعلاء بالإيمان” والتميز بالقيم. إنَّ قوله تعالى: “وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”، قد تحول من نصٍ يُتلى إلى “واقعٍ يُعاش”؛ حيث شعر المؤمن بـ “العلو الأخلاقي” على غطرسة المادة الغربية، وهو شعورٌ يمثل الركيزة النفسية لأي نهضة حضارية قادمة.
إنَّ سوسيولوجيا “هدم صنم القدوة” تتجلى في تحول “البوصلة الثقافية”؛ فالشعوب التي كانت تترقب ما يصدر عن “الأستاذ الغربي” لتقلده، صارت اليوم هي التي “تُلقن” العالم دروس الكرامة. لقد حدث انزياحٌ في “مفهوم الرقي”؛ فلم يعد الرقي هو “التغريب”، بل أصبح الرقي هو “التجذر” في الأرض والمنهاج. إنَّ هذا السقوط للنموذج الغربي هو في حقيقته “تحرر من العبودية الفكرية”؛ فالحضارة التي لا تستطيع حماية “الطفولة” في غزة لا يمكن أن تكون قدوة لتربية أطفالنا، والحضارة التي تقتل “العدل” في محافلها لا يمكن أن تكون مرجعاً لحريتنا.
إنَّ الطوفان قد صنع “فطاماً حضارياً” قسرياً وناجحاً للأمة؛ حيث انقطع حبل السرة الذي كان يمد العقل العربي بـ “سموم التبعية”، لتبدأ الأمة في استمداد غذائها من “وحي ربها” وصلابة “واقعها”. وبذلك، يفتح هدم صنم القدوة الباب واسعاً أمام “إبداعٍ مستقل” و**”هوية مستعلية”**، تُقدّر العلم المادي وتستوعبه، لكنها ترفض “التبعية القيمية”، وتؤمن يقيناً أنَّ فجر التمكين يبدأ حين نكفر بـ “أرباب الحداثة الزائفة” ونؤمن بـ “رب المستضعفين” الذي جعل من غزة منارةً تحرق زيف الأصنام لتضيء درب التحرر العالمي، محققةً قوله سبحانه: “جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا”؛ والباطل هنا هو كل “نموذج” زاحم الحق في قلوب الناس ثم انكشفت عورته في أول مواجهة مع الحقيقة.
5. “الأبارتايد المعرفي”: تغييب السياق التاريخي لصالح “الحدث المنفصل”
إنَّ أخبث تقنيات “الاستشراق السياسي” في تعامله مع القضية الفلسطينية هي ما يمكن تسميته بـ “الأبارتايد المعرفي”؛ وهي عملية عزل مبرمج للحدث عن سياقه الزمني لتحويله من “قضية تحرر وطني” إلى “نوبة عنف معزولة”. لقد شاهد العالم كيف جندت الماكنة الغربية كل طاقاتها لحصر تاريخ الصراع في “يوم السابع من أكتوبر”، محاولةً فرض “بتر تاريخي” جائر يتجاهل ببرودٍ تام خمسة وسبعين عاماً من الاحتلال، والاستيطان، والمجازر، والحصار الخانق.
إنَّ هذا “البتر” ليس مجرد خطأ مهني في التغطية الإعلامية، بل هو “إستراتيجية استشراقية” تهدف إلى غسل الجريمة المستمرة عبر تصوير رد الفعل كأنه “الفعل الأول”، وتصوير المظلوم الذي انفجر من القيد كأنه “المعتدي” الذي بادر بخرق السلام الوهّي. إنَّ الغرب يمارس “تعمية معرفية” ممنهجة ليجعل من التاريخ صفحةً بيضاء تبدأ فقط حين يتألم الصهيوني، بينما تسقط آلاف الصفحات الملطخة بدم الفلسطينيين في “ثقب أسود” من النسيان المتعمد.
إنَّ تشريح مفهوم “الأبارتايد المعرفي” يوضح لنا كيف تُستخدم “اللحظة الراهنة” كأداة لاغتيال “الحقيقة التاريخية”؛ فمن خلال تكرار سؤال: “هل تدين ما حدث في السابع من أكتوبر؟”، يتم سجن العقل في زاوية ضيقة تمنعه من رؤية المشهد الكلي. إنَّ الغرب يحاول انتزاع “الشرعية التاريخية” من المقاومة عبر تحويلها إلى “حدث طارئ” لا جذر له، وهي ذات التقنية التي استخدمها المستعمر القديم في أفريقيا وآسيا لتصوير ثورات الشعوب كأنها “أعمال شغب” غير مبررة.
غير أنَّ الطوفان، بعمقه السنني، قد نجح في “إعادة مركزية التاريخ”؛ حيث أجبر العالم – رغماً عنه – على العودة لفتح ملفات النكبة، والتطهير العرقي في عام 1948، وما تلاها من نكسات ومقاومة. لقد حطم إنسان المنهاج “جدار التعمية”؛ فصار جيل الشباب في الغرب والشرق يبحث فيما وراء “الحدث المنفصل”، ليكتشف أنَّ الطوفان هو “انفجار لبركان تاريخي” تراكمت حممه لعقود، وليس مجرد حادثة عابرة في يوم خريف.
إنَّ سوسيولوجيا هذا الصراع المعرفي تستند إلى قوله تعالى: “وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ”؛ فالتلاعب بالسياق التاريخي هو عين “لبس الحق بالباطل”. إنَّ الغرب يعلم يقيناً أنَّ الاعتراف بالسياق التاريخي يعني بالضرورة الاعتراف بحق المقاومة، ولذلك يهرب إلى “بتر التاريخ”. لكنَّ الطوفان أعاد ربط الحدث بـ “جذوره السننية”؛ فأصبح يُنظر إليه كحلقة في سلسلة الصراع بين الحق والباطل، وكثمرة طبيعية لسنّة الله في تدافع الأمم.
لقد فشل الاستشراق في “تسطيح الوعي”؛ لأنَّ صمود أهل غزة وبلاغة شهودهم ربطت الحاضر بالماضي والمستقبل، وجعلت من التاريخ “كياناً حياً” يرفض القمع. إنَّ استرداد السياق هو “تحرر معرفي” يجعلنا نقرأ الأحداث بعين “الاستمرارية” لا بعين “القطيعة”، ويدفعنا للإيمان بأنَّ الطوفان لم يكن “بداية النهاية”، بل هو “البداية الحقيقية” لنهاية عصر الزيف التاريخي، حيث تسقط الروايات المبتورة أمام جلال “الرواية الكاملة” التي يكتبها المرابطون بدمائهم، معلنين للعالم أنَّ الذاكرة الحية لا تموت، وأنَّ “الحق القديم” لا يبطله “الباطل الحديث” مهما امتلك من أدوات الحجب والتزييف، محققين الوعد السنني بأنَّ الحق يعلو ولا يُعلى عليه حين يجد من يحمله بوعيٍ لا يغيب، وتاريخٍ لا يُنسى.