منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(3)

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة:

استبصار السنن في زمن التحولات”(3)

بقلم: عبد الغني منتصر

الفصل الأول: زلزال السنن وقراءة التحولات الحضارية

المبحث الثاني: تشخيص زمن الغثائية وقابلية الاستعمار

1. تشريح “زمن الغثائية”: من الكم العددي إلى الهباء النوعي (قراءة في سوسيولوجيا العطالة)

إنَّ الولوج إلى تشخيص الأزمة الوجودية التي كبّلت الأمة لعقود يفرض علينا استدعاء التوصيف النبوي العبقري “غثاء كغثاء السيل”، لا بوصفه إخباراً غيبياً فحسب، بل بوصفه “قانوناً سوسيولوجياً” يفسر كيف تفقد الجماعات البشرية وزنها الإستراتيجي رغم ضخامة مواردها الديموغرافية والجغرافية. فزمن الغثائية في فقه المنهاج هو الحالة التي يتحول فيها المجتمع من “جسم فاعل” يمتلك إرادة التوجيه والسيادة، إلى “كتلة منفعلة” تخضع لقوانين الفيزياء الخارجية وتتقاذفها أمواج القوى الدولية دون قدرة على الممانعة. وهذا ما نسميه في التحليل المعرفي بـ “عطالة الكتلة”؛ حيث يصبح التضخم العددي عبئاً على صاحبه بدلاً من أن يكون مصدر قوة، تماماً كما هو الغثاء الذي يطفو فوق السيل، يملأ البصر بحجمه لكنه يفتقر إلى الرابطة العضوية والوزن النوعي الذي يجعله يغوص في أعماق التأثير.

إنَّ تشريح هذه الحالة يكشف لنا عن انشطار خطير في بنية الشخصية الحضارية للأمة، حيث استسلمت الجماهير لمنطق “الكم” على حساب “الكيف”، وغرقت في ثقافة الاستهلاك والتبعية التي أفرغتها من محتواها القيمي الرسالي، لتصبح أمةً “وظيفية” تخدم مشاريع الآخرين بوعيٍ أو بدون وعي. وفي هذا السياق، تبرز الغثائية كـ “مرض اجتماعي” ناتج عن فقدان “المركزية المرجعية”؛ فحين تلهث الأمة وراء سراب الحداثة الغربية وتتخلى عن بوصلتها المنهاجية، تفقد تماسكها الداخلي وتتحول إلى ذرات شتيتة يسهل التلاعب بها واختراقها إعلامياً ومعرفياً.

إنَّ ضياع الوزن الإستراتيجي للأمة في زمن الغثائية لم يكن بسبب نقص في الثروات أو العقول، بل كان بسبب “شلل الإرادة” الجماعية التي جعلت الأمة تخشى من ظلها وتستسلم لأسطورة “العدو الذي لا يُقهر”، وهذا هو جوهر “الوهن” الذي شخّصه النص بوصفه (حب الدنيا وكراهية الموت)، وهو مصطلح سوسيولوجي بامتياز يعبر عن “تضخم الذات الفردية” على حساب “المصلحة الكلية”، مما يفكك عرى التضامن الاجتماعي ويحول الأمة إلى مجموعات من الأفراد المنكفئين على ذواتهم، يراقبون مآسي إخوانهم وكأنها أحداث في كوكب آخر.

إنَّ غثاء السيل يمثل ذروة “الاغتراب الحضاري”؛ حيث يعيش الإنسان في وطنه وهو مسلوب الإرادة، ويملك قراره وهو مرتهنٌ للخارج، لتصبح الأمة بذلك “كتلة هلامية” لا تستطيع أن تقول “لا” في وجه الإملاءات الإمبريالية. إنَّ هذا التحليل يبتعد عن الوعظ ليضع اليد على “العطالة التاريخية” التي أصابت العقل العربي والإسلامي، فجعلته يكتفي بمقعد المتفرج على مسرح الأحداث العالمية، بينما يُكتب تاريخه بأقلام أعدائه. فالغثائية هي الحالة التي تسبق “الاستبدال السنني”، وهي البيئة الخصبة التي ينمو فيها “الاستحمار” وتنتعش فيها “قابلية الاستعمار”، لأنَّ المجتمع الذي يفقد “ثقله النوعي” يصبح عرضةً للاستلاب المعرفي والسياسي. ومن هنا ندرك أنَّ الطوفان جاء ليمارس دور “المصفي السنني”؛ ليرجَّ هذه الكتلة الغثائية رجّاً عنيفاً يعيد ترتيب ذراتها، ويحول “الهباء النوعي” إلى “صلابة جهادية” تعيد للأمة اعتبارها وتخرجها من تيه الأرقام الجوفاء إلى رحاب الفعل التاريخي الذي يصنعه “إنسان المنهاج” المستعلي على قيود المادة.

إنَّ زمن الغثائية كان لابد أن ينتهي بزلزال يُعيد تعريف القوة، ليثبت أنَّ القلة الواعية والمترابطة والمستمسكة بالعروة الوثقى هي التي تقود السيل وتحدد مجراه، وليس الزبد الذي يذهب جفاءً مهما علا في لحظة عابرة من لحظات الانكسار التاريخي، وهذا التشريح هو المدخل الضروري لفهم لماذا كان الطوفان “ضرورة وجودية” لإنقاذ الأمة من الغرق في مستنقع اللاجدوى والعدمية السياسية التي فرضتها عقود التبعية والوهن.

2. “قابلية الاستعمار” واندثار الإرادة الذاتية: تشريح الهزيمة من الداخل “رؤية بن نبي”

إنَّ الحفر في مسببات الانحدار الحضاري الذي سبق لحظة الانبعاث يفرض علينا مواجهة الحقيقة العارية التي صاغها المفكر مالك بن نبي في مفهومه الفذ “قابلية الاستعمار”، وهي الفكرة التي تنقلنا من لوم “الآخر” والتباكي على مؤامرات الخارج إلى شجاعة “النقد الذاتي” والبناء الداخلي؛ فالاستعمار في هذا المنظور السوسيولوجي ليس مجرد اجتياحٍ عسكري أو هيمنة سياسية تُفرض قسراً من وراء البحار، بل هو في جوهره “استجابةٌ حتمية” لخلل بنيوي في تكوين الشخصية الحضارية، وانهيارٍ مسبق في منظومة القيم التي تمسك بزمام المجتمع. إنَّ بن نبي يخبرنا بوضوح أنَّ المستعمر لا يدخل داراً إلا إذا كانت أبوابها قد فُتحت له من الداخل عبر “إرادة التبعية” واندثار “المناعة المعرفية”؛ فالمجتمع يهيئ نفسه للهزيمة حين يتخلى عن “رسالته الخاصة” ويشرع في تبني “أدوات الآخر” دون فلسفته، ظانّاً أنَّ الخلاص يكمن في “التقليد” وليس في “التجديد”.

وهنا يبرز اندثار الإرادة الذاتية كأخطر تجليات هذه القابلية؛ حيث استسلم العقل العربي والإسلامي لنموذج التبعية الكاملة، وانخرط في عملية “تغريب” فاشلة استبدلت الجوهر المنهاجي بالمظاهر القشرية للحضارة الغالبة، فصار يرى بعيني عدوه، ويفكر بعقله، ويحكم على نفسه بالفشل من خلال مقاييس الآخر. إنَّ هذه الحالة من “الاغتراب السوسيولوجي” جعلت الأمة تفقد ثقتها في قدرتها على إنتاج “الفعل التاريخي” الخاص بها، وتحولت إلى مجرد “مستهلك” للأفكار والسلع والحلول المستوردة، وهو ما كرّس حالة من “الخمول الحضاري” الذي يرى في الغرب قَدَراً لا يُرد، وقوةً لا تُقهر، وحضارةً هي نهاية التاريخ.

إنَّ الإسهاب في تحليل هذه النقطة يكشف لنا أنَّ الطغيان الخارجي ليس سوى “ظاهرة مرضيّة” لعدم قدرة المجتمع على حماية حصونه المعنوية؛ فالمجتمع الذي يفقد “شبكة الروابط” الروحية والفكرية التي تجمعه يتحول إلى “ركام إنساني” ينتظر من يملي عليه إرادته. وهنا تكمن مأساة “الإنسان الوظيفي” الذي وصفه بن نبي بأنه يمتلك أدوات الحضارة ولكنه يفتقر إلى “روحها”، مما يجعله يعيش في “تكدس” وليس في “بناء”، وفي “ضجيج” وليس في “حركة”.

إنَّ هذا الانهيار الداخلي هو الذي جعل الأمة تعيش عقوداً من التيه، حيث ظنت أنَّ القوة هي في استيراد السلاح والمصانع، بينما القوة الحقيقية تكمن في “صناعة الإنسان” المتحرر من عقدة النقص. إنَّ الاستعمار لا يستطيع البقاء يوماً واحداً في مجتمعٍ يرفض “القابلية” له، ولكن حين يسود الجهل المنهاجي وتستشري الغثائية، يصبح المستعمر ضرورةً “بيولوجية” لإدارة هذا الركام، وهو ما يفسر كيف تحولت عواصم كبرى إلى مجرد هوامش تابعة للمركزية الغربية، تنتظر منها الاعتراف والشرعية. إنَّ الطوفان جاء ليضرب هذه “القابلية” في مقتل، وليثبت أنَّ الإنسان الذي يتحرر من “وثنية التقليد” ويستعيد “إرادته الذاتية” المستمدة من وحي المنهاج، هو القادر وحده على كسر حلقة التبعية.

فالمعركة الحقيقية التي خاضتها غزة قبل السلاح كانت معركة “التحرر من القابلية”؛ حيث صنعوا سلاحهم من حطامهم، وصنعوا وعيهم من صمودهم، ليقولوا للأمة إنَّ الاستعمار “خرافة” يسكن في عقول الضعفاء فقط، أما القابضون على جمر السنن فلا يراودهم شك في أنَّ الهزيمة اختيار كما أنَّ النصر استحقاق. وبذلك يضعنا بن نبي أمام مرآة الحقيقة لندرك أنَّ الانبعاث يبدأ بتفكيك “البنى النفسية” التي تهوى التبعية، وبناء “الإنسان المنهاجي” الذي يرى في نفسه مركزاً للكون ومسؤولاً عن التاريخ، لا مجرد رقمٍ تائه في إحصائيات الأمم المستعمَرة.

إنَّ استعادة السيادة تبدأ من سيادة العقل على الأفكار الوافدة، ومن قدرة الأمة على أن تقول “أنا” بيقين الصادقين وفعل المقتدرين، وهو ما حول السابع من أكتوبر من مجرد اشتباك عسكري إلى “ثورة سوسيولوجية” كبرى على إرث التبعية وقرون الهوان الذاتي.

3. سوسيولوجيا “الاستحمار”: تزييف الوعي وصناعة الإنسان الوظيفي في ظل الهيمنة

إنَّ الوقوف على آليات السيطرة الحديثة يفرض علينا استحضار المصطلح العبقري الذي نحته المفكر علي شريعتي “الاستحمار”، وهو المصطلح الذي يتجاوز مفهوم “الاستعمار” المادي إلى فضاء “الاستلاب الذهني” الممنهج؛ حيث لا يكتفي المستعمر بمصادرة الأرض والثروات، بل يسعى إلى ما هو أخطر: مصادرة “الوعي” وتحوير بوصلة الإنسان. فـ “الاستحمار” في جوهره السوسيولوجي هو عملية تزييف كبرى للوعي الجمعي، تهدف إلى إشغال الأمة وصرفها عن “قضية الوجود” الكبرى والمصيرية — وهي القدس والتمكين والتحرر — عبر إغراقها في طوفان من القضايا الهامشية والمطالب الاستهلاكية التي تبدو في ظاهرها “حقوقاً” وفي جوهرها “أغلالاً” تمنع النهوض.

إنَّ القوى المهيمنة، ومن خلال أذرعها الناعمة في التعليم والإعلام والمنظومات الثقافية، مارست هندسة اجتماعية دقيقة لتحويل “الإنسان المستخلف” الذي يحمل أمانة السماء ومسؤولية التاريخ، إلى “إنسان وظيفي” محدود الأفق، يدور في ساقية المنظومة العالمية كترسٍ صغير لا يدرك الغاية من حركته؛ حيث تم إحلال “ثقافة الرغبة” محل “ثقافة الرسالة”، وصار النجاح يُقاس بمدى القدرة على الاستهلاك والاندماج في الأنماط الغربية، وليس بمدى الفاعلية في تغيير واقع الأمة. إنَّ هذا “الاستحمار المعاصر” يعتمد على استراتيجية “الإلهاء المقدس” أو “الإلهاء المدنس”؛ فإما إغراق الإنسان في صراعات مذهبية وتاريخية عقيمة لا تقدم ولا تؤخر في ميزان القوى، وإما إغراقه في ترفٍ فكري ومادي واستهلاكي يجعله غريباً عن آلام وطنه وقضايا أمته، وبذلك يتم إفراغ الإنسان من “جوهرة الإرادة” وتحويله إلى كائن “قابل للركوب” تاريخياً، يخدم أعداءه وهو يظن أنه يخدم نفسه.

إنَّ التعمق في تحليل هذه الحالة يكشف لنا عن “الاغتراب المعرفي” الذي أصاب النخب والعوام على حد سواء، حيث أصبحت المناهج التعليمية مصنعاً لتخريج عمال وموظفين يمتلكون المهارات التقنية ولكنهم يفتقرون إلى “البصيرة المنهاجية”، فيقضون أعمارهم في بناء صروح الحضارة الغالبة بينما حضارتهم تئن تحت وطأة النسيان. إنَّ الاستحمار هو الذي جعل الأمة تنظر إلى “الطوفان” في بداياته كحدثٍ مزعج يهدد استقرارها الاستهلاكي، لأنَّ الإنسان الوظيفي يخشى من كل ما يكسر رتابة التبعية أو يطالبه بضريبة الحرية. وهنا تكمن خطورة “تزييف الوعي”؛ إذ إنه يحول الضحية إلى مدافع عن جلاده، ويجعل من التبعية “واقعية” ومن المقاومة “تهوراً”.

إنَّ القوى الإمبريالية أدركت أنَّ السيطرة على العقول أرخص بكثير وأكثر ديمومة من السيطرة على الحصون، فأنشأت جيوشاً من “المستحمرين” إعلامياً، مهمتهم الوحيدة هي تقزيم الطموح القومي والإسلامي وحصره في لقمة العيش أو الرفاهية الزائفة، بعيداً عن مراكز القوة والسيادة الحقيقية. إنَّ “إنسان المنهاج” الذي نبشر به هو النقيض الجذري لهذا “الإنسان الوظيفي”؛ هو الإنسان الذي استعاد وعيه بمركزيته في الوجود، ورفض أن يكون “أداة” في يد المشاريع العابرة للقارات. إنَّ الطوفان لم يكن مجرد انفجار عسكري، بل كان “صحوة من التنويم المغناطيسي” الذي فرضه الاستحمار العالمي لعقود، حيث أثبتت ثلة من المؤمنين أنَّ الوعي بالقضية والتمسك بالثوابت يمكن أن يحطم أعتى آلات التزييف، وأنَّ الإنسان حين يتحرر من “وثنية الاستهلاك” يستعيد قدرته على صناعة المعجزات.

إنَّ تشخيص شريعتي يضعنا أمام مسؤولية تاريخية لتفكيك المنظومات التي تسرق عقول شبابنا وتوجه اهتماماتهم نحو السخف والسطحية، لنعيد بناء “العقل المقاوم” الذي يعرف عدوه حق المعرفة، ويدرك أنَّ التمكين لا يأتي إلا بكسر “قيود الاستحمار” أولاً، وبالخروج من سجن “الوظيفية” نحو رحاب “الاستخلاف” الشامل الذي يجعل من كل عمل، مهما كان صغيراً، لبنةً في صرح السيادة والكرامة والشهادة على الناس. إنَّ الطريق إلى القدس يبدأ بتطهير العقول من لوثات التزييف، واستعادة تعريف “الإنسان” ككائن يحمل رسالة إلهية، لا كمجرد وحدة بيولوجية تستهلك ما ينتجه الآخرون وتعيش على هامش التاريخ بانتظار فتات الموائد الدولية.

5. “الإنسان السائل”: نقد الشخصية المهزومة وتحلل الثوابت في عصر السيولة

إنَّ تعميق التشريح السوسيولوجي لشخصية “إنسان ما قبل الطوفان” يقتضي منا الاشتباك المعرفي مع مفهوم “الحداثة السائلة” الذي صاغه المفكر زيجمونت باومان، لنفهم كيف أنتج زمن الغثائية كائناً “سائلاً” يفتقر إلى الصلابة المبدئية والعمق التاريخي. فالسيولة هنا ليست مجرد توصيف اجتماعي، بل هي حالة من “التحلل القيمي” أصابت بنية الإنسان المسلم والعربي، فجعلته بلا ثوابت صلبة يمكنه الارتكاز عليها في مواجهة رياح الهيمنة.

إنَّ “الإنسان السائل” هو ذاك الكائن الذي فقد “مركزيته المرجعية” وانحلّت روابطه الوثقى مع تراثه ومنهاجه، فأصبح كالمادة السائلة التي تأخذ شكل الإناء الذي توضع فيه؛ يسهل تشكيله وتدجينه وفق القوالب التي تصيغها القوى المهيمنة. وحين تغيب الصلابة العقائدية والمنهاجية، تحلُّ محلها “الهزيمة النفسية” التي تحول الآخر (العدو) في عين المهزوم إلى “قوة أسطورية” مطلقة لا تقبل القهر ولا تخضع للسنن البشرية.

إنَّ هذا الاستلاب النفسي هو النتيجة الحتمية لضياع “المواطئ الصلبة” في الروح، حيث يعيش الإنسان في حالة من “الارتحال القيمي” الدائم، يتبنى الأفكار والمواقف كما يتبنى الموضات الاستهلاكية، بلا فحصٍ أو تمحيص، مما حوّل الأمة إلى ركامٍ من الذوات المنفصلة التي تبحث عن أمنها الفردي الزائف في ظلال المنظومة العالمية التي تستعبدها.

إنَّ التبصر في نقد هذه الشخصية السائلة يكشف لنا عن تلازمٍ خطير بين “سيولة الهوية” وبين “الاستسلام السياسي”؛ فالذي لا يملك أرضاً صلبة في وعيه لن يجرؤ على الدفاع عن أرضه في الواقع. ولذلك عملت أجهزة الإعلام والتعليم الغربي على “تمييع” المفاهيم الكبرى كـ (الجهاد، الولاء، البراء، الأمة)، واستبدلتها بمفاهيم سائلة كـ (المواطنة العالمية، التسامح المنفلت، السلام الانهزامي)، ليخرج لنا جيلٌ يرى في “القدس” مجرد عقار متنازع عليه، وفي “المقاومة” خروجاً عن مقتضيات الحداثة المعاصرة.

إنَّ “الإنسان السائل” هو إنسان “اللحظة” الذي لا ذاكرة له، ومن ثمَّ لا مستقبل له، وهو الذي جعل العدو الصهيوني يبدو في وعينا كـ “قدرٍ محتوم” وكجيشٍ لا يُهزم، لأنَّ عيوننا المهزومة كانت تقارن بين “تكنولوجيا العدو الصلبة” وبين “إرادتنا السائلة”، متناسيةً أنَّ القوة المادية مهما بلغت عتاداً تظل هشة أمام “الكتل الصلبة” من المؤمنين الذين لا يقبلون الانصهار في بوتقة التغريب.

إنَّ زمن الغثائية كان في حقيقته “عصر السيولة” بامتياز، حيث تم تفكيك الروابط الجماعية وتحويل الأمة إلى “سديم” من المستهلكين الذين يخشون فقدان رفاهيتهم أكثر من خشيتهم على كرامتهم. وهنا تبرز عظمة الطوفان الذي جاء كـ “عامل تجميد” وصدمة حرارية أعادت للوعي صلابته؛ حيث كسر الطوفان سيولة الهزيمة النفسية، وأثبت أنَّ “القوة الأسطورية” للعدو ليست سوى وهمٍ سكن في عقول السائلين. فالمواجهة في “المسافة صفر” هي في جوهرها صدامٌ بين “إرادة صلبة” استعادت مرجعيتها المنهاجية، وبين “مادة صهيونية” رغم قوتها هي في ميزان السنن أوهن من بيت العنكبوت.

إننا إذ ننقد الشخصية المهزومة، نهدف إلى بناء “الإنسان المنهاجي الصلب” الذي يرفض التشكيل والتدجين، ويدرك أنَّ الثبات على المبدأ هو أول شروط التمكين. فالحضارات لا تبنيها الأرواح السائلة التي تذوب عند أول اختبار، بل تبنيها النفوس التي تملك من “الصلابة الإيمانية” ما يجعلها تتكسر عليها كل أمواج الاستكبار العالمي. إنَّ الخروج من تيه السيولة يقتضي العودة إلى “جذر المنهاج” الصافي، حيث الوضوح في الرؤية، واليقين في الهدف، والاستعلاء على “إغراءات الحداثة” التي تريد تحويلنا إلى مجرد أرقام وظيفية في نظامٍ عالمي ملحد لا يقيم للروح وزناً. فالطوفان أعاد لنا “بوصلة الثوابت”، ليعلمنا أنَّ الحق لا يُسترد بالعقول المائعة، بل بالقبضات التي تعرف كيف تتمسك بجمر السنن حتى يأذن الله بالفتح أو النصر المبين.

6. شرارة الانعتاق: تحطيم دورة الاستضعاف وبزوغ “إنسان الفاعلية”

إنَّ الانتقال من ليل الغثائية الحالك إلى فجر الفاعلية التاريخية لا يحدث عبر معجزات تنزل من السماء لتعفي البشر من كدحهم، بل هو “صيرورة سننية” تبدأ حين تنفجر شرارة الانعتاق في رحم المجتمع الأكثر استضعافاً، لتعلن كسر “دورة الاستضعاف” التي حاصرت العقل المسلم لقرون. فشرارة الانعتاق في فقه الطوفان هي اللحظة التي يقرر فيها “إنسان المنهاج” أنَّ الانبعاث الحقيقي لا يبدأ بالثورة على العدو المدجج بالسلاح فحسب، بل يبدأ قبل ذلك بـ “ثورة كبرى على الذات المهزومة”؛ ثورة تقتلع جذور “قابليات الاستعمار” وتطهر الوعي من لوثات “الاستحمار” وسيولة الهوية.

إنَّ التحول من “الغثائية” التي تتقاذفها الأمواج إلى “الفاعلية” التي تصنع الموج وتحدد مجراه، هو أعظم إنجاز سوسيولوجي حققه تيار المقاومة في “مختبر الحصار” بقطاع غزة، حيث تحول الحصار من أداة للإبادة والتدجين إلى “رحمٍ لإعادة الصياغة” الحضارية. ففي ذلك الحيز الجغرافي الضيق، تم عزل الإنسان عن مغريات الحداثة السائلة وحقن الوعي بزخم المنهاج الصافي، لينتج لنا طرازاً فريداً من البشر يمتلك “مناعة إستراتيجية” ضد الهزيمة النفسية؛ إنسانٌ لا يرى في القوى المهيمنة قدراً محتوماً، بل يراها “بنى مادية” هشة تفتقر إلى المعنى. إنَّ هذا التحول النوعي هو الذي مكن المقاومة من الانقضاض على “أساطير القوة” التي سادت زمن الغثائية؛ فحين تحررت الذات من قيود العجز، أصبح الطريق نحو “7 أكتوبر” ممهداً باليقين السنني قبل أن يمهد بالتكتيك العسكري.

إنَّ التحليل المتبصر لهذه النقطة يكشف لنا أنَّ الطوفان كان “عملية تحرير للوعي الجمعي” للأمة بأسرها، حيث كسر صورة “الكيان الذي لا يقهر” وجعله يبدو في عيون الشعوب مجرد “ثكنة مرتجفة” تستجدي الحماية من أسيادها. وهذا التحرير المعرفي هو الشرط الضروري للتمكين؛ إذ لا يمكن لأمةٍ أن تتحرر جغرافياً وهي لا تزال مستعبدةً نفسياً ومستحمَرةً إعلامياً.

إنَّ “إنسان المنهاج” الذي خرج من تحت ركام الحصار، استطاع أن يقدم للأمة “النموذج التطبيقي” للفاعلية، محولاً المفاهيم القرآنية من نصوص للتلاوة في المآتم إلى “ميكانيزمات” للفعل في الميادين. وبذلك انكسرت دورة الاستضعاف التي كانت تتغذى على يأسنا وتفرقنا، وظهرت بدلاً منها “دورة الانبعاث” التي تتغذى على الرباط والمدافعة. إنَّ الانبعاث هنا هو فعلٌ “إرادي” بامتياز، تطلب جرأةً على مواجهة النظام العالمي بأسره، وتطلب قبلاً جرأةً على مواجهة “أصنام الخوف” داخل النفس العربية.

فالطوفان لم يكن صدفةً تاريخية، بل كان “النتيجة المنطقية” لاستعادة الإنسان المسلم لمركزيته المستخلفة، ورفضه أن يظل مجرد “رقم وظيفي” في خدمة المركزية الغربية. إنَّ هذه الفاعلية الجديدة التي دشنها الطوفان، أحدثت خلخلةً في “بنية الوعي العالمي”، وأعادت الاعتبار لقيم الفداء والتضحية في عصرٍ ظنَّ فيه الجميع أنَّ المادة قد قتلت المعنى. ومن هنا ندرك أنَّ “شرارة الانعتاق” قد تجاوزت حدود غزة لتمتد في وجدان كل حرٍ في هذه الأمة، معلنةً نهاية “عصر الغثاء” وبداية عصر “الشهود الحضاري”؛ حيث لم تعد الأمة تنتظر من يكتب تاريخها، بل بدأت تكتبه بدمائها ومداد يقينها. إنَّ “المنهاج” حين يسكن القلوب المخلصة يحول المستضعفين إلى أئمة ويجعلهم الوارثين، وهذه هي الضرورة السننية التي نلمس أثرها اليوم في كل جبهات المواجهة، حيث يتراجع الاستكبار أمام ثبات “إنسان الفاعلية” الذي قرر أنَّ العيش بكرامة هو الخيار الوحيد، وأنَّ زمن “الاستحمار” قد ولى بغير رجعة مع أول صرخة تكبير دوت في آفاق الطوفان، محطمةً كل قيود التبعية ومرسخةً لفجرٍ جديد من الحرية والتمكين الذي لا يعرف المستحيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.