“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(11) تابع
عبد الغني منتصر
“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(11) تابع
عبد الغني منتصر
المبحث الخامس: تفكيك مؤسسات النظام العالمي المتهاك
1. “الأمم المتحدة” والوفاة الإكلينيكية في مختبر غزة
لقد مَثَّل “طوفان الأقصى” الزلزال الذي هدم أركان المعبد الدولي، كاشفاً أنَّ “الأمم المتحدة” قد بلغت مرحلة “الوفاة الإكلينيكية” في قدرتها على لجم العدوان وحماية الإنسان. إنَّ المنظمة التي أُسست على أنقاض الحرب العالمية الثانية تحت شعار “منع تكرار المآسي”، تحولت في مختبر غزة إلى مجرد “منصة إحصائية”؛ فنيُّوها يبرعون في عدّ الجثث، ومسؤولوها يتقنون صياغة بيانات “القلق” و”الصدمة”، لكنها بقيت مشلولة بالكامل عن اتخاذ قرار واحد يوقف شلال الدم.
لقد كسر الطوفان هالة “الشرعية الدولية” التي طالما استُخدمت كفزاعة ضد المستضعفين، وأثبت للعالم أنَّ هذه الشرعية هي مجرد “وهم قانوني” و”بنية سائلة” تتبخر فور اصطدامها بإرادة القوة الصلبة التي يمتلكها المركز الاستعماري الغربي. إنَّ مشهد الأمين العام للأمم المتحدة وهو يقف عاجزاً عند “معبر رفح”، يترجى إذن الجلاد لإدخال شاحنة طعام، كان هو الإعلان الرسمي لموت السيادة الأخلاقية لهذا النظام العالمي. إنَّ هذا السقوط ليس عجزاً تقنياً، بل هو “سقوط جوهري” في أصل التكوين؛ فالأمم المتحدة لم تُصمم لتكون عادلة، بل صُممت لتكون “أداة تنظيمية” لسيطرة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية.
لقد أدرك “إنسان المنهاج” في غزة أنَّ الرهان على “أروقة نيويورك” هو رهانٌ على سراب، فاستعاض عن “قوانينهم السائلة” بـ “قانون الثبات” وعن “قراراتهم المشلولة” بـ “إرادة الميدان”. إنَّ قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا”، يتجلى اليوم في تحذير الأمة من الركون إلى هذه المنظومات التي لا تزيدنا إلا ضعفاً وضياعاً، فهي بطانةٌ غريبة عن قيمنا ومصالحنا، تعمل كغطاءٍ دبلوماسي لاستمرار الجريمة تحت ستار “المفاوضات” و”المساعي الحميدة”.
إنَّ سيكولوجية “الخديعة الدولية” تظهر في أنَّ المنظمة الدولية تمنح المظلوم “حق الكلام” وتمنح الجلاد “حق الفعل”؛ فالصراخ مسموح في قاعات الجمعية العامة، بينما القتل مسموح على أرض الواقع. لقد واجه إنسان غزة هذه القسمة الجائرة بكفرٍ مطبق بـ “آلهة النظام الدولي”، مؤمناً أنَّ “الشرعية” تُنتزع بالدم لا بالترجي. إنَّ الاستشهاد بمواقف “أنطونيو غوتيريش” الذي حوصر واتُّهم بمعاداة السامية لمجرد ذكره أنَّ الطوفان “لم يأتِ من فراغ”، يثبت أنَّ هذه المنظمة لم تعد تملك حتى “حق التفسير التاريخي” إذا خالف الرواية الصهيونية.
إنَّ التفكيك المعرفي لهذا النظام المتهاوي يستند إلى الحقيقة القرآنية: “وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ”؛ فلم يعد المؤمن يرى في “مجلس الأمن” رباً يُرجى أو يرهب. لقد أعاد الطوفان ترتيب الوعي؛ فالأمن لا تصنعه “القبعات الزرقاء” التي تنسحب عند أول مواجهة، بل يصنعه “الرباط” ويحميه “اليقين”. إنَّ الوفاة الإكلينيكية للأمم المتحدة في غزة هي فرصة الأمة الكبرى للتحرر من “عقيدة الانتظار”؛ انتظار المنقذ الدولي أو القرار الأممي. وبذلك، يكون الطوفان قد فتح بوابة العبور نحو “التمكين الذاتي”، محققاً قوله سبحانه: “إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ”.
2. “ديكتاتورية الفيتو”: سلب الإرادة العالمية وشرعنة الإبادة
إنَّ المتأمل في هندسة “مجلس الأمن” يدرك أنَّ ما يُسمى بـ “حق النقض” (الفيتو) قد انتقل في مختبر غزة من كونه أداة لتوازن القوى السياسية إلى كونه “أداة قتل مباشرة” وشرعنة علنية لحرب الإبادة. لقد شهد العالم كيف تحول “الفيتو” الأمريكي تحديداً إلى رخصة مفتوحة للقتل؛ فكلما اجتمعت إرادة الأمم لوقف نزيف الدم، ارتفعت يدٌ واحدة في نيويورك لتمنح الضوء الأخضر للمقصلة في غزة.
هذا الاستخدام المتعسف أدى إلى “تفكيك الميثاق” من داخله؛ إذ كيف يمكن لمنظمة أُسست “لحماية الأجيال من ويلات الحرب” أن تمنح عضواً واحداً سلطة تعطيل الحياة لمليونين ونصف المليون إنسان؟ إنَّ “الفيتو” لم يعد في وعي الشعوب مجرد إجراء قانوني، بل تحول إلى “مشاركة جنائية في الجريمة”؛ فمن يمنع وقف القتل هو قاتل بالضرورة، ومن يعطل وصول الغذاء هو مُجوع بالقرار. إنَّ هذه الديكتاتورية تكشف لنا كيف سقط المفهوم الأخلاقي لهذا الحق؛ فبعدما كان يُسوق كأداة لمنع صدام القوى الكبرى، أصبح اليوم يُستخدم لحماية “المجرم المدلل” من الحساب.
لقد أدرك “إنسان المنهاج” أنَّ هذا النظام هو “أبارتايد سياسي” بامتياز، حيث تملك خمس دول حق تقرير مصير البشرية، بينما تُسلب الإرادة العالمية تماماً. إنَّ هذا الواقع يجسد قوله تعالى: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ”. فهم يرفعون الفيتو بدعوى حماية “حق الدفاع عن النفس” واستقرار المنطقة، بينما هم في حقيقتهم يزرعون الفساد والدمار في أبشع صوره.
إنَّ سيكولوجية “الفيتو” في زمن الطوفان قد أنهت شرعية مجلس الأمن بصيغته الحالية؛ فالإنسان في غزة لم يعد ينتظر “رفعة يد” من مندوب واشنطن، بل صار ينتظر “رمية يد” من مقاتل في خندق. لقد حطم الطوفان الرهان الشعبي على “العدالة الإجرائية”؛ فالعالم الذي يقف عاجزاً أمام إرادة دولة واحدة هو عالمٌ “فاقد للسيادة”. إنَّ التفكيك المعرفي لهذا النظام يقودنا إلى الحقيقة القرآنية: “وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه”؛ فالفيتو الذي أرادوا به خنق غزة، تحول إلى وسيلة لخنق “سمعتهم الدولية” وكشف عوراتهم الحضارية.
وبذلك، يكون الطوفان قد أسس لشرعية جديدة: “شرعية الميدان الـمُحِق” في مواجهة “قانون القوة الباطل”. إنَّ سقوط قدسية “الفيتو” هو مقدمة لسقوط المنظومة التي أنتجته، ليفسح المجال لعصرٍ لا يُحكم فيه العالم بمزاج المستعمر القديم، بل بميزان القسط والعدل الذي لا يفرّق بين دمٍ ودم، محققاً قوله سبحانه: “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”؛ فلا حكم لـ “فيتو” يضاد حكم الله في حماية المظلوم.
3. “القانون الدولي”: من “درع المظلوم” إلى “سلاح الجلاد”
إنَّ المتأمل في مسار “القانون الدولي” منذ نشأته يدرك أنه لم يكن يوماً نصاً محايداً، بل هو “لغة القوة” في ثوب الحقوق. لقد جاء الطوفان ليفضح “الطبيعة العنصرية” الكامنة في أحشاء هذا القانون؛ حيث كشف كيف يُستحضر هذا القانون بصرامةٍ حديدية وبسرعةٍ قياسية في ملفات معينة كأوكرانيا، بينما يُصاب بالشلل والعمى والخرس عندما يلامس أرض غزة. هذا التباين الصارخ ليس “فشلاً إجرائياً”، بل هو “أبارتايد قانوني” يُصنف البشر إلى درجات؛ فضحايا “المركزية الغربية” يستحقون تدخلاً عاجلاً، أما ضحايا غزة فيُطالبون بـ “ضبط النفس” وتُفتح لهم متاهات اللجان التحقيقية التي لا تنتهي.
لقد أدركت شعوب العالم أنَّ “العدالة الدولية” هي “عدالة انتقائية” تخدم الرجل الأبيض ومصالحه الحيوية، وأنَّ هذا القانون تحول من “درعٍ” كان يُفترض أن يحمي المظلوم، إلى “سلاحٍ” في يد الجلاد يُشرعن به حصاره ويُغلف به إبادته بمصطلحات “الحرب المشروعة” و”الدفاع عن النفس”. إنَّ في تشريح هذا السقوط الأخلاقي يقودنا إلى ملاحظة كيف قام الطوفان بـ “تحطيم المركزية المعرفية” للقانون الغربي؛ فقد كسر إنسان المنهاج احتكار الغرب لتعريف “العدل”. لقد أثبت الصمود في غزة أنَّ القوانين التي لا تمنع ذبح الأطفال في بيوتهم هي قوانين “ساقطة الصلاحية”، وأنَّ التمسك بها هو نوع من “العبودية المعرفية”.
وبدلاً من ذلك، أعاد الطوفان تعريف “العدل” بناءً على “قيم الفطرة والمنهاج”؛ حيث العدل هو ما يُنتزع بالثبات، والحق هو ما تُسانده “سنة التدافع” لا “مواثيق جنيف” التي تُنتهك في كل دقيقة. إنَّ قوله تعالى: “أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ”، يصف بدقة هذه الحالة؛ فالقانون الدولي بصيغته العنصرية الحالية ليس إلا “جاهلية حديثة” تُلبس الظلم ثوب المنطق، بينما يقدم المنهاج الإسلامي حكماً قائماً على “المساواة الوجودية” بين البشر.
لقد رأينا كيف تعطلت “المحكمة الجنائية الدولية” عن إصدار مذكرات اعتقال بحق مجرمي الحرب لشهور طويلة، بينما صدرت في ملفات أخرى في غضون أيام؛ هذا “البطء المتعمد” هو في حقيقته سلاحٌ يُمنح للجلاد لإتمام مهمته. إنَّ إنسان المنهاج قد كفر بهذه المنظومة، ليس رغبةً في الفوضى، بل رغبةً في “العدالة الحقيقية”؛ تلك التي تستمد قوتها من إرادة الشعوب الحرة ومن اليقين بالعدل الإلهي.
إنَّ غزة اليوم هي “المحكمة العليا” للبشرية، وقضاتها هم المرابطون، وحكمها هو أنَّ “الحق لا يحتاج لختم جنيف ليكون حقاً”. وبذلك، يكون الطوفان قد أعاد صياغة الوعي القانوني العالمي؛ فصار العدل يُعرف بمدى قدرته على “وقف الظلم” لا بمدى “أناقة نصوصه”. إنَّ العودة إلى المنهاج تعني العودة إلى “القانون الصلب” الذي لا يتبدل بتبدل المصالح، محققاً قوله سبحانه: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ”؛ وهو عدلٌ شامل لا يفرق بين عرقٍ وآخَر، معلناً أنَّ فجر القانون الإنساني الحقيقي لن يبزغ من أروقة الأمم المتحدة، بل من أنفاق غزة ومآذنها التي تأبى الانكسار أمام زيف القوانين العنصرية.
4. “محكمة العدل الدولية” وبين مطرقة القانون وسندان السياسة
تمثل “محكمة العدل الدولية” في المخيال الحديث ذروة ما وصل إليه العقل القانوني البشري، لكنَّ الطوفان وضعها في مواجهة “الحقيقة العارية”، ليكشف قصور الأدوات القضائية الدولية عن مواجهة “إرهاب الدولة” الممنهج. لقد شاهد العالم كيف وقفت أعلى سلطة قضائية كونية بين مطرقة النصوص القانونية الواضحة وسندان السياسة الدولية الضاغطة؛ فبينما كانت “الإبادة الجماعية” تُبث على الهواء مباشرة، كانت المحكمة غارقة في صياغات حذرة ومساطر زمنية ممتدة.
إنَّ هذا المسار كشف حقيقة مُرّة: وهي أنَّ “العدالة المتأخرة هي ظلمٌ مُقنّع”؛ فما قيمة القرار الذي يُطالب بـ “منع الإبادة” بينما تظل آلة القتل تعمل بكامل طاقتها؟ لقد أدرك الوعي الجديد أنَّ هذه المحاكمات، رغم أهميتها الرمزية، تُستخدم أحياناً كـ “أداة لامتصاص الغضب الشعبي”؛ حيث يُمنح المظلوم شعوراً وهمياً بالانتصار القانوني في القاعات، بينما يُترك جسده نهباً للقذائف في الميدان. إنَّ “المساطر القانونية المعقدة” ليست قدراً محتوماً، بل هي “خيارٌ سياسي” يُراد منه كسب الوقت لصالح الجلاد.
لقد كشف الطوفان أنَّ الحق لا يحتاج إلى “إثباتات” بقدر ما يحتاج إلى “إرادات”؛ فالعجز عن إصدار “قرار وقف إطلاق نار فوري” وإحالة الأمر إلى لجان ومتابعات هو في جوهره “هروبٌ من المسؤولية الأخلاقية”. إنَّ هذا الواقع أثبت للأمة ضرورة وجود “قوة ذاتية” تحمي الحق؛ فالقانون بلا قوة تحميه هو مجرد “نص أدبي” يثير الشفقة ولا يمنع القتل. إنَّ “إنسان المنهاج” في غزة لم يرهن مصيره بجلسات “لاهاي”، بل رهن مصيره بـ “الرباط والمواجهة”، مدركاً أنَّ ميزان العدل على الأرض لا يستقيم إلا إذا كانت يد صاحب الحق هي التي تمسك بكفة القوة.
إنَّ هذا الفهم يتسق مع التوجيه الإلهي الصارم: “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ”. فالآية لم تأمرنا بإعداد “المرافعات القانونية” فحسب، بل ركزت على “القوة” التي تُحدث أثراً نفسياً وميدانياً (الترهيب). فالمحكمة التي لا يرهبها الظالم لن تردعه، والقرار الذي لا تسنده قوة إلزامية هو “بيان استجداء”. لقد تحطمت أسطورة “المؤسسة القضائية المحايدة”؛ فالمحكمة محكومة بتوازنات تمويلها، وضغوط الدول التي تأويها، مما يجعلها أداة “تسوية” لا أداة “تغيير”.
إنَّ التفكيك المعرفي لهذه النقطة يقودنا إلى ضرورة التحول من “عقلية الاستجداء القانوني” إلى “عقلية الندّية الحضارية”. غزة اليوم تقول للعالم: إنَّ المحكمة الحقيقية هي التي تنعقد في “ساحات النزال”، وقاضيها هو التاريخ، وحكمها هو “البقاء للأصلح روحاً والأقوى إرادة”. لقد سقط الرهان على الأدوات القضائية السائلة التي تزن “دم الضحية” بميزان “مصلحة القاتل”، وارتفع الرهان على “عدالة المنهاج”، محققاً القناعة السننية بأنَّ الحقوق التي لا تحميها “الصدور المؤمنة” ستبقى حبراً على ورق، مصداقاً لقوله سبحانه: “كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ”.
5. “سقوط النظام المالي العالمي” كأداة للهيمنة والابتزاز
إنَّ “طوفان الأقصى” لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كان صداماً عنيفاً مع “المنظومة المالية الإمبريالية” التي تدير العالم عبر “الإرهاب الاقتصادي”. لقد كشفت غزة للعالم كيف يُستخدم النظام المصرفي والمالي الدولي (من منظومة “سويفت” وصولاً إلى البنك الدولي) كـ “سلاح دمار شامل” لفرض التبعية وكسر إرادة الشعوب التي تنشد التحرر. إنَّ الحصار المالي المضروب على غزة منذ عقود، والذي اشتد ضراوةً مع الطوفان عبر تجفيف منابع الدعم وملاحقة “لقمة العيش” تحت مسمى “مكافحة تمويل الإرهاب”، أثبت أنَّ “الدولار” هو الجندي الأول في معركة الاستعمار الحديث.
لقد تحول الاقتصاد العالمي في مختبر غزة إلى أداة لـ “تجويع الحواضن المقاومة”، حيث يُعاقب الرضيع والشيخ على صمود المقاتل، في أبشع عملية “ابتزاز أخلاقي” عرفها التاريخ المعاصر، تهدف إلى دفع الشعوب للكفر بخيار المقاومة مقابل “كسرة خبز” مغمسة بالذل. إنَّ هذا السقوط المالي يقودنا إلى رصد ولادة “الوعي الاقتصادي الجديد”؛ ذلك الوعي الذي أدرك أنَّ السيادة السياسية لا قيمة لها دون “تحرر مالي”. لقد بدأت الشعوب تبحث عن بدائل اقتصادية مستقلة تحطم قيود المنظومات الغربية، وهو ما نطلق عليه “اقتصاد المقاومة” أو “اقتصاد الكفاف الكريم”.
هذا النموذج الذي اجترحته غزة، حيث تُصنع القوة من العدم ويُدار العيش بالحد الأدنى من الارتباط بالنظام العالمي، قدم برهاناً حياً على أنَّ “الإرادة” هي العملة الأصعب والأكثر قيمة. إنَّ هذا التفكيك يتجلى في قوله تعالى: “هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ”. هذه الآية هي “القانون الإلهي” الذي يفضح عقلية الحصار المالي؛ فالمستعمر يظن أنَّ “الخزائن” بيده، وأنهم بالمنع والتضييق يستطيعون فضّ الناس عن منهج الحق، لكنَّ “إنسان المنهاج” في غزة أعاد الاعتبار لليقين بأنَّ “خزائن السموات والأرض” هي التي تدير الميدان.
إنَّ سيكولوجية “التحرر من الابتزاز” تعني نهاية أسطورة “الرفاه المشروط”؛ فالشعوب اليوم تدرك أنَّ “القروض الدولية” و”المساعدات المشروطة” هي في حقيقتها “سلاسل ذهبية” تُساق بها الدول نحو حظيرة التطبيع والتبعية. إنَّ غزة اليوم تؤسس لـ “فقه الاستغناء”؛ وهو الفقه الذي يرى في “الاكتفاء الذاتي” ذروة العمل السياسي، وحيث لا يكون القرار مرتهناً لـ “صندوق النقد”، بل نابعاً من “صندوق الصمود” وشرف الاعتماد على النفس.
إنَّ معركة “الرغيف والكرامة” في غزة قد حُسمت لصالح الكرامة، مؤكدةً أنَّ الجسد الذي يقوده الإيمان يستطيع تحمل الجوع، لكن الروح التي تذوقت العزة لا يمكن أن تبيع ولاءها بكنوز الأرض السائلة، محققاً قوله سبحانه: “وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ”؛ وهي الأرزاق التي لا تملك البنوك الدولية مفاتيحها، بل يمنحها الله لمن كسروا أصنام المادة وآمنوا برب العزة والتمكين.