منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(9) تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(9) تابع

بقلم: عبد الغني منتصر

المبحث الثالث: انبعاث الوعي الإسلامي الجديد

1.من “إسلام الطقوس” إلى “إسلام المنهاج”: استعادة البعد الحركي للدين

إنَّ أعظم الانتصارات التي حققها “الطوفان” في وعي الأمة هو تحطيمه للصنمية التي غلفت مفهوم التدين لعقود؛ حيث انتقل العقل المسلم من ضيق “إسلام الطقوس” المفرغ من محتواه الحركي، إلى رحابة “إسلام المنهاج” الذي يصنع التاريخ ويغير موازين القوى. لقد كشف الطوفان زيف ذلك “التدين الوعظي” السلبي الذي حصر الإسلام في ركعاتٍ خاشعة لا يتبعها فعل، وأذكارٍ لسانية لا يصدقها الميدان.

إنَّ “إنسان المنهاج” في غزة قد قدم للعالم النموذج الحي لـ “التدين الجهادي الشامل”؛ حيث لا ينفصل المصحف عن البندقية، ولا تنفصل صلاة الفجر عن التسلل خلف خطوط العدو. هذا التحول يعني استعادة “البعد الحركي” للدين؛ فالدين في غزة ليس أفيوناً للشعوب كما ادعت الماركسية، وليس “علاقة شخصية بين العبد وربه” كما تروج الليبرالية، بل هو “طاقة تفجيرية” تُحول المستضعف إلى قوةٍ قاهرة تكسر هيبة القياصرة والمستكبرين. لقد حطم الطوفان صورة “المسلم السلبي” الذي ينتظر معجزةً تنزل من السماء وهو قاعد، وأحيا صورة المسلم الذي “يصنع المعجزة” بسعيه السنني ويقينه الغيبي.

إنَّ التفصيل في تحليل هذا الانبعاث يقودنا إلى مراقبة كيفية إعادة صياغة “المفاهيم الغيبية” التي طالما استُخدمت لتخدير الأمة؛ فمفاهيم مثل “القضاء والقدر” و”التوكل” و”الصبر”، لم تعد في وعي جيل الطوفان مبررات للاستسلام أو الانكفاء، بل تحولت إلى “وقودٍ للمواجهة”. لقد فهم المجاهد في غزة أنَّ “التوكل” هو قمة الأخذ بالأسباب (صناعة الصاروخ وحفر النفق)، وأنَّ “القدر” هو ما نصنعه بأيدينا تحت عين الله، وأنَّ “الصبر” هو الثبات الميداني الذي يسبق الفتح. إنَّ قوله تعالى: “فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ”، قد تحول من نصٍ لاهوتي إلى “قانون عسكري”؛ حيث يُدرك المقاتل أنَّ جهده المادي هو “الرمية”، وأنَّ التوفيق الإلهي هو “الإصابة”.

هذا الربط العضوي بين المادة والروح هو جوهر “إسلام المنهاج” الذي استعادت به الأمة بوصلتها؛ فصار الدين هو المحرك للابتكار العسكري، والتنظيم الإداري، والصمود الأسطوري تحت القصف. إنَّ سوسيولوجيا هذا التحول تخبرنا أنَّ الأمة قد بدأت “تتطهر” من آثار “إسلام الدراويش” ومن “إسلام السلاطين” على حد سواء؛ فالأول أراد الإسلام بلا قوة، والثاني أراد الإسلام بلا كرامة. وجاء إنسان غزة ليقدم “الإسلام النبوي” الأصيل: إسلامٌ يسجد في المحراب ويبدع في “وحدة التصنيع”، إسلامٌ يبكي خشيةً من الله ويضحك استبشاراً بلقاء العدو. إنَّ هذا الوعي الجديد قد كسر جدران الفصل بين “الدنيوي” و”الأخروي”؛ فأصبح تعمير النفق عملاً تعبدياً لا يقل أجراً عن قيام الليل.

إنَّ انبعاث “إسلام المنهاج” هو الرد العملي على محاولات “تجريف الهوية” التي مارستها الأنظمة التابعة؛ حيث أعيد الاعتبار لمفهوم “العزة” كفريضةٍ شرعية لا يجوز التنازل عنها. وبذلك، يكون الطوفان قد فتح عصراً جديداً يرفض فيه المسلم أن يكون “رقماً” في قطيع، أو “عابداً” في صومعة، بل يسعى ليكون “خليفةً” في الأرض، يقيم القسط بيده قبل لسانه، ويؤمن يقيناً أنَّ الطريق إلى الجنة يمر عبر تحرير القدس، وأنَّ “رضوان الله” يُنال بقدر ما نبذل من جهدٍ لتكون كلمته هي العليا في واقع الناس، محققاً قوله سبحانه: “إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ”؛ وهو البيع الذي حوّل الإسلام من طقوسٍ باردة إلى ملحمةٍ خالدة تصنع قدر الأمة من جديد.

2.تجاوز “القطرية والحدود”: انبعاث مفهوم “الأمة القطب”

إنَّ المتأمل في “جغرافيا الطوفان” يدرك أنَّ أعظم إنجازات هذه الملحمة هي نجاحها في تحقيق “الاختراق الوجداني” للحدود الوهمية التي رسمتها اتفاقيات “سايكس-بيكو” في عقولنا لعقود. لقد سقطت “الدولة القطرية” كعائق نفسي وبرز مفهوم “الأمة القطب”؛ تلك الأمة التي لا تحدها خرائط الجغرافيا السياسية، بل يحركها نبض العقيدة والمصير المشترك. إنَّ دم غزة الذي أُريق على أعتاب المسجد الأقصى عمل كمادة “مذيبة” للحدود المصطنعة؛ فإذا بالمسلم في أندونيسيا، والمغرب، وتركيا، وفي قلب أوروبا، يشعر شعوراً يقينياً بأنَّ هذه الحرب هي “حربه الشخصية”، وأنَّ اليتيم في جباليا هو ابنه، وأنَّ الصرخة في خان يونس صرخته.

هذا الانبعاث هو عودة لجوهر حديث النبي ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد”؛ لقد أثبت الطوفان أنَّ “الجسد الواحد” ليس استعارة أدبية، بل هو حقيقة كيميائية تتدفق في عروق الأمة حين يشتد الكرب، لتعلن أنَّ “القطرية” كانت مجرد “مرضٍ عارض” في جسد الأمة، وأنَّ غزة هي “القطب” الذي أعاد بوصلة الولاء لأصلها الرباني. إنَّ هذا الانبعاث يقودنا إلى رصد كيفية تحول غزة إلى “مركز جذب” أعاد ترتيب أولويات الأمة بصورةٍ ثورية؛ فلعقودٍ طويلة، انشغلت كل دولة بـ “همومها القطرية” و”أزماتها المحلية”، وغرقت الشعوب في تفاصيل معيشية غيبت عنها “القضية المركزية”.

لكنَّ الطوفان جاء ليفرض “مركزية القدس” من جديد كقضيةٍ فوق-قطرية، تذوب عندها الخلافات العرقية والمذهبية والسياسية. لقد رأينا كيف توحد الوجدان الإسلامي من جاكرتا إلى الرباط؛ فلم تعد “القومية” أو “الوطنية الضيقة” كافية لتفسير هذا الاندفاع الشعبي العارم نحو نصرة غزة. إنَّ هذا التوحد هو “فعل تحرر” من القيود التي فرضها النظام الدولي لإبقاء الأمة ممزقة؛ حيث اكتشف المسلمون أنَّ “الحدود” التي تمنع الجيوش من التحرك لا تملك سلطة منع “الدعاء”، ولا “الدعم”، ولا “الغضب الجماعي”. إنَّ قوله تعالى: “إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ”، قد تجلى في أبهى صوره حين سقطت أصنام الهوية الضيقة أمام جلال الهوية الكبرى، مؤكداً أنَّ “إنسان المنهاج” لا يعترف إلا بحدود “العقيدة والعدل”.

إنَّ سوسيولوجيا “الأمة القطب” تظهر في أنَّ غزة لم تعد مجرد “بقعة جغرافية”، بل أصبحت “حالة ذهنية” وقبلةً أخلاقية يتجه إليها كل مستضعف. لقد أحدث الطوفان “زلزالاً” في مفهوم المواطنة؛ فالمسلم اليوم يشعر بمواطنته في “الأمة” أكثر من مواطنته في “الدولة” التي قد تخذله أو تصمت عن ذبحه. هذا الوعي الجديد هو الذي أرعب القوى الكبرى؛ لأنَّ توحد الوجدان هو الخطوة التي تسبق توحد الميدان. إنَّ غزة بصمودها قد أعادت تعريف “السيادة”؛ فالسيادة الحقيقية ليست في الاعتراف الدولي والخرائط المرسومة بمداد الاستعمار، بل هي في “الإرادة الشعبية” التي تلتف حول راية الحق.

إنَّ تحطيم العائق النفسي للقطرية هو تمهيدٌ لـ “عصر السيادة الإسلامية الجديدة”؛ عصرٌ لا تكون فيه الأمة “تابعة” لمراكز القوى الغربية، بل تكون هي “المركز” و”القطب” الذي تدور حوله آمال الباحثين عن العدل. وبذلك، يكون دم غزة قد أعاد كتابة الجغرافيا بمداد اليقين، محققاً الوعد النبوي بأنَّ هذا الدين سيتجاوز كل العوائق ليبلغ ما بلغ الليل والنهار، معلناً أنَّ زمن “الشتات الوجداني” قد انتهى، وأنَّ أمة “الجسد الواحد” قد انطلقت من عقالها، تجمع شملها حول “القدس” لتصنع قدرها المستقل

3.”المعجزة في العصر المادي”: اليقين الغيبي كقوة إستراتيجية

إنَّ أكبر التحديات التي واجهت الوعي الإسلامي في عصر “الاستلاب الحضاري” هي سيطرة “المادية الصرفة” على مفهوم القوة؛ حيث صار المسلم يقيس قدرته فقط بعدد الطائرات وفوارق التكنولوجيا، مما أدى لحالة من الشلل الإرادي. لكنَّ “الطوفان” جاء ليعيد الاعتبار لـ “اليقين الغيبي” كقوة إستراتيجية صلبة لا تقل أهمية عن الصاروخ والنفق. لقد أعادت غزة صياغة مفهوم “القوة”؛ فأثبتت أنَّ هناك “معاملاً غيبياً” يتدخل في الميدان ليقلب الطاولة على الحسابات الرقمية. هذا المعامل يتجسد في “السكينة” التي تنزل على قلوب المرابطين وسط النيران، وفي “الرعب” الذي يقذفه الله في قلوب عدوٍ يمتلك كل شيء لكنه يفتقد معنى الوجود.

إننا أمام “معجزة معاصرة”؛ ففي الوقت الذي يتحدث فيه العالم بلغة “الذكاء الاصطناعي”، كانت غزة تتحدث بلغة “المدد الإلهي”، محولةً آيات القرآن من “نصوص تلاوة” إلى “حقائق ميدانية”. إنَّ قوله تعالى: “إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ”، لم يعد يُفسر في غزة كحدثٍ تاريخي بائد، بل كـ “خطة عملياتية” تُعاش في كل زقاق ومواجهة من نقطة الصفر.

إنَّ هذا “اليقين” يقودنا إلى رصد أثره كـ “هزة ارتدادية” في وعي العالم بأسره؛ فالعالم المادي الذي جففت الليبرالية روحه، وقف مبهوراً أمام “ثبات أهل غزة”. لقد رأى “غير المسلمين” في الغرب والشرق بشراً يفقدون كل شيء (الأبناء، البيت، الصحة) ولا يقولون إلا “الحمد لله”، فرأوا في ذلك “برهاناً حياً” على صدق الرسالة؛ فاندفع الآلاف لقراءة القرآن باحثين عن “السر” الكامن خلف هذا اليقين. إنَّ غزة قد قامت بـ “دعوة عالمية” لم تقم بها آلاف الكتب والمحاضرات؛ لأنها قدمت “الإيمان كقوة صمود” لا “كطقوس عزلة”. لقد أثبت “إنسان المنهاج” أنَّ الاتصال بالخالق يمنحه “سيادةً على المادة”؛ فصار الجوع سلاحاً (الصبر)، والموت باباً (الشهادة)، والحصار خلوةً (الرباط).

هذا “اليقين الغيبي” هو الذي كسر أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”؛ فالمقاتل الذي يرى الجنة خلف فوهة بندقيته لا يمكن لعلم العبارات أو تكنولوجيا الرصد أن تتوقع سلوكه أو تكسر إرادته. إنَّ سيكولوجية “المعجزة في العصر المادي” تخبرنا أنَّ الأمة قد استعادت “حاسة الغيب”؛ فالمسلم اليوم لم يعد يشعر بالهزيمة النفسية أمام تفوق العدو التقني، لأنه أدرك أنَّ “القوة المطلقة” لله، وأنَّ دوره هو “الأخذ بالسبب” (الإعداد) ثم ترك “النتيجة” لرب الأسباب. لقد تحولت غزة إلى “مختبر إيماني” كشف زيف الرهان على القوى الأرضية وحدها؛ حيث رأينا كيف تعطلت أحدث أجهزة الرصد أمام “دعاء الصادقين” و”تمويه الصابرين”.

إنَّ إعادة الاعتبار للغيب تعني انبعاث “إنسان اليقين” الذي لا ترهبه التهديدات ولا تغريه الوعود، لأنه يعيش في “معية الله”. إنَّ قوله سبحانه: “إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا”، صار اليوم القاعدة الأساسية في “العلوم العسكرية المنهاجية”؛ وبذلك يكون الطوفان قد وجه صفعة قوية للمادية الغربية، مؤكداً أنَّ الروح هي التي تقود الجسد، وأنَّ الإيمان هو الذي يوجه الرصاص، وأنَّ العصر الذي ظن فيه الإنسان أنه استغنى عن السماء قد انتهى عند أعتاب غزة، ليحل محله عصر “الارتباط بالعروة الوثقى” التي لا انفصام لها، حيث يُهزم الحديدُ بـ “الحديد” الممزوج بـ “الذكر”، ويتحطم الطغيانُ بـ “التكبير” الذي يزلزل عروش المستكبرين قبل حصونهم.

4.”فقه الطوارئ والتحرر”: ولادة عقل فقهي جديد يواكب الملحمة

إنَّ من أخطر معارك “الطوفان” كانت المعركة التي دارت خلف كواليس النصوص والفتاوى؛ حيث شهدنا السقوط المدوي لـ “فقه الانبطاح” الذي روجت له المؤسسات الرسمية والفقهاء الوظيفيون لعقود. هذا الفقه الذي كان يُفصل على مقاس أهواء السلاطين، ويُستخدم كأداة لتخدير الشعوب تحت مسميات “طاعة ولي الأمر” (حتى لو خان) أو “درء المفاسد” (التي لا تُدرأ إلا بالذل).

لقد جاء الطوفان ليعلن وفاة هذا “العقل الفقهي التدجيني” ويبشر بولادة “فقه التحرر والمقاومة”؛ وهو فقهٌ لا يكتفي باسترجاع الأحكام من بطون الكتب، بل يجتهد بدمائه في الميدان ليصنع حكماً شرعياً يواكب الملحمة. لقد تجاوز الوعي الإسلامي الجديد تلك الفتاوى “المعلبة” التي كانت تُحرم مقاومة الظلم أو تُخذل عن الجهاد بحجج واهية، واستبدلها بـ “فقه الضرورة الكبرى”؛ ضرورة بقاء الأمة وحماية المقدسات، وهو الفقه الذي يستلهم من السيرة النبوية روح “بدر” و”الأحزاب” و”خيبر”، حيث كانت المبادأة والمخاطرة هي عين الحكمة الشرعية.

إنَّ هذا “العقل الجديد” يضعنا أمام ظاهرة “الاجتهاد الميداني”؛ حيث غدت غزة هي “دار الفتوى” الحقيقية للعالم الإسلامي. لقد صنع المرابطون “فقهاً للطوارئ” يحرر المسلم من قيود “الفقه الوظيفي”؛ فصارت الفتوى تُستمد من “فوهة البندقية” ومن “صمود الحاضنة الشعبية”، لا من المكاتب المكيفة. هذا الفقه أعاد الاعتبار لمقاصد الشريعة الكبرى، وفي مقدمتها “حفظ الدين والعرض والوطن”، مقدماً إياها على “حفظ النفس” إذا كانت هذه النفس ستعيش في ذل التبعية.

إنَّ قوله تعالى: “انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”، لم يعد نصاً يحتاج لتأويلات صرفة لصرفه عن ظاهره، بل صار “أمر عمليات” ينسخ كل فتاوى التثبيط. لقد تحررت الفتوى من “الوظيفة الرسمية” لتصبح “تكليفاً رسالياً”، وأدركت الجماهير أنَّ “الفقيه الحقيقي” هو الذي يواسي الجرحى ويتقدم الصفوف، لا الذي يبرر للحاكم صمته وتواطؤه.

إنَّ سيكولوجية “فقه التحرر” تعتمد على استعادة “روح المبادأة”؛ فبينما كان فقه الانبطاح ينتظر “إذن القوى الكبرى” ليسمح بالدفاع عن النفس، جاء فقه الطوفان ليقول إنَّ الحقوق تُنتزع ولا تُستجدى، وأنَّ “المصلحة الشرعية” تُقدرها ميادين العزة لا دوائر المخابرات. لقد أحدث هذا التحول “فرزاً تاريخياً” في المؤسسة الدينية؛ فبرز علماء الأمة الأحرار الذين ربطوا مصيرهم بمصير غزة، وسقط “علماء السوء” الذين حاولوا “أنسنة” الاحتلال أو “تجريم” المقاومة بلغةٍ فقهية ملتوية.

إنَّ غزة اليوم تؤسس لـ “فقه استراتيجي”؛ يجمع بين فقه “النص” وفقه “الواقع” وفقه “المآلات”، مؤكدةً أنَّ الشريعة جاءت لتحرر الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وأنَّ أي فقه لا يقود إلى الحرية والكرامة هو فقهٌ “منسوخ” بواقع الطوفان. إنَّ هذا الانبعاث الفقهي هو الضمانة لبقاء الروح الحركية في الأمة؛ وبذلك يسقط “صنم الفتوى المسيسة” أمام “صدق الجهاد”، ويتحول الدين من “قيدٍ” يستخدمه الظلمة، إلى “جناحٍ” يطير به المستضعفون نحو التمكين، محققين قوله سبحانه: “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ”؛ وهو الإذن الإلهي الذي لا يحتاج لتوقيع سلطان ولا لختم مؤسسة تابعة.

5. “القدس كقبلة سياسية وحضارية”: بوصلة الولاء والبراء الجديدة

إنَّ أخطر ما كان يهدد الأمة قبل الطوفان هو حالة “التيه الإستراتيجي” والسيولة في المفاهيم، حيث عملت قوى المركزية الغربية وأدواتها الإقليمية لسنوات على هندسة وعي جديد يحاول نزع “صفة العداء” عن الكيان الصهيوني، وإحلال “أعداء وهميين” بدلاً منه عبر افتعال صراعات طائفية وعرقية بين أبناء الجسد الواحد. لكنَّ الطوفان جاء ليعيد “القدس كقبلة سياسية وحضارية”، وليعيد ضبط “بوصلة الولاء والبراء” على تردد الوحي لا على تردد الإملاءات الإقليمية.

لقد طهر الطوفان الوعي الإسلامي من “الاختراقات الفكرية” الخبيثة التي حاولت تسويق “التطبيع” كضرورة إستراتيجية أو كفعل “سلام إبراهيمي” مزعوم؛ فإذا بالحقيقة الصارخة تصفع كل هذه الأوهام، وتثبت أنَّ الموقف من غزة ومن المسجد الأقصى هو “المعيار الجديد” الذي لا يقبل القسمة على اثنين. لقد تحولت القدس من قضيةٍ “خارجية” تُناقش في أروقة القمم، إلى “ميزانٍ داخلي” يفرق بين المؤمن بمشروعه الحضاري وبين المنافق المرتهن للمشروع الصهيوني، وبين المتمسك بالحق الأصيل وبين المتخاذل الباحث عن “سلام العبيد”.

هذا “الفرقان المعاصر” يقودنا إلى فهم كيفية إعادة تعريف “العدو” و”الصديق”؛ فالطوفان لم يترك منطقة رمادية للاختباء. لقد أصبح “الموقف من غزة” هو صك الغفران أو الإدانة؛ فمن انحاز لغزة بالقول والفعل والقلب فقد ثبت ولاؤه للأمة وتاريخها، ومن تراقص على جراحها أو حاول “شيطنة” مقاومتها فقد حكم على نفسه بالخروج من الوجدان الشعبي والتاريخي. إنَّ هذا الانبعاث أعاد مفهوم “الولاء والبراء” إلى أصله القرآني الصرف؛ حيث يقول الله تعالى: “وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ”.

لقد كشف الطوفان أنَّ “التبعية السياسية” للغرب هي في حقيقتها “ردّة حضارية”، وأنَّ الانتماء للأقصى هو شرط المواطنة في “أمة الإسلام”. إنَّ القدس اليوم تمارس دور “الغربال” الذي ينفي الخبث عن جسد الأمة؛ فتسقط الأقنعة عن وجوه الأنظمة والتيارات والوجوه الثقافية التي طالما تشدقت بالوطنية بينما كانت طعناتها في ظهر المرابطين هي التي تُدمي المشهد. إنَّ سيكولوجية “البوصلة الجديدة” تخبرنا أنَّ الأمة قد استعادت “وضوح العدو”؛ وهو أمرٌ جوهري لأي نهضة. فعندما تُعرف القدس كقبلة سياسية، يصبح “التحرير” هو الغاية الكبرى التي تذوب تحتها كل الخلافات البينية.

إنَّ القدس كقبلة حضارية تعني أننا لا نقبل بوجود “جسم غريب” في قلبنا الجغرافي والروحي، وأنَّ أي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة هي محاولة للانتحار المعرفي. إنَّ هذا الوعي الجديد قد أوجد “أممية إسلامية” تتجاوز الأعراق والمذاهب، تلتقي جميعاً عند “باب العامود” وفي رحاب “المسجد الأقصى”. إنَّ قوله سبحانه: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى”، يربط بين قبلتي الأمة برباطٍ عقدي لا يمكن فكه بقرارات سياسية؛ وبذلك يكون الطوفان قد أغلق “عصر التيه” وفتح “عصر اليقين”، حيث القدس هي المعيار، وغزة هي البرهان، والولاء لله ولرسوله وللمؤمنين المرابطين هو الطريق الوحيد نحو السيادة والتمكين، محققاً قوله عز وجل: “فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.