منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(14) تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(14) تابع

بقلم: عبد الغني منتصر

الفصل الثالث: إستراتيجية المدافعة ومعادلة القوة غير المتكافئة

المبحث الثالث: سيكولوجية المواجهة: تحليل “المسافة صفر” كمتغير حاسم في العقيدة العسكرية

1. سيكولوجية “كسر الحاجز”: من الرهبة من الآلة إلى الاستخفاف بها

إنَّ أولى مراحل الانتصار في “معركة المسافة صفر” لم تكن عسكريةً محضة، بل كانت عملية “تحررٍ سيكولوجي” كبرى جرت في وعي إنسان المنهاج. لقد عملت الماكنة الإعلامية والعسكرية الصهيونية لعقود على بناء جدارٍ من الرهبة حول آلتها الحربية، وصورت “دبابة الميركافا” بوصفها قلعةً لا تُخترق، والجندي الصهيوني بوصفه “سوبرمان تقني” محصن. لكنَّ مقاتل الطوفان استطاع، عبر منهاجٍ تربوي وعقدي صارم، أن يكسر هذا الحاجز النفسي ويحول “رهبة الآلة” إلى “استخفافٍ بماديتها”. إن هذا التحول هو الثمرة المباشرة للامتثال لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشَرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾. فهذا التنزل للملائكة بالسكينة هو الذي نزع من قلب المقاتل هيبة “الحديد” ليحل محلها جلال “الخالق”، فأصبحت الدبابة في عينه مجرد “صنمٍ معدني” ينتظر من يحطمه.

إن هذا “الاستخفاف” يقودنا إلى فهم حالة “الاستعلاء الإيماني” التي تجعل المجاهد يهرع نحو الآلية المدججة وهو يحمل عبوته اليدوية بثباتٍ مذهل. إن المقاتل هنا لا يرى في الدبابة تهديداً وجودياً، بل يراها “فرصةً للتمكين” وباباً لنيل إحدى الحسنيين. لقد نجحت غزة في تحويل “التفوق التقني” للعدو إلى عبءٍ عليه؛ فحين يستخف المقاتل بالآلة، تفقد التكنولوجيا هيبتها الردعية. هذا المشهد يعيد إلى الأذهان حقيقة قوله سبحانه: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فالمعية الإلهية هنا هي التي جعلت “العين المجردة” للمجاهد تتفوق على “البصريات الحرارية” للدبابة، لأن قلبه لم يعد يرى فيها إلا تجسيداً لباطلٍ زهوق.

إن كسر حاجز الرهبة قد أحدث زلزالاً في “سوسيولوجيا القوة”؛ فالعالم الذي اعتاد الركوع أمام “القوة الغاشمة” ذُهل وهو يشاهد مقاتلاً يضع يده على مقدمة الدبابة ليثبت عبوته، وكأنه يمارس طقساً من طقوس السيادة على الميدان. هذا الاستخفاف بالمادة هو الذي جعل “الميركافا” تتحول من أداة رعب إلى مادة للسخرية في الوعي المقاوم، وهو ما أدى إلى تآكل الثقة لدى الجندي الصهيوني، امتثالاً لقوله عز وجل: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. فالرجاء في الله جعل المقاتل يتجاوز عتبة الألم والخوف، ليصل إلى مرحلة “الاستهزاء بالموت” في سبيل إعلاء كلمة الحق.

وبناءً على ذلك، فإن سيكولوجية “كسر الحاجز” هي التي مهدت الطريق لكل الانتصارات الميدانية اللاحقة؛ فلولا تحرر الروح من “وثنية الآلة”، لما استطاعت اليد أن تضغط على الزناد من مسافة الصفر. إن إنسان المنهاج في غزة أعاد تعريف “الإنسان” بوصفه المحرك الحقيقي للتاريخ، وليس الآلة. لقد أثبتت غزة أنَّ الشعوب التي تستمد هيبتها من خالقها، لا يمكن أن ترهبها “أصنام الحديد” مهما انتفخت، محققةً الوعد الإلهي: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. وهذا الدمغ بدأ في العقل والقلب قبل أن يترجم نارا ولهباً في الميدان.

2. فلسفة “المسافة صفر” كإبطال لمفعول التفوق التقني

إنَّ العبقرية العسكرية في إستراتيجية “المسافة صفر” تكمن في كونها تمثل الإبطال الكلي لمفعول “التفوق التقني” الذي يتباهى به العدو؛ فهي فلسفة تقوم على استدراج “الآلة” إلى حيزٍ يختفي فيه فضلُها وتتساوى فيه الموازين المادية، لتصبح الغلبة لصاحب النفس الأطول والإرادة الأبقى. لقد صممت الجيوش الإمبريالية عقيدتها على “الحرب عن بُعد” (Stand-off warfare)، حيث تقتل خوارزميات الموت الإنسان من وراء الحجب؛ ولكنَّ إنسان المنهاج، باختياره الاشتباك من المسافة صفر، قد “عطّل” لغة الأرقام وأجبر العدو على خوض معركةٍ لا تجيدها حواسيبه، تطبيقاً ميدانياً لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾. ففي المسافة صفر، يسقط الاعتماد على “دقة التوجيه” التقني، ليحل محله “التسديد الإلهي” الذي يجعل الوسيلة البسيطة تصيب مقتل القوة المستكبرة.

إنَّ هذه الفلسفة تكشف كيف أصبحت هذه المسافة هي “النقطة العمياء” في تكنولوجيا العدو؛ فالدبابة المزودة برادارات ترصد الصواريخ من كيلومترات، تصبح عمياء تماماً أمام مجاهدٍ ينبعث من تحت الأرض ليضع عبوته على جسدها الحديدي. هنا، تتبخر قيمة مليارات الدولارات المنفقة على “أنظمة الدفاع النشطة”، لأن المعركة انتقلت من “صدام المعدن بالمعدن” إلى “صدام الروح بالمعدن”. هذا “التحييد” للتقنية هو الذي يفسر كيف استطاع المقاتل المحاصر أن يكسر هيبة أعتى الدبابات، مؤكداً قوله سبحانه: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ﴾. فالنصر هنا ليس ثمرة التفوق المادي، بل هو ثمرة “الاجتهاد في المتاح” للوصول إلى النقطة التي يبطل فيها مفعول سلاح العدو.

إنَّ “المسافة صفر” هي أيضاً فعلُ “تحريرٍ للميدان”؛ فهي تمنع طيران العدو ومدفعيته من التدخل خشية إصابة قواته الملتحمة بالمجاهدين، وبذلك يفرض المقاوم “قواعد اشتباك” جديدة تُجبر الجندي الصهيوني على الخروج من درعه ومواجهة حقيقة ضعفه البشري. إن هذه الفلسفة قد حوّلت “التفوق الجوي” إلى قوةٍ مشلولة، ووضعت “النخبة” العسكرية للعدو في اختبارٍ وجودي أمام أفرادٍ تربوا على قوله عز وجل: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾. فهذا التعذيب “بالأيدي” يتطلب اقتراباً مباشراً، وهو ما يجعل من المسافة صفر وسيلةً لإنزال الخزي النفسي والمادي بالعدو في آنٍ واحد.

وبناءً على ذلك، فإنَّ فلسفة المسافة صفر هي الإعلان الرسمي عن نهاية عصر “الحروب النظيفة” التي تُدار بضغطة زر؛ لقد أعادت غزة الحرب إلى “أصالتها” كصراع إرادات وتضحية وجهاً لوجه. إنَّ إبطال مفعول التقنية بهذا الشكل الإعجازي يقول للعالم إنَّ “الخوارزمية” قد تتنبأ بمسار صاروخ، لكنها لا يمكن أن تتنبأ بمسار قلبٍ قرر أن يبيع نفسه لله ليشتري كرامة أمته، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. حيث تتلاشى كل التكنولوجيا وتصمت كل الأسلحة، ليبقى صوت الحق هو الأعلى في ميدان البطولة.

3.الانكسار النفسي لـ “الجندي المتحصن”: سوسيولوجيا الذعر خلف الدروع

إنَّ المتأمل في سلوك جندي الاحتلال داخل غزة يدرك حقيقةً سوسيولوجية كبرى؛ وهي أنَّ “الإفراط في التحصين المادي” يولد بالضرورة “هشاشةً نفسية” مدمرة. لقد بنى العدو عقيدته القتالية على مفهوم “الجدار” و”المصفحة”، ظنّاً منه أنَّ العزل المادي عن الخصم سيمنحه تفوقاً معنوياً. لكنَّ “المسافة صفر” حطمت هذا الوهم؛ فبينما يرى المجاهد في مكانه منطلقاً للفعل، يرى الجندي الصهيوني في دبابة “الميركافا” المصفحة توابيت حديدية محتملة. إنَّ هذا الذعر هو تجسيد حي لقول الله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾. فهذه “الجدران” التقنية لم تزد قلوبهم إلا شتاتاً وذعراً أمام إقدام أصحاب الحق.

إنَّ هذا الانكسار النفسي يكشف عن ظاهرة “فقدان السيطرة”؛ فالجندي الوظيفي الذي تعود على قتل خصمه عبر الشاشات، يصاب بالشلل الإدراكي حين تُفرض عليه “المواجهة الوجاهية”. إنَّ رؤية المجاهد وهو يثبت عبوته يدوياً تؤدي إلى انهيار “منظومة الردع الشخصي”؛ فيتحول من “مهاجم” إلى “طريدة” محاصرة داخل درعها. إنَّ هذا يفسر حالات الاضطراب والانهيار التي تعصف بصفوفهم، فهم يواجهون قوة لا تفسرها كتبهم العسكرية، قوة تجعلهم يستحضرون قوله سبحانه: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾. فالرعب هنا ليس من السلاح، بل من “الإنسان” الذي لا يرهب الموت.

إنَّ سوسيولوجيا الذعر خلف الدروع تعني أيضاً سقوط “هيبة الآلة”؛ فالجندي الذي يرى زميله يُقتنص من مسافة أمتار، يفقد الثقة في التكنولوجيا التي قيل له إنها ستحميه. هذا “الاغتراب الميداني” يجعل الجندي يقاتل بعقيدة “الفرار” لا “القرار”، ويصبح همه الوحيد هو النجاة بجسده، في مقابل مقاتلٍ جاء يطلب الشهادة. إنَّ الفجوة بين “طالب الحياة لذاتها” و”بائع الحياة لخالقها” هي التي تصنع هذا الانكسار، حيث يثبت القرآن الكريم هذا التباين الوجودي في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾. وهذا الحرص على “أي حياة” هو نقطة الضعف القاتلة التي يحول بها إنسان المنهاج تلك المدرعات إلى أقفاصٍ للرعب.

وبناءً على ذلك، فإنَّ الانكسار النفسي للجندي المتحصن هو الهزيمة الحقيقية التي تسبق الهزيمة العسكرية؛ فالحرب تُكسب أولاً في “ميدان الوعي”. إنَّ “المسافة صفر” قد جردت الجندي من غطائه المادي وتركته عارياً أمام جُبنه الفطري. إنَّ غزة اليوم تلقن العالم درساً في أنَّ “القلب الثابت” هو الحصن الوحيد الذي لا يُخترق، وأنَّ “الدروع المادية” مهما غلظت، تظل واهيةً كبيت العنكبوت أمام ريح الإيمان، مصداقاً لقوله عز وجل: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وهكذا تظل غزة هي الكابوس الذي يطارد المحصنين خلف جدرانهم، واليقين الذي يملأ قلوب المرابطين في ثغورهم.

4. “الكمين” كفعل إيماني وتخطيطي: إدارة المفاجأة وتطويع الميدان

إنَّ “الكمين” في عقيدة إنسان المنهاج ليس مجرد فخٍّ عسكري يُنصب للعدو، بل هو “إدارةٌ إيمانية للميدان” تقوم على مبدأ “الاستدراج والتطويع”. في غزة، لم تعد الأرض مجرد مساحة للمناورة، بل أصبحت شريكاً في القتال؛ حيث استطاع المقاتل أن “يطوع” كل زقاق، وكل ركام، وكل نفق ليكون جزءاً من منظومة دفاعية وهجومية متكاملة. إنَّ إدارة “المفاجأة” في الكمين تعتمد على الثقة المطلقة بأنَّ الله هو الذي يُعمي أبصار المعتدين، وهو الذي يقود خطى المؤمنين إلى مواضع النصر، مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. فهذا “الإغشاء” الإلهي هو الذي يجعل أرتال العدو المدججة بأجهزة الاستشعار تقع في الكمين وكأنها تساق إلى حتفها وهي لا تشعر.

إنَّ “هندسة الكمين” تكشف عن تفوق “العقل المقاوم” في قراءة الميدان؛ فالكمين يبدأ بـ “الصبر الإستراتيجي”، حيث يكمن المجاهد لساعات أو أيام في ظروفٍ قاسية، محتسباً كل لحظة انتظارٍ عبادة. إنَّ القدرة على “إدارة الصمت” قبل الانفجار هي التي تُربك حسابات العدو؛ فالميدان الذي يبدو “خالياً” هو في الحقيقة “ممتلئٌ بالوجود المقاوم” الذي ينتظر لحظة التكبير. هذا الانضباط الحديدي يستمد قوته من قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾. فالحذر هنا هو التخطيط الدقيق، والنفرة هي الهجوم الكاسح الذي يبدد أوهام العدو في السيطرة على الأرض.

إنَّ الكمين الغزي هو أيضاً “فعلُ إذلالٍ” للمستكبر؛ ففي اللحظة التي يظن فيها الجندي الصهيوني أنه أحكم قبضته على الحي، ينبعث له المقاتل من حيث لا يحتسب، ليحول “زهو القوة” إلى “ذعر الهزيمة”. إنَّ تطويع الميدان يعني أنَّ كل حجرٍ في غزة أصبح يملك “ذاكرةً مقاومة”. إنَّ نجاح الكمائن المتكررة في مناطق ادعى العدو “تطهيرها” يثبت أنَّ الأرض لا تقبل الغريب، وأنَّ سُنّة المدافعة تقتضي أنَّ الفئة المؤمنة، تملك القدرة على “اصطياد” العتاد الأضخم إذا ما أحسنت التوكل والتخطيط، كما قال عز وجل: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. فمكر الله هنا هو التوفيق في نصب الكمين الذي يحطم مكر القوة الظالمة.

وبناءً على ذلك، فإنَّ “الكمين” قد أعاد تعريف “السيادة الميدانية”؛ فالسيادة ليست لمن يطير فوق الأرض، بل لمن يكمن في أحشائها ويمسك بزمام المفاجأة فيها. إنَّ إنسان المنهاج جعل من غزة “مقبرةً للغزاة” بـ “هندسة الموت” التي تباغت المعتدي في كل خطوة. إنَّ الدرس المستفاد هو أنَّ المؤمن الذي “يدير ميدانه” بالحق، يستطيع أن يحول ضعف الإمكانيات إلى “إعجازٍ تخطيطي” يذهل جنرالات الحرب، مؤكداً أنَّ موازين القوى تُرسم في خنادق الصادقين، وأنَّ “النصر ساعة صبر” تُتوج بصرخة “الله أكبر” التي تهز أركان الوثنية المادية في كل مكان.

5. أثر “المسافة صفر” في إعادة صياغة العقيدة العسكرية العالمية

لقد أحدثت ملحمة “المسافة صفر” في غزة زلزالاً معرفياً في الأكاديميات العسكرية العالمية، حيث حطمت الهيمنة المطلقة لنظرية “الحرب التقنية النظيفة” التي سادت منذ عقود. لقد أثبت إنسان المنهاج أنَّ “المقاتل الفرد” المسلح بالإيمان والوعي هو المتغير الحاسم الذي لا يمكن تجاوزه أو تعويضه بالذكاء الاصطناعي أو القذائف الذكية. إنَّ غزة اليوم تعيد الاعتبار لـ “مركزية الإنسان” في الميدان، وتؤكد أنَّ العقيدة القتالية التي تتجاهل الروح هي عقيدةٌ عرجاء مهما بلغت تقنيتها، تجسيداً لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. فالعلويّة هنا ليست فقط في الغلبة الميدانية، بل في فرض “النموذج” والمعيار الجديد للقوة.

إنَّ الاسترسال في رصد هذا الأثر يكشف كيف ألهمت غزة حركات التحرر والشعوب المستضعفة؛ فقد كسرت “عقدة النقص” أمام التفوق الغربي، ورأى العالم كيف يمكن لـ “الفئة القليلة” أن تُعطّل “الماكينة العسكرية” الأضخم عبر تكتيكات “مشبعة باليقين”. إنَّ إعادة صياغة العقيدة العسكرية العالمية اليوم تتجه نحو دراسة “سيكولوجية الثبات” وكيفية مواجهة عدوٍ لا يرى في الموت نهاية، مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾. هذا التفكير “خارج الصندوق المادي” جعل الخبراء يقرون بأنَّ “الإرادة” سلاح لا يملك الغرب له “مضاداً حيوياً” تقنياً، وأنَّ “المسافة صفر” هي المنطقة التي تنهار فيها حضارة المادة أمام روح الحق.

لقد نقلت غزة مفهوم “الردع” من كونه امتلاكاً لأدوات الدمار إلى كونه “امتلاكاً للقدرة على التضحية”؛ فالمجتمع الذي لا يخشى التهديد بالإبادة ويواجه الدبابة بعبوة يدوية، هو مجتمعٌ “خارج حسابات الردع” التقليدية. إنَّ نموذج غزة أعاد إحياء روح المقاومة العالمية، مؤكداً أنَّ الضعف المادي هو “حالة عابرة” يمكن تجاوزها بـ “القوة بالحق”، كما قال عز وجل: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. وهذه الإمامة والوراثة تبدأ بامتلاك زمام المبادرة الميدانية وتحدي أصنام القوة.

وبناءً على ذلك، فإنَّ “المسافة صفر” لم تعد مجرد تكتيكٍ لضرب دبابة، بل أصبحت “منهاجاً للتحرر العالمي”؛ إنها صرخة المستضعفين في وجه الاستكبار بأنَّ “عصر الهزائم” قد ولى. لقد أجبرت غزة العالم على الاعتراف بأنَّ العقيدة العسكرية التي لا تملك “تفسيراً معنوياً” للمواجهة هي عقيدةٌ مهزومة سلفاً. إنَّ النصر الذي يصنعه المرابطون هو الذي سيرسم خرائط القوى الجديدة، حيث لا تُقاس عظمة الأمم بما تملك من “حديد”، بل بما تملك من “رجال” يؤمنون بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾. وهذا “البيع” هو الذي منح غزة سيادة الزمن والمكان، وجعلها المنارة التي تهتدي بها الشعوب نحو فجر التحرير القادم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.