منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(21) تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(21) تابع

بقلم: عبد الغني منتصر

الفصل الرابع: جغرافيا الروح ومركزية الثغور

المبحث الرابع: جيوبوليتيك الاستخلاف “المناطق الحاكمة”

1- فلسفة الأرض في المنهاج: من “الحدود الاستعمارية” إلى “فضاءات الاستخلاف”

إنَّ الأرض في “منهاج غزة” ليست مجرد مساحة طينية يُحاط بها بسياجٍ شائك وأختامٍ حدودية، بل هي “بساط الاستخلاف” الذي مدّه الله لعباده ليعمروه بالحق والعدل. التحدي الأكبر الذي كشفه “طوفان الأقصى” هو زيف “الحدود الاستعمارية” التي رُسمت بمسطرة المحتل لتعزل غزة عن سيناء، والمشرق عن المغرب، ولتجعل من الأمة جزراً معزولة يسهل الاستفراد بها. إنَّ فلسفة الأرض في المنهاج تقوم على أنَّ كل شبرٍ من بلاد المسلمين هو “دارٌ واحدة”، وأنَّ الحدود الحقيقية هي حدود العقيدة والمنهاج، لا الإحداثيات التي فرضها “المنتدب الأجنبي”. إنَّ غزة بصمودها قد داست على “وهم الحدود” حين جعلت دماءها وقضيتها تخترق كل السدود لتصل إلى كل بيت.

إنَّ فقه “فضاءات الاستخلاف” يكشف أنَّ حصار غزة لم يكن حصاراً عسكرياً فحسب، بل كان محاولةً لتكريس مفهوم “القطيعة الجغرافية”. لكنَّ المنهاج الغزي أعاد تعريف الأرض كـ “ساحة اشتباك موحدة”؛ فالأرض التي يقاتل عليها المرابط في غزة هي ذاتها الأرض التي يجب أن يتحرك فيها المدد من كل اتجاه. إنَّ “فلسفة الاستخلاف” تقتضي أن تكون للأمة سيادةٌ كاملة على “جغرافيتها المتصلة”، فلا يُسمح لعدوٍ أن يفصل بين أخٍ وأخيه بجدارٍ عازل أو اتفاقية أمنية “مسمومة”. إنَّ الأرض في وعي المقاتل هي “أمانة” تستوجب الوصل لا القطع، والسيادة لا التبعية، وهذا ما جعل من غزة شرارةً لاستعادة الوعي بـ “جغرافيا الأمة الكبرى”.

إنَّ انتقال الوعي من “الحدود” إلى “الفضاءات” يعني بالضرورة “سقوط شرعية التقسيم”؛ فالمؤمن لا يرى في الحدود إلا “موانع صناعية” يجب تجاوزها بـ “وحدة الإرادة”. إنَّ “جيوبوليتيك الاستخلاف” تعني أنَّ موارد الأمة، وممراتها، ومواقعها الإستراتيجية هي “ملكيةٌ عامة للوحي”، تُدار بمنطق المصلحة العليا للأمة لا بمنطق المصالح القطرية الضيقة التي يبتزها الغرب. لقد أثبتت غزة أنَّ “الأرض المحاصرة” مادياً يمكن أن تكون هي “الأرض المحررة” شعورياً وسيادياً، وأنَّ التمكين يبدأ من تحرير فلسفة الأرض في العقول، كما قال عز وجل: ﴿وَلَقَد مَكَّنّاكُم فِي الأَرضِ وَجَعَلنا لَكُم فيها مَعايِشَ ۗ قَليلًا ما تَشكُرونَ﴾. فالمعايش هنا تشمل السيادة والكرامة والقدرة على التحكم في المصير.

وبناءً على ذلك، فإنَّ المنهاج يدعو إلى صياغة “إستراتيجية الفضاء المفتوح” بين ثغور الأمة؛ حيث تلتقي موارد المشرق بعقول المغرب في فضاءٍ سيادي واحد. إنَّ “فلسفة الاستخلاف” هي الرد الحاسم على “مشروع الشرق الأوسط الجديد” الذي يريد تفتيت المفتت. نحن نريد أرضاً ترتبط فيها مآذن القدس بمساجد القيروان والرباط دون وسيطٍ استعماري. إنَّ غزة هي “النقطة المركزية” التي بدأت منها عملية إعادة اللحمة الجغرافية، لتؤكد للعالم أنَّ حدودنا هي حيث تصل خيول عزيمتنا، وأنَّ الأرض لله يورثها من يشاء، ومن أحق بوراثتها ممن يرفع فوقها راية “السيادة لله”، مصداقاً للوعد الحق: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.

2-  سلاح “المضايق والممرات”: السيادة على شرايين العالم

لقد كشف “طوفان الأقصى” عن حقيقةٍ جيوسياسية مذهلة كانت غائبة أو مُغيبة؛ وهي أنَّ الأمة التي يملك أبناؤها “إرادة الوحي” تستطيع أن تحكم قبضة العالم من خلال “خنق شرايينه المادية”. إنَّ السيادة على المضايق (باب المندب، هرمز، قناة السويس، وجبل طارق) ليست ترفاً جغرافياً، بل هي “أمانة إلهية” وضعت الأمة في قلب ممرات القوة. لقد رأينا كيف استطاع “الثغر اليماني” الممتد من روح غزة أن يحول “باب المندب” إلى “مقصلةٍ اقتصادية” للكيان الصهيوني وداعميه، مبرهناً على أنَّ الصواريخ والمسيرات المسكونة بعقيدة “نصرة المظلوم” أقوى من الأساطيل التي تحمي “ممرات الاستكبار”. إنَّ هذا التوظيف للممرات هو التجسيد العملي لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.

إنَّ “سلاح الممرات” يكشف أنَّ المنظومة الدولية قد صُممت لتكون هذه المضايق تحت “الوصاية الغربية” المباشرة أو غير المباشرة، لضمان تدفق النهب الاستعماري. لكنَّ “إنسان المنهاج” في غزة واليمن وبقية الثغور، أعاد تعريف “الأمن البحري”؛ فلم يعد الأمن هو “سلامة سفن القتلة”، بل أصبح الأمن هو “منع الظلم من المرور”. إنَّ السيادة على الممرات المائية هي قلب “جيوبوليتيك الاستخلاف”؛ فمن يملك التحكم في “عنق الزجاجة” المائي، يملك القدرة على فرض شروط الكرامة على القوى العظمى. لقد سقطت أسطورة “حرية الملاحة” الزائفة التي تُشرعن إبادة الشعوب، وحلت محلها “ملاحة المستخلفين” التي تربط بين حركة التجارة وبين الالتزام بحقوق الأمة ومقدساتها.

إنَّ هذا السلاح الجيوسياسي يربط “المغرب بالمشرق” في وحدةٍ قتالية فريدة؛ فإذا كان “باب المندب” و”هرمز” هما رئة المشرق، فإنَّ “جبل طارق” هو بوابة المغرب وحارس المتوسط. إنَّ “منهاج غزة” يدعو الأمة لتفعيل “كماشة المضايق”؛ بحيث لا يجرؤ عدوٌ على المساس ببيت المقدس وهو يدرك أنَّ منافذ عيشه وتجارته تقع تحت رحمة “أمة الاستخلاف”. إنَّ السيادة على هذه الممرات هي التي تحول الأمة من “مفعولٍ به” في السياسة الدولية إلى “فاعلٍ سيادي” يكتب شروطه بمداد القوة والتمكين. إنَّ التحكم في شرايين العالم هو الوسيلة المادية لتحقيق الغاية الربانية في إحقاق الحق وإزهاق الباطل.

وبناءً على ذلك، فإنَّ “جيوبوليتيك الاستخلاف” تفرض على العقل النهضوي للأمة أن يضع إستراتيجية “تأميم الممرات عقدياً”؛ فلا تمر سفينةٌ تساهم في ذبح أطفالنا، ولا يُسمح لناقلة نفطٍ أن تغذي آلة الحرب الصهيونية. إنَّ غزة قد فتحت الباب لاستخدام الجغرافيا كـ “ورقة ضغطٍ قصوى”، وأثبتت أنَّ العالم المادي الذي لا يفهم لغة الأخلاق، سيخضع حتماً للغة “المضايق المغلقة”. إنَّ السيادة القادمة هي سيادة الأمة التي تحرس ممراتها بـ “قرآنها” وسلاحها، ليكون البحر، كالأرض، ملكاً لله يورثه لعباده الذين لا يخشون في الحق لومة لائم، تصديقاً لقوله سبحانه: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾.

3- “غزة” كحلقة وصل جيوسياسية: كسر الحصار عن “قلب العالم”

إنَّ المتأمل في “خارطة الاستخلاف” يدرك أنَّ فلسطين، وغزة على وجه الخصوص، ليست مجرد طرفٍ في قارة، بل هي “قفل العالم ومفتاحه”. إنها الجسر البري الوحيد الذي يربط بين قارات العالم القديم الثلاث (آسيا، أفريقيا، وأوروبا عبر المتوسط). غزة هي “بوابة الشام” إلى مصر، و”نافذة مصر” إلى الشام، وهي النقطة التي تلتقي عندها طرق التجارة التاريخية مع مسارات الروح والوحي. لذا، فإنَّ الحصار المضروب على غزة لم يكن يهدف لخنق فصيلٍ بعينه، بل كان محاولةً استعمارية لتعطيل “قلب العالم” ومنع الأمة من استعادة تواصلها الجغرافي والسيادي. إنَّ كسر هذا الحصار في “منهاج غزة” هو في الحقيقة “كسرٌ للأغلال الجيوسياسية” عن الأمة بأكملها، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. فالبركة هنا هي بركةٌ شاملة، روحية وجغرافية وإستراتيجية.

إن فهم “مركزية غزة” يكشف لماذا يسعى المشروع الصهيوني وحلفاؤه لجعل غزة “مقبرة” أو “سجناً”؛ لأنَّ تحرر غزة يعني تحرر “حلقة الوصل الكبرى”. إذا تحررت غزة، استعاد المشرق العربي اتصالاً برياً مع أفريقيا الإسلامية، وتلاشت فكرة “الدولة الحاجزة” التي زرعها الغرب (الكيان الصهيوني) ليفصل بين جناحي الأمة. إنَّ غزة اليوم تخوض معركةً لفتح “ممر السيادة”؛ الممر الذي لا يتحكم فيه “نظام دولي” جائر، بل تديره “إرادة الأمة” المستقلة. إنَّ “جيوبوليتيك الاستخلاف” تقتضي أن تكون هذه البقعة هي “ميناء الأمة ومطارها ومركز إمدادها”، فهي التي تملك “اللسان البحري” (المتوسط) الذي يربطنا بالمغرب، و”الامتداد البري” الذي يربطنا بالحرمين وبقية المشرق.

إنَّ كسر الحصار عن “قلب العالم” في غزة هو تمهيد لظهور “النظام الإقليمي الإسلامي الجديد”؛ النظام الذي لا يعترف بالاتفاقيات التي وُضعت لتكبيل الجغرافيا (مثل كامب ديفيد أو مشاريع الممرات البديلة التي تهدف لتجاوز غزة وفلسطين). لقد أثبت “طوفان الأقصى” أنَّ أي مشروعٍ جيوسياسي في المنطقة لا يمر عبر “بوابة غزة” هو مشروعٌ محكوم عليه بالفشل؛ لأنَّ غزة تملك “حق الفيتو الميداني”. إنَّ هذه “المكانة المركزية” تجعل من غزة الضامن لسلامة طرق التجارة والروح في الأمة، حيث تتحول من “منطقة منزوعة السيادة” إلى “قطبٍ سيادي” يقرر ملامح الصراع والتسوية، محققاً قوله سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾.

وبناءً على ذلك، فإنَّ الدفاع عن غزة هو دفاعٌ عن “وحدة العالم الإسلامي”؛ فبقاء غزة محاصرة يعني بقاء الأمة مقطوعة الأوصال. إنَّ “منهاج غزة” يعلمنا أنَّ السيادة تبدأ من امتلاك الشجاعة لفتح “الممرات المغلقة”، وأنَّ الجغرافيا لا تصبح “قوة” إلا إذا سكنتها “روحٌ وثابة”. إنَّ تحرر غزة هو البداية الفعلية لزوال “الحدود المصطنعة”، وعودة فلسطين لتكون “ملتقى القارات” وساحة “اللقاء الأكبر” للأمة. إننا نعد العدة ليومٍ تكون فيه غزة هي “المحطة المركزية” لقطار التحرير الذي يربط الرباط بالقدس وبغداد، في مشهدٍ يجسد عظمة الاستخلاف الذي وعدنا الله به.

4- إستراتيجية “تكامل الثغور”: ربط الممرات المائية بالميدان البري

إنَّ القوة في “منهاج غزة” لا تتحقق بالعمل المنفرد، بل بـ “تكامل الثغور”؛ أي تحويل كل بقعة جغرافية تملكها الأمة إلى “قطعة في آلة حربية وسياسية واحدة”. إنَّ هذه الإستراتيجية تقوم على ربط “السيادة البحرية” في المضايق (باب المندب، هرمز، وقناة السويس) بـ “السيادة البرية” في ميادين الاشتباك (غزة، القدس، وجبهات الإسناد). عندما يتكامل “جبل طارق” في أقصى المغرب مع “باب المندب” في أقصى المشرق، نكون قد أحكمنا “قبضة الأمة” على حوض المتوسط والبحر الأحمر، وهي المنطقة التي تُمثل “العصب الحيوي” للإمبريالية العالمية. إنَّ هذا التكامل هو الترجمة الميدانية لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾. فالبنيان المرصوص هنا ليس معنوياً فحسب، بل هو “بنيانٌ جيوسياسي” يشدُّ فيه مضيقٌ أزرَ مضيق، وثغرٌ أزرَ ثغر.

إنَّ بناء هذه “الكماشة” يكشف أنَّ العدو الصهيوني وحلفاءه يعتمدون على “خطوط إمداد” طويلة وهشة؛ وبمجرد أن تتحرك “ثغور الأمة” بتناغم، تسقط فاعلية القوة العسكرية للعدو. إنَّ إستراتيجية تكامل الثغور تعني أنَّ أي اعتداء على غزة يجب أن يُقابل بـ “إغلاق الشرايين” في البحار البعيدة، وبتحريك “الميدان البري” في جبهات متعددة. لقد أثبت “طوفان الأقصى” أنَّ الأمة تمتلك القدرة على “توزيع أدوار القوة”؛ فبينما تخوض غزة “قتال النخبة” وجهاً لوجه، تقوم ثغور أخرى بـ “خنق الروح المادية” للعدو عبر استهداف سفنه واقتصاده. هذا التكامل هو الذي يحول الجغرافيا من “عبء” إلى “سلاح ذكي”، ويجعل من الأمة “كتلة واحدة” لا يمكن كسرها بالاستفراد بقطعة منها.

إنَّ “ربط الممرات بالميدان” يقتضي تحويل “المغرب الإسلامي” إلى رئة إسناد لا تهدأ؛ فإذا كان المشرق هو “الميدان البري” للاشتباك، فإنَّ المغرب يملك مفتاح “البوابة الغربية” للمتوسط. إنَّ تكامل هذه الثغور يصنع حالة من “الردع الشامل”؛ حيث يدرك المستكبرون أنَّ ثمن قصف غزة هو حرمانهم من المرور الآمن في كل ممرات العالم الإسلامي. إنَّ “جيوبوليتيك الاستخلاف” لا تقبل بـ “حياد الثغور”؛ فكل مضيق أو ممر تسيطر عليه الأمة هو “وديعة لبيت المقدس”، يجب استخدامه في اللحظة الحاسمة لترجيح كفة المؤمنين. إننا أمام “وحدة جبهات” جغرافية، تُترجم “وحدة العقيدة” إلى “وحدة فعلٍ سيادي” يغير موازين القوى العالمية، محققاً قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾.

وبناءً على ذلك، فإنَّ “كماشة السيادة” بين جبل طارق وباب المندب هي الضمانة الوحيدة لـ “تحرير الإرادة”. إنَّ تكامل الثغور ينهي عصر “الاستجداء السياسي” ويبدأ عصر “الفرض الجيوسياسي”. عندما تتحدث غزة، يجب أن تسندها “أقفال المضايق”، وعندما يزأر المغرب بنصرة القدس، يجب أن يرتعد العدو من فكرة فقدان “طريق التجارة”. إننا نبني اليوم “منظومة أمنية ربانية” تتجاوز مفاهيم الأمن القومي الضيقة لتصل إلى “الأمن العقدي للأمة”. إنَّ الربط بين الممرات والميادين هو الذي سيجعل من “وعد الآخرة” حقيقة ملموسة؛ حيث تُحاصر “قوى البغي” في زاوية ضيقة من التاريخ، وتسترد الأمة سيادتها على “براريها وبحارها”، ليكون الدين كله لله، والسيادة كلها للأمة المستخلفة، كما وعد عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.

5- نحو “نظام بحري وبري إسلامي”: التحرر من التبعية للممرات الدولية

إنَّ الغاية القصوى لجيوبوليتيك الاستخلاف هي الوصول إلى لحظة “الانفكاك التام” عن المنظومة الدولية التي صاغها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية لتكبيل الأمة وتأميم ثرواتها وممراتها لصالح المركزية الغربية. إنَّ “منهاج غزة” يدفعنا نحو بناء “نظام بحري وبري إسلامي مستقل”، يُدير الممرات المائية (من جبل طارق إلى هرمز) والمنافذ البرية (من غزة إلى كاشغر) بمنطق “السيادة العقدية”. هذا النظام لا يرى في القوانين الدولية “قدراً محتوماً” إذا كانت تتصادم مع حق الأمة في الوجود والكرامة؛ بل يضع مصلحة “الجسد الواحد” فوق بروتوكولات “التجارة العالمية” التي تمول إبادة المسلمين. إنَّ هذا التحرر هو الترجمة المعاصرة لقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾.

إنَّ بناء هذا النظام الجديد يتطلب تحولاً في العقلية الإستراتيجية للأمة:

  • أولاً: “تأميم الوعي الجغرافي”: الاعتقاد الجازم بأنَّ هذه المضايق هي “أملاكٌ وقفية” للأمة، وليست ممرات دولية مشاعة يُسمح فيها بمرور أساطيل العدو التي تقصف غزة والشام واليمن.
  • ثانياً: بناء “القوة البحرية والبرية المشتركة”: تحويل التنسيق الشعبي والميداني إلى “منظومة دفاعية متكاملة” قادرة على حماية هذه الممرات وفرض “رسوم سيادية” (أخلاقية ومادية) على كل من يعبر جغرافيا الإسلام، بما يخدم قضايا التحرير والنهضة.
  • ثالثاً: إدارة الموارد بمنطق “الاستغناء”: خلق مسارات تجارية وبرية بين دول المغرب والمشرق تلتف على الهيمنة البحرية الغربية، مما يجعل الحصار الذي يُفرض على أي ثغر (مثل غزة) غير ذي أثر أمام تلاحم المنافذ الأخرى.

إنَّ هذا النظام البحري والبري الإسلامي هو الذي سيحول الأمة من “ممرٍ” للمشاريع الأجنبية (مثل ممر الهند-أوروبا الذي يراد به الالتفاف على فلسطين) إلى “صانعةٍ للمسارات”. إنَّ غزة بصمودها قد أسقطت هيبة “الأمن البحري” الصهيوني-الأمريكي، وفتحت الباب لسيادةٍ بحرية إسلامية تفرض “شروطها الأخلاقية”؛ فلا يمرُّ ظالم، ولا يُخنقُ مظلوم. إنَّ “جيوبوليتيك الاستخلاف” تقتضي أن يكون بحرنا وبرنا “حرماً آمناً” للمؤمنين، وناراً تحرق المعتدين، محققةً قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾.

وبناءً على ذلك، فإنَّ “النظام السيادي القادم” هو الرد الحاسم على غطرسة القوة المادية؛ فالعالم الذي يحترم “القوة” سيخضع حتماً للأمة التي تمسك بـ “عصب الاقتصاد” و “مفتاح الجغرافيا”. إننا ننتقل من “رد الفعل” إلى “المبادأة الإستراتيجية”، حيث تصبح ممراتنا هي أدواتنا لفرض السلام العادل ونشر قيم المنهاج. إنَّ طريق التحرير الذي بدأ برصاصة في غزة، سيكتمل بإغلاق آخر ثغرة يتسلل منها المستعمر إلى بحارنا وبرارينا. عندها فقط، تكون الأمة قد حققت “الاستخلاف الكامل”، وصارت هي “القطب القائد” الذي يدير توازنات العالم بروح القرآن وقوة الميدان، مصداقاً للوعد الذي لا يتخلف: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.