منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(17) تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(17) تابع

عبد الغني منتصر

 

المبحث السادس: موازين القوى في القرن الحادي والعشرين: تهافت الترسانة أمام إرادة التحرير

1. سقوط “عقيدة التفوّق المادي”: عندما تخذل التكنولوجيا أصحابها

إنَّ أهمَّ درسٍ عسكري قدمته غزة للعالم في القرن الحادي والعشرين هو “إعلان إفلاس المادية الصرفة”؛ فلقد بُنيت العقيدة العسكرية الغربية والصهيونية على وهمٍ مفاده أنَّ “التفوق التقني” (من ذكاء اصطناعي، وأقمار صناعية، وجدران ذكية) كفيلٌ بحسم المعارك وضمان الأمن المطلق. لكنَّ “طوفان الأقصى” جاء ليثبت أنَّ هذه الترسانة، برغم ضخامتها، تظلُّ “عمياء” أمام إرادةٍ لا تقرأها الخوارزميات. لقد سقطت “عقيدة التفوق” في اللحظة التي عبر فيها المقاتل الفلسطيني بجسده الطاهر حواجز المليارات، مؤكداً أنَّ العطب ليس في “الأنظمة”، بل في “روح الجندي” التي تآكلت خلف تلك الأنظمة. إنَّ هذا السقوط المدوي هو تجسيد معاصر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾؛ فالكيد التقني، مهما بلغت درجة تعقيده، يظلُّ واهياً كبيت العنكبوت أمام قلبٍ اتصل بخالقه وعرف غايته.

إنَّ هذا التهافت يكشف كيف تحولت “الرفاهية التكنولوجية” إلى نقطة ضعف قاتلة للعدو؛ فالاعتماد المفرط على الآلة ولّد جيلاً من الجنود “الوظيفيين” الذين لا يملكون روح القتال، بل يديرون الحرب كأنها “لعبة إلكترونية”. وحين فُرضت عليهم “المسافة صفر” واضطروا لمواجهة الإنسان وجهاً لوجه، خذلتهم آلاتهم لأنها لم تستطع منحهم “الشجاعة”. لقد أثبت إنسان المنهاج أنَّ “العقل المبدع تحت الحصار” يتفوق على “العقل المستهلك خلف الدروع”؛ فالمقاتل الذي صنع قذيفته من حطام قديم، غلب المهندس الذي صمم الدبابة بأحدث برمجيات العالم. إنَّ هذا التباين هو الذي جعل التكنولوجيا تخذل أصحابها، مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾. فـ “اللا احتساب” هنا كان هو ذلك الإنسان الذي لم تضعه راداراتهم في الحسبان.

لقد سقطت خرافة “الجيش الذي لا يُقهر” في أوحال غزة، وظهرت الترسانة الصهيونية كـ “حملٍ ثقيل” لا يحمي صاحبه بقدر ما يعيقه؛ فالدبابة التي تزن عشرات الأطنان صارت هدفاً سهلاً لـ “عبوة العمل الفدائي” التي لا تزن إلا كيلوغرامات. إنَّ غزة أعادت تعريف “القوة”؛ فليست القوة بما تملك، بل بما “تستطيع فعله” بما تملك. هذا السقوط لعقيدة التفوق المادي أجبر العالم على إعادة النظر في موازين القوى، حيث بات يُدرس “إنسان غزة” كظاهرةٍ عجزت المادية التاريخية عن تفسيرها. إنَّ هذا “الخذلان التقني” هو فضيحةٌ للمنظومة الاستعمارية برمتها، وإعلانٌ عن انتهاء عصر “الهيمنة بالآلة”، ليبقى “الصدق الإيماني” هو القوة الوحيدة التي لا تقبل الاختراق أو الهزيمة.

وبناءً على ذلك، فإنَّ تهافت الترسانة أمام غزة هو رسالة لكل الشعوب المستضعفة بأنَّ “القيد سينكسر” إذا ما وُجدت الإرادة التي تتجاوز سحر المادة. لقد فضحت غزة “عورة القوة الغربية”، وأثبتت أنَّ الأقمار الصناعية التي ترصد دبيب النمل، عجزت عن رصد “طوفانٍ” كُتب بمداد اليقين. إنَّ عالم ما بعد غزة لن يثق في “الجدران” مجدداً، بل سيبحث عن “الإنسان”؛ لأن غزة علمتنا أنَّ “الجدار لا يحمي الجبان، والقلب الثابت لا يحتاج لجدران”. إنها موازين السماء التي تحكم الأرض في نهاية المطاف، كما قال عز وجل: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. وهكذا زهق باطل التكنولوجيا أمام حق الإنسان المقاوم.

2. القوة الصلبة” في مواجهة “القوة الإيمانية”: مراجعة لمفهوم الردع

لقد استندت نظريات الأمن العالمي طوال القرن العشرين إلى مفهوم “الردع” (Deterrence)، القائم على فكرة مفادها أنَّ امتلاك القوة التدميرية الهائلة (النووية والتقليدية) كفيلٌ بمنع الخصم من المبادرة بالهجوم خوفاً من الفناء. إلا أنَّ غزة، بمنهاجها القتالي الفريد، قد أعلنت “وفاة الردع المادي”؛ فلقد واجهت “القوة الصلبة” الصهيونية المتمثلة في ترسانةٍ تملك أحدث ما أنتجه العقل الغربي، بقوةٍ من نوعٍ آخر هي “القوة الإيمانية”. إنَّ الفارق الجوهري هنا هو أنَّ الردع التقليدي يفشل تماماً أمام إنسانٍ “تحرر من فوبيا الموت”؛ فكيف يمكنك أن تهدد بالفناء مَن يرى في الشهادة بوابةً للقاء ربه؟ إنَّ هذا الانفصام بين مادية العدو وإيمانية المقاوم هو الذي جعل “القوة الصلبة” تبدو مشلولةً وعاجزة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾ مقابل ثلةٍ مؤمنة ترفع شعار: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾.

إنَّ في مراجعة مفهوم الردع نكتشف أنَّ غزة قد نقلت الصراع من “توازن الرعب المادي” إلى “توازن الإرادة الأخلاقية”. في غزة، لم يعد الردع يُقاس بعدد الطائرات أو الصواريخ، بل بمدى القدرة على “تحمل الألم واستثماره”؛ فالمجتمع الذي لا يثنيه القصف عن احتضان مقاومته، والمقاتل الذي لا يرهبه “الموت المحقق” في سبيل قنص دبابة، هو إنسانٌ “خارج حسابات الردع”. لقد تحول “الاستعداد للموت” من حالةٍ نفسية إلى “سلاحٍ إستراتيجي” عطل مفعول القنابل الزلزالية؛ فالعدو الذي يقاتل “لأجل الحياة الدنيا” يجد نفسه مهزوماً سلفاً أمام مَن يقاتل “لأجل الحق المطلق”. إنَّ هذا التباين هو الذي جعل الجندي الصهيوني ينهار نفسياً داخل مدرعته، بينما يرقص المقاوم فوق حطامها، محققاً قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾.

إنَّ مراجعة الردع في ضوء “طوفان الأقصى” تقول لنا إنَّ “السيادة المعنوية” هي التي تحسم الحروب الطويلة؛ فالقوة الصلبة قد تدمر الحجر، لكنها تعجز عن كسر “المنهاج” الذي يسكن القلوب. لقد أثبتت غزة أنَّ الردع الحقيقي لا يكمن في “القدرة على القتل”، بل في “القدرة على عدم الانكسار”. إنَّ سقوط نظرية الردع الصهيونية في السابع من أكتوبر، وفشلها في الاستعادة رغم شهور من الإبادة، هو برهانٌ قطعي على أنَّ القوة الإيمانية تمتلك “ديناميكية” لا تستطيع الجيوش النظامية استيعابها. إننا أمام “جيشٍ من الشهداء الأحياء” الذين يقاتلون بعقيدة قوله سبحانه: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾؛ وهذه المولاة الإلهية هي التي تمنح المقاتل حصانةً نفسية تجعل من كل تهديدات القوة الصلبة مجرد “ضجيجٍ” لا يغير من واقع الميدان شيئاً.

وبناءً على ذلك، فإنَّ عالم القرن الحادي والعشرين مدعوٌ لإعادة تعريف “القوة”؛ فالقوة ليست في امتلاك “أدوات الدمار”، بل في امتلاك “قضيةٍ تستحق الموت لأجلها”. لقد أثبتت غزة أنَّ الترسانة النووية والتقليدية تتهافت أمام “إرادة التحرير” المسلحة باليقين. إنَّ هذا الانكسار التاريخي للردع المادي هو تبشيرٌ بنهاية حقبة “الاستعلاء بالقوة”، وبداية حقبة “الانتصار بالحق”؛ حيث لا تُقاس موازين القوى بحجم الميزانيات العسكرية، بل بحجم “الثبات في الميدان”. إنَّ غزة اليوم هي المعيار الجديد للقوة، وهي البرهان الساطع على أنَّ الفئة المؤمنة، مهما صغر حجمها المادي، هي القوة الكبرى التي لا تُقهر، كما وعد الله: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

3. تآكل المركزية الغربية في “فلسفة الحرب”: غزة كنموذج ريادي

لعقودٍ طويلة، ظلت الأكاديميات العسكرية الغربية (مثل “ساندهيرست” و”وست بوينت”) هي المصدر الوحيد لما يُسمى بـ “فلسفة الحرب الحديثة”، فارضةً نموذجها القائم على الهيمنة الجوية، والحروب الخاطفة، والاعتماد المطلق على التكنولوجيا. إلا أنَّ غزة، في معركتها الحالية، قد أحدثت “شرخاً إبستمولوجياً” (معرفياً) في هذه المركزية؛ حيث قدمت نموذجاً قتالياً لم يُكتب في كتبهم، ولم تتنبأ به حواسيبهم. لقد أثبتت غزة أنَّ الأستاذية العسكرية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُؤخذ من “جنرالات المكاتب المكيفة”، بل من “قادة الأنفاق” الذين اجترحوا فلسفةً قتالية تعتمد على “السيولة المكانية” و**”الصمود الوجودي”**. إن هذا التآكل في المركزية الغربية هو تجسيد لقوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾؛ حيث تجلى العلم الإلهي المؤيد للمؤمنين في إبداعٍ عسكري فاق كل دراساتهم وتوقعاتهم.

إنَّ “الأستاذية الغزية” كشفت كيف حطمت غزة مفهوم “الحرب من طرف واحد” التي اعتاد عليها الغرب في غزو الشعوب. لقد صدمت غزة العالم بـ “إستراتيجية الاستنزاف الذكي”، حيث يتم تحويل كل زقاق وركام إلى “كمينٍ معرفي” يسقط فيه الجندي المدجج بالتقنية. إنَّ الخبراء العسكريين الغربيين باتوا يقرّون اليوم بأنَّ غزة قد أعادت تعريف “حرب المدن” (Urban Warfare)، محولةً إياها من “عبء” على المدافع إلى “مقبرة” للمهاجم. لقد نقلت غزة “مركز الثقل” العسكري من “الآلة” إلى “الإرادة المبتكرة”، وأثبتت أنَّ المنهاج التربوي الذي يبني “إنسان العقيدة” هو أقوى إعدادٍ عسكري، مصداقاً لقوله عز وجل: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. فهذه النسبة (1 إلى 10) لم تعد مجرد نصٍّ شرعي، بل أصبحت “حقيقةً ميدانية” تُدرس في غرف عملياتهم برعبٍ وانبهار.

إنَّ غزة اليوم هي التي تضع “قواعد الاشتباك الجديدة”؛ فهي التي حددت متى تبدأ المعركة وكيف تُدار، وهي التي فرضت على العدو “حرباً لم يتدرب عليها” (حرب الأشباح تحت وفوق الأرض). إنَّ تآكل المركزية الغربية يتجلى في عجز واشنطن ولندن بكل خبراتهم عن تقديم “حلٍّ عسكري” ينهي صمود غزة. لقد سقطت “الفلسفة المادية للحرب” التي ترى في تدمير الحجر تدميراً للبشر، وظهرت “الفلسفة المنهاجية” التي ترى في الركام متراساً، وفي الحصار مدرسةً للصناعة. إنَّ هذا التحول الجذري يجعل من غزة “القبلة الجديدة” لكل باحثٍ عن الحرية والكرامة، ويؤكد أنَّ “الأستاذية” تُنتزع بالحق والدم، لا بامتلاك براءات اختراع السلاح.

وبناءً على ذلك، فإنَّ غزة قد كسرت “التبعية المعرفية” للمستضعفين تجاه الغرب؛ فلم يعد المقاوم يحتاج لمحاكاة “النموذج الغربي” لينتصر، بل صار هو النموذج الذي يُحاكى. إنَّ هذه الريادة العسكرية هي إيذانٌ ببزوغ “عصر المنهاج”، حيث يُقاس تطور الجيوش بمدى اتصالها بروح شعوبها وعقيدتها، لا بمدى تبعيتها لمصانع السلاح الغربي. إنَّ غزة اليوم تخاطب التاريخ بلسان الحال: إنَّ فلسفة الحرب التي تتجاهل “خالق الإنسان” هي فلسفةٌ فاشلة سلفاً أمام إنسانٍ يتحرك بوعي قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. وهذا النصر الإلهي هو الذي وضع غزة في مقام “الأستاذية” التي سيتعلم منها الأحرار لقرونٍ قادمة.

4. “حروب الاستنزاف الطويل”: تحطيم اقتصاد الحرب لدى العدو وسيكولوجية طول النفس

إنَّ من أعظم ثمار “طوفان الأقصى” هو نجاح غزة في فرض “حرب الاستنزاف الشاملة” على عدوٍ بُنيت عقيدته بالأساس على “الحروب الخاطفة” و”الانتصارات السريعة”. لقد أدرك إنسان المنهاج أنَّ نقطة ضعف الكيان الصهيوني تكمن في عدم قدرته على تحمل “كلفة الزمن”؛ فالزمن بالنسبة للعدو هو استنزافٌ للاقتصاد، وتهجيرٌ للمستوطنين، وتفككٌ للجبهة الداخلية. أما بالنسبة لغزة، فالزمن هو “مساحة لليقين” وتعميقٌ للمظلمة التاريخية التي تهز أركان العالم. إنَّ قدرة غزة على القتال لشهور طويلة تحت أبشع أنواع القصف هي معجزة سيكولوجية تُثبت أنَّ “طول النفس المنهاجي” أقوى من “الترسانة المادية”. هذا الصمود هو الامتثال العملي لقوله تعالى: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. وهذا “الرجاء” هو الذي يمنح المقاومة القدرة على الاستمرار حين ينهار الآخرون.

إنَّ فكرة “الاستنزاف” تكشف عن “تآكل الركائز الاقتصادية” للعدو؛ فتعطيل الموانئ، وتوقف المصانع، وهجرة الاستثمارات، واستدعاء مئات الآلاف من الاحتياط، كلُّها عوامل حولت الحرب من “نزهة عسكرية” إلى “كارثة وجودية” على الكيان. غزة، رغم فقرها المادي، استطاعت أن تُدخل “الرأسمالية الصهيونية” في نفقٍ مظلم، مبرهنةً على أنَّ “الاكتفاء الذاتي الإيماني” أصلبُ من “الرفاهية المعتمدة على الخارج”. لقد أثبتت المقاومة أنَّ كلفة تدمير “نفق” واحد بآلاف الدولارات قد تكلف العدو ملايين الدولارات في طلعاته الجوية، مما يجعل “معادلة الاستنزاف المالي” تصب في مصلحة صاحب الأرض. إنَّ هذا التدمير المنظم لاقتصاد العدو هو جزءٌ من “المدافعة” التي أمر بها الله، والتي تجعل الباطل ينهار من الداخل قبل أن ينهار في الميدان.

أما على الصعيد السيكولوجي، فإنَّ غزة قد حققت “السيادة على الوقت”؛ فالعدو يبحث عن “صورة نصر” سريعة ليوقف نزيفه، بينما غزة تقاتل بنفَس “أولي العزم”، مدركةً أنَّ النصر صبر ساعة. إنَّ “سيكولوجية طول النفس” لدى إنسان المنهاج نابعة من رؤيته للدنيا كقنطرة وللآخرة كمستقر، مما يجعل استعجال النتائج غائباً عن حساباته مقابل تحري “مرضاة الله”. هذا الثبات حطم الروح المعنوية للجندي الصهيوني الذي يقاتل ليعود إلى “حياته المرفهة”، فاصطدم بمقاتلٍ يقاتل ليعيد “حق أمة”. إنَّ هذا التباين الوجداني هو الذي حسم معركة الاستنزاف؛ فمن يملك “القضية” يملك “الزمن”، ومن يملك “الباطل” يطارده الوقت كالسيف المسلط على رقبته، مصداقاً لقوله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

وبناءً على ذلك، فإنَّ غزة قد قدمت للعالم نموذجاً في “إدارة الانهيار المتبادل”؛ حيث ينهار العدو أخلاقياً واقتصادياً وسياسياً، بينما “تتطهر” غزة وتتصلب إرادتها أكثر وسط النيران. إنَّ تحطيم اقتصاد الحرب لدى العدو ليس مجرد أرقام، بل هو “تقويض لأساس وجود الكيان” الذي قام على “الأمن والرفاه”. فإذا فُقد الأمن وتبخر الرفاه، سقطت مبررات وجوده في وعي مستوطنيه. إنَّ “حروب الاستنزاف الطويل” التي قادتها غزة هي التي ستمهد الطريق لانكسار الهيمنة الصهيونية في المنطقة، مؤكدةً أنَّ اليد المتوضئة التي تزرع الصبر، ستحصد حتماً فجر التحرير، كما وعد سبحانه: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾.

5. بزوغ “عصر التعددية القطبية الشعبية”: غزة كقطبٍ أخلاقي عالمي

لقد أحدثت ملحمة غزة زلزالاً في هيكلية النظام الدولي، حيث تجلى للعالم بوضوح أنَّ “القطبية” لم تعد تُقاس بامتلاك القنابل الذرية أو حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، بل بامتلاك “المركزية الأخلاقية” والقدرة على تحريك ضمائر الشعوب. لقد ولدت في أزقة غزة “تعددية قطبية شعبية”؛ حيث تحولت هذه البقعة المحاصرة إلى “قطبٍ جاذب” تدور حوله إرادات الأحرار في مشارق الأرض ومغاربها، متجاوزةً هيمنة القطب الأوحد الذي يدعم الباطل. إنَّ خروج الملايين في عواصم الغرب والشرق ليس مجرد تعاطفٍ عابر، بل هو اعترافٌ ضمني بأنَّ غزة هي التي تمثل اليوم “القيم الإنسانية العليا” التي خانتها المنظومات الدولية. إن هذا التحول الكوني هو ثمرة قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. والآية هنا هي تجلي الحق في “الضعف المستقوي بالله” أمام “القوة المتجردة من الحق”.

إنَّ رصد هذا التحول يكشف كيف حطمت غزة “الأصنام الأيديولوجية” للنظام العالمي؛ فلم تعد “الديمقراطية الغربية” أو “حقوق الإنسان” بمفهومها الاستعماري هي القبلة التي تتجه إليها الأنظار. لقد استبدلت غزة ذلك بـ “منهاج الفطرة” الذي يستوعبه كل إنسانٍ حر، بغض النظر عن دينه أو عرقه. إنَّ بزوغ هذا القطب الشعبي يعني أنَّ الشعوب بدأت تسحب شرعيتها من حكومات تابعة للمنظومة الصهيونية، وتمنحها لـ “نموذج المقاومة”. إنَّ غزة اليوم هي التي تقرر مَن هو “الحر” ومَن هو “المستعبد”؛ فصارت معياراً للوعي العالمي الجديد. وهذا هو جوهر قوله سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾. والإمامة هنا هي “القيادة الروحية والأخلاقية” التي انتزعتها غزة من بين الركام.

إنَّ هذا “القطب الغزي” قد أعاد تعريف “السيادة”؛ فهي ليست اعترافاً من الأمم المتحدة، بل هي قدرة الشعب على فرض إرادته وتحدي “النظام العالمي القديم”. لقد سقطت هيبة القوى العظمى التي عجزت عن كسر إرادة مدينة صغيرة، وبزغت هيبة “الإنسان المنهاجي” الذي أعاد للأمة ثقتها في دورها كـ “شاهدةٍ على الناس”. إنَّ عالم ما بعد الطوفان لن يعود إلى الوراء، حيث نشأت جبهة عالمية عريضة من الأحرار تؤمن بأنَّ “التغيير ممكن” وأنَّ القوة المادية ليست قدراً محتوماً. إنَّ غزة هي “بوصلة الانبعاث” التي تشير إلى فجرٍ جديد تذوب فيه الهيمنة الأحادية، وتحل محلها سيادة القيم الإلهية الفطرية، مصداقاً لقوله عز وجل: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.

وبناءً على ذلك، فإنَّ “التعددية القطبية الشعبية” التي تقودها غزة هي التمهيد الحقيقي لـ “خلافة المنهاج”؛ حيث لا تكون السيادة للمادة بل للحق. لقد أثبتت غزة أنَّ فئةً مؤمنة واحدة قادرة على “إعادة ضبط” أخلاقيات الكوكب بأسره. إنَّ انتصار غزة في معركة الوعي العالمي هو المقدمة لانتصارها في معركة التحرير الأرضي، لأنَّ العالم الذي يرفض الظلم اليوم هو الذي سيبارك زحف الفاتحين غداً. إنَّ غزة لم تعد تدافع عن نفسها، بل صارت “ملاذ الأمل” لكل المظلومين في الأرض، معلنةً أنَّ عصر الاستكبار قد ولى، وأنَّ زمن “علوّ المؤمنين” قد بدأ يتشكل في رحم المعاناة، كما وعد الله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.