“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(16) تابع
عبد الغني منتصر
“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(16) تابع
بقلم: عبد الغني منتصر
الفصل الثالث: إستراتيجية المدافعة ومعادلة القوة غير المتكافئة
المبحث الخامس: الإعلام المقاوم وسوسيولوجيا الصورة: معركة صناعة الرأي العام العالمي.
1. “كاميرا المجاهد” وقوة الردع البصري: التوثيق كشهادة ميدانية
إنَّ المتأمل في “طوفان الأقصى” يدرك أنَّ المقاومة قد أدخلت “التوثيق الميداني” كركيزة أساسية في عقيدتها القتالية، فلم يعد القتال فعلاً معزولاً في الأزقة، بل صار “شهادةً بصرية” تُعرض على محكمة الوعي العالمي. لقد تحولت كاميرا المجاهد من أداة لنقل الخبر إلى “سلاح ردعٍ إستراتيجي”؛ فهي التي منعت العدو من تزوير النتائج، وهي التي حطمت أسطورة “الميركافا” قبل أن يبرد حطامها، تجسيداً لقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾. فالشهادة هنا ليست فقط ببذل الروح، بل هي “الشهادة على الميدان” التي تقيم الحجة على الباطل وتكشف زيف ادعاءاته.
إنَّ تحليل قوة “الردع البصري” يقودنا إلى فهم الأثر النفسي المدمر لهذه الصور على جبهة العدو؛ فحين يرى المستوطن أو الجندي لقطات “المسافة صفر” واضحةً وجلية، وهي توثق وضع العبوات اليدوية على أعتى آلياتهم، تسقط في روعه كل خطابات الطمأنة. إنَّ المقاومة في غزة مارست على العدو “الإبادة المعنوية” عبر الصورة، فجعلت من “اللقطة” برهاناً لا يقبل التأويل، ورداً مباشراً على قوله سبحانه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. فبينما قدم العدو رواياتٍ مكذوبة، قدمت كاميرا المجاهد “برهان الميدان” الذي لا يكذب.
إنَّ عبقرية التوثيق تكمن في قدرته على “تخليد لحظة الانكسار”؛ فالصورة التي تظهر الجندي الصهيوني وهو يفر أو الدبابة وهي تنفجر بعبوة بسيطة، هي صورةٌ تنحفر في الذاكرة الجمعية وتنهي عقوداً من صناعة الهيبة الزائفة. لقد نجحت كاميرا المجاهد في تحويل “فخر التكنولوجيا” إلى “مادةٍ للسخرية”، وهو ما يمثل ذروة الحرب النفسية. فبينما كانت الطائرات تهدم البيوت، كانت “كاميرا المقاوم” تهدم كبرياء العدو في الفضاء الرقمي، محققةً قوله عز وجل: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. والرعب هنا جاء من “الصورة” التي لم يحسبوا لها حساباً.
وبناءً على ذلك، فإنَّ “التوثيق كشهادة” قد أعاد صياغة موازين القوى في الصراع الإعلامي؛ فالصورة الصادقة قد هزمت المليارات المنفقة على شركات العلاقات العامة الصهيونية. لقد أصبحت كاميرا المجاهد هي “الفرقان” الذي يميز بين الحق والباطل في عصر “ما بعد الحقيقة”؛ حيث لم يعد العالم يصدق البيانات الرسمية، بل يصدق ما تراه العين. إنَّ هذا الردع البصري هو الذي مهد الطريق لانبعاث الرأي العام العالمي، مؤكداً أنَّ الأمة التي تملك الحق والجرأة على توثيقه هي التي لا تُهزم في معارك الوعي، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.
2. كاريزما “الملثم”: إدارة المعركة المعنوية وصناعة المصداقية المطلقة
إنَّ المتأمل في ظاهرة “الملثم” (أبو عبيدة) يدرك أننا لسنا أمام مجرد “متحدث عسكري” بالمعنى التقليدي، بل نحن أمام “أيقونةٍ منهاجية” تمت صناعتها بعناية لتدير الحرب النفسية والمعنوية بذكاءٍ فائق. لقد نجحت المقاومة في غزة عبر شخصية الملثم في تقديم نموذج “الصدق العملي” في مواجهة “الكذب المؤسسي” للعدو. فاللثام هنا لم يكن مجرد وسيلة أمنية لإخفاء الهوية، بل كان “إلغاءً للذات” وتذويباً للفرد في صهر القضية، ليصبح الصوت الخارج من وراء الكوفية هو “صوت الحق” الذي ينتظره الصديق والعدو على حد سواء. إن هذه المصداقية المطلقة هي الثمرة المباشرة للامتثال الإيماني لقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾؛ فمن صدَق اللهَ في الميدان بذلاً، صدَقَه اللهُ في لسانِ حالِه بياناً، حتى بات يقال: “الخبر ما قاله الملثم، لا ما قاله الجنرالات”.
إنَّ تحليل كاريزما الملثم يكشف عن قدرةٍ فذة على “إدارة زمن الصدمة”؛ فبينما يغرق إعلام العدو في التخبط والتناقض، يخرج الملثم بهدوئه الواثق ونبرته المتزنة ليعيد ترتيب الوعي الجمعي. لقد استطاع الملثم أن يحول “البيان العسكري” إلى “خطابٍ تعبوي” يربط الميدان بالقرآن، والسياسة بالعقيدة. إنَّ استخدام الآيات القرآنية في ختام بياناته لم يكن مجرد زينة، بل كان تأطيراً للمعركة في سياقها الإلهي، مما يمنح المقاتل والحاضنة الشعبية شعوراً بالمعية الإلهية. إنَّ الملثم بهذا المعنى هو تجسيد لقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. وبتحقيقه لشرط الصدق الميداني، أصبح هو “الصادق” الذي تأوي إليه القلوب لتعرف حقيقة ما يجري في ركام غزة.
إنَّ سوسيولوجيا الملثم تتجاوز الحدود الجغرافية؛ فقد تحول إلى “بطلٍ عالمي” يتجاوز اللغات والأديان، لأنه يمثل الإنسان الذي يقف وحيداً بكرامته أمام جبروت الآلة. إنَّ غياب ملامح الوجه منح الشخصية “بعداً أسطورياً”، فأصبح كل طفل في غزة وكل حر في العالم يرى نفسه في ذلك الملثم. هذه الكاريزما أربكت أجهزة استخبارات العدو التي حاولت يائسةً “أنسنة” الشخصية أو تشويهها، لكنها فشلت أمام “رمزية اللثام” التي تزداد هيبة مع كل كمينٍ ناجح. إنَّ الملثم يدير معركة الوعي بـ “الصمت” بقدر ما يديرها بـ “الكلام”؛ فظهوره يعني “فصلاً” في الأحداث، وغيابه يعني “إعداداً” لمفاجأة جديدة، محققاً قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾. فكلمات الملثم كانت “المِرود” الذي يسوء وجوه قادة الكيان ويكشف عجزهم أمام العالم.
وبناءً على ذلك، فإنَّ الملثم هو المهندس الحقيقي لـ “الجبهة الداخلية المعنوية”؛ فهو الذي يمتص الألم ويحوله إلى أمل، وهو الذي يحول الانكسار المادي إلى استعلاءٍ إيماني. لقد أعاد الملثم صياغة مفهوم “القيادة الإعلامية” في زمن الحرب، فأثبت أنَّ القوة لا تحتاج إلى صراخ، بل إلى “صدقٍ يصدقه الميدان”. إنَّ عالم ما بعد الطوفان سيذكر أنَّ رجلاً بوشاحٍ أحمر وكلماتٍ قرآنية استطاع أن يهزم أعتى ماكينات الإعلام في التاريخ، ليظل قوله تعالى هو الشعاع الذي يهدي التائهين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. والملثم هو لسان هذا الدفاع الإلهي، الذي يخرس باطل المعتدين ويثبت أقدام الموحدين.
3. السيادة الاستخباراتية: قلب السحر على الساحر (الشرائح، المسيرة، والكمائن المركبة)
إنَّ ما حققته المقاومة في غزة على الصعيد الاستخباراتي يمثل “انقلاباً بنيوياً” في مفهوم السيادة التقنية؛ فلم تعد التكنولوجيا حكراً على من يملك المصنع، بل أصبحت طوع مَن يملك “الوعي الميداني”. لقد راهن العدو على “جيش الشرائح” وأدوات التجسس الدقيقة التي زرعها في كل زاوية ظنّاً منه أنه أحكم قبضته على المعلومة، لكنَّ إنسان المنهاج استطاع أن يحول هذه الأدوات من “عينٍ للعدو” إلى “شركٍ لموته”. إنَّ استخدام المقاومة لهذه الشرائح لاستدراج قوات النخبة الصهيونية إلى “كمائن مركبة” هو تجسيد معاصر لقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. فبينما كان الجندي يتبع إشارةً تقنية يظنها صيداً ثميناً، كان يساق إلى حتفه في كمينٍ أُعدَّ له بذكاءٍ يفوق قدرة خوارزمياته.
إنَّ فتح هذا الملف يقودنا إلى الفضيحة الاستخباراتية الكبرى التي تمثلت في “اختراق الوسائط التقنية”؛ حيث كشفت المقاومة عن قدرتها على السيطرة على أدوات كان العدو يستخدمها لمهام حساسة، كالتواصل مع عائلات الأسرى خلف ظهر الرقابة العسكرية. هذا الفعل يمثل “اختراقاً للجبهة الداخلية” للعدو بأسلحته هو، ومفاد هذه الرسالة النفسية القاصمة: “حصونكم التقنية مخترقة، وأسراركم بين أيدينا”. إنَّ هذا التفوق الاستخباراتي هو الذي جعل العدو يتخبط في ميدانه، مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾. فكل إشارة لاسلكية باتت تثير رعبهم خشية أن تكون من تدبير عقلٍ مقاوم يقرأ تحركاتهم قبل بدئها.
إنَّ هذه “السيادة الاستخباراتية” قد حطمت قدسية التكنولوجيا الغربية؛ فالمقاومة لم تكتفِ بالدفاع، بل قامت بـ “تطويع التجسس” لخدمة أهدافها. إنَّ تحويل “المسيرة” أو الإشارة التي أرسلها العدو للإنقاذ إلى أداةٍ لفضح فشله وتعرية كذبه، هو قمة “الأستاذية” في إدارة الصراع. غزة اليوم تُدرس العالم أنَّ “التفوق الاستخباري” لا يحتاج لميزانيات بالمليارات، بل يحتاج لـ “عقلٍ متحرر من الرهبة” قادر على تفكيك منطق الآلة، مؤكدة قوله عز وجل: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. فكيدهم التقني تهاوى أمام نباهة المقاتل الذي جعل من “وسائل رقابتهم” عيوناً يرى بها مواضع ضعفهم.
وبناءً على ذلك، فإنَّ غزة قد أعادت تعريف “الأمن القومي”؛ فالأمن ليس في “الشرائح والمسيرات”، بل في “سرية المنهاج وصلابة التنظيم”. إنَّ هذه العمليات المركبة أدت إلى تآكل الثقة بين الجندي وجهازه الاستخباراتي. لقد أثبتت المقاومة أنَّ إرادة التحرير قادرة على “قرصنة القدر المادي” للعدو وتحويله إلى “قدرٍ إلهي” يذيقهم العذاب من حيث لم يحتسبوا، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. حيث صمتت لغة الحواسيب وتكلمت لغة الدهاء الإيماني في أبهى صورها.
3. سوسيولوجيا “صورة الصمود” مقابل “صورة الضحية”: إعادة صياغة الإنسان في الوعي العالمي
إنَّ أعظم انتصار حققه الإعلام المقاوم في “طوفان الأقصى” هو نجاحه في تحطيم “كادر الضحية المستسلمة” التي حاول الإعلام الغربي تأطير الإنسان الفلسطيني بداخلها لعقود. لقد اعتاد العالم رؤية الفلسطيني وهو يبكي فوق الركام كفعلِ استجداءٍ للعطف الدولي، لكنَّ غزة المنهاج قدمت للعالم سوسيولوجيا جديدة للإنسان؛ وهي “صورة الصمود الأسطوري” و**”الإنسان الفاعل”**. لقد رأى العالم الأب الغزي وهو يحمل طفله الشهيد ويقول “الحمد لله، فدى الأقصى”، ورأى المجاهد وهو يخرج من تحت الركام ليقنص دبابة. هذه الصور لم تكن تطلب “الشفقة”، بل كانت تطلب “الاحترام” وتزرع “الرهبة”، تجسيداً لقوله سبحانه: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾. فالفلسطيني اليوم يُعاد صياغته في الوعي العالمي كإنسانٍ “متفوقٍ أخلاقياً” على جلاده.
إنَّ تحليل هذا التحول السوسيولوجي يكشف كيف أصبحت “الصورة” الغزية مدرسةً لتعليم العالم معنى “الرضا بالقدر” و**”عزة المؤمن”**. لقد ذهل الغربي “المادي” وهو يرى شعباً يُباد ومع ذلك لا ينهار نفسياً، بل يتمسك بأرضه وبدينه. هذا “الصمود العضوي” حوّل غزة إلى “مركز إشعاع قيمي”؛ فصار الناس يبحثون في القرآن عن السر الذي يجعل هذا الإنسان بهذا الثبات. إنَّ الصورة هنا لم تعد تنقل الحدث، بل أصبحت تنقل “المنهاج”؛ وكأن لسان حال غزة يقول للعالم ما قاله الله عز وجل: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. وهذا “الرجاء” هو الذي ميز صورة الغزي عن صورة الصهيوني المذعور خلف درعه.
إنَّ هذا التحول قد أدى إلى “تآكل الرواية الصهيونية” القائمة على مظلومية تاريخية زائفة؛ فحين قارن العالم بين جندي مدجج بالخوف ومدني مدجج باليقين، سقطت شرعية القوة أمام شرعية الحق. لقد نجح الإعلام المقاوم في جعل “الوجع الغزي” وقوداً للثورة لا سبباً للانكسار، فاستبدل “دموع الضعف” بـ “ابتسامة التحدي”. إنَّ لغة الجسد في فيديوهات المقاومة وصور الصبر الشعبي كانت تقول إنَّ هذا الشعب قد “تجاوز عتبة الخوف”. إن هذا الاستعلاء الإيماني هو الذي حقق قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾؛ فالعلوية هنا هي علوية الروح التي تنظر إلى المحتل وقوته باستخفافٍ وازدراء.
وبناءً على ذلك، فإنَّ سوسيولوجيا الصورة في غزة قد أعادت تعريف “البطولة”؛ فالبطل ليس هو “رامبو” السينمائي، بل هو ذلك الطبيب الذي يرفض ترك مستشفاه، وذلك المجاهد الذي يودع أهله بابتسامة ليلاقي ربه. إن غزة لم تكسب تعاطف العالم فحسب، بل كسبت “قيادة العالم الأخلاقية”. إنَّ الصمود الغزي أثبت أنَّ الإنسان الذي يتصل بخالقه يصبح “عصياً على الفناء”، وأنَّ “صورة العزة” هي التي ستبقى في ذاكرة التاريخ، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.
5. كسر “الكهنوت الإعلامي الغربي” ولغة “المثلث الأحمر”: صناعة الأيقونة العالمية
إنَّ أعظم ما حققه الإعلام المقاوم في هذه الملحمة هو إنهاء عصر “الكهنوت الإعلامي الغربي”؛ ذلك النظام الذي ظل لقرون يحتكر حق تعريف “الإرهاب” و”الضحية”. لقد تجاوزت غزة ببراعة “الفلاتر” الرقمية لتخاطب العالم بلغةٍ بصرية لا تحتاج لمترجم. لقد ظهر “المثلث الأحمر الصغير” ليس فقط كإشارة تقنية لتعيين الهدف، بل كـ “بوصلةٍ أخلاقية” تشير إلى مكمن الحق ومصرع الباطل. إنَّ هذا المثلث تحول في الوعي الجمعي العالمي إلى أيقونةٍ للحرية تجتاح الجامعات والساحات، معلنةً ميلاد زمنٍ يمتلك فيه المستضعف حقَّ سرد قصته، تجسيداً لقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. فالدمغ هنا كان بصرياً، رقمياً، وعالمياً.
إنَّ تحليل “سحر الرمز” يكشف كيف تحولت غزة إلى “مُنْتِجٍ للمعلومة البديلة”؛ فبينما كانت الوكالات العالمية تتلقى روايتها من المتحدث العسكري للاحتلال، كان “إعلام المنهاج” يبث تفاصيل الميدان بالثانية، مما أجبر العالم على النقل عنه رغماً عنه. لقد انكسر “جدار الصمت”، وأصبح “المثلث الأحمر” و”كوفية الملثم” رموزاً كونية تتحدى “البراندات” الرأسمالية الكبرى، وتعلن أنَّ الجمال الحقيقي يكمن في المقاومة. هذا التحول هو ثمرة لقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾. فالعلوية هنا تجلت في هيمنة الرمز الغزي على الفضاء العام العالمي.
إنَّ “المثلث الأحمر” لم يعد مجرد علامة على آلية محترقة، بل أصبح رمزاً لـ “دقة العدالة الإلهية”؛ فقد رأى العالم أنَّ هذا المثلث لا يخطئ مقتل الظلم. إنَّ هذا النجاح في “عولمة الرمز” قد أحدث شرخاً في المنظومة الثقافية الغربية، حيث بدأت الأجيال الجديدة تتساءل عن زيف القيم التي تروجها حكوماتهم. لقد أصبحت غزة هي التي تمنح “صكوك المشروعية”؛ فمن انحاز لها انحاز للإنسانية. إنَّ هذا الانتشار الكوني للرمز هو تحقيق للوعد الإلهي: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
وبناءً على ذلك، فإنَّ الإعلام المقاوم قد نجح في “تدويل المنهاج” عبر الصورة والرمز. لقد أثبتت غزة أنَّ الحقيقة إذا ما سكنت قلب مؤمنٍ شجاع، تملك قوة اختراقٍ تفوق الصواريخ العابرة للقارات. إنَّ “المثلث الأحمر” سيظل في ذاكرة التاريخ كأقوى أداة إعلامية في القرن الحادي والعشرين؛ الأداة التي فضحت عجز التكنولوجيا وكشفت قبح الاحتلال. لقد انتصرت “كلمة الله” في فضاء الإعلام، وبقيت غزة هي “المنارة” التي لا تُطفأ خوارزمياتهم نورها، كما قال عز وجل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.