منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(12) تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(12) تابع

بقلم: عبد الغني منتصر

الفصل الثالث: إستراتيجية المدافعة ومعادلة القوة غير المتكافئة

تصدير الفصل: انكسار القوانين المادية في محراب الإرادة

في هذا الفصل، ننتقل من تشريح “سيولة” النظام العالمي إلى هندسة “صلابة” الفعل المقاوم. إننا بصدد تفكيك أكبر وهمٍ سكن العقل البشري الحديث: وهم أنَّ “الكثرة المادية” هي القدر المحتوم الذي لا يُغلب. سنصيغ هنا فقهنا الخاص لـ “القوة”؛ تلك التي لا تُقاس بعدد الرؤوس النووية، بل بمقدار “الارتباط بالمبدأ” والقدرة على “إدارة المدافعة” في أحلك الظروف.

إنَّ غزة اليوم ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي “المختبر التاريخي” الذي أثبت أنَّ القوة غير المتكافئة ليست عجزاً، بل هي ثغرة ينفذ منها “الحق” ليحطم جبروت “الباطل” المستكبر. هنا، تسقط فيزياء المادة أمام ميتافيزيقا اليقين؛ حيث لا تعود الحسابات الرقمية هي الحاكم الوحيد للميدان، بل تبرز “إرادة المنهاج” كعنصر فاعل يقلب موازين القوى ويُعيد صياغة قوانين الصراع، مؤكداً أنَّ القوة الحقيقية هي التي تستمد مشروعيتها من السماء وتجذّرها في الأرض، لا تلك التي تستمد سطوتها من “تكنولوجيا الموت” السائلة.

المبحث الأول:  فلسفة المدافعة: الفرقان المعرفي بين القوة المادية والقوة الروحية.

1.ماهية “الفرقان المعرفي”: صراع المعنى في مواجهة طغيان المادة

إنَّ المتأمل في زلزال السابع من أكتوبر يدرك أنه لم يكن مجرد عبورٍ لجدارٍ مادي، بل كان عبوراً معرفياً هدم الحدود المصطنعة بين عالمين: عالم “قوة تملك الأشياء” وعالم “قوة تملك المعنى”. لقد وضع الطوفان البشرية أمام “فرقانٍ كاشف” أعاد صياغة حقيقة الوجود الإنساني؛ فبينما كانت الحداثة الغربية تروج لأنَّ الإنسان هو مجرد حصيلة لما يملك من تكنولوجيا وعتاد ورفاه، جاء إنسان المنهاج في غزة ليثبت أنَّ جوهر الإنسان يكمن في “الروح” التي لا تُقهر والمبدأ الذي لا يُساوم.

إنَّ هذا الفرقان المعرفي هو تجسيدٌ حيٌّ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾؛ فالصراع لم يعد على الأرض فحسب، بل صار اختباراً لفرز القوى الحقيقية من القوى الواهمة، حيث تهاوت أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” ليس أمام جيشٍ أقوى منه عتاداً، بل أمام “معنىً” أصلب منه يقيناً. لقد كشف الطوفان أنَّ “القوة” في المنظور المادي هي قوةٌ سائلة، ترتهن بسلامة الآلة وتوافر الإمداد، بينما القوة في منظور المنهاج هي قوةٌ “متصلة بالحق”، تستمد ديمومتها من غاية الوجود ذاتها.

إنَّ العالم الذي استسلم لعقودٍ لسطوة “الأشياء” ذُهل وهو يرى إنساناً محاصراً، يقف نداً لأعتى ترسانة عسكرية، محققاً المعادلة القرآنية التي قلبت موازين الحسابات المادية. وهذا “الفقه” المفقود عند الخصم هو إدراك أنَّ الصراع ليس صراع أرقام، بل هو صراعُ إرادات؛ حيث يتفوق من يملك “تفسيراً للموت” على من يملك فقط “أدواتٍ للحياة”، فتصبح الشهادة عند الأول هي ذروة النجاح، بينما يصبح الحفاظ على الذات عند الآخر هي ذروة القلق، مما يجعل الميدان ينطق بحقيقة أنَّ الغلبة ليست لمن يملك السلاح الأحدث، بل لمن يملك القضية الأعدل.

إنَّ الاسترسال في تحليل هذا الفرقان يقودنا إلى فهم كيف أصبح الصراع كاشفاً لحقيقة الوجود؛ فقد فضحت غزة زيف “الأنسنة الغربية” التي تقدس الإنسان كـ “شيء” وتستبيحه كـ “معنى” إذا خالف إرادتها. لقد رأينا كيف أنَّ “قوة الأشياء” حين عجزت عن كسر “قوة المعنى”، لجأت إلى إبادة “حامل المعنى” (الإنسان)، وهذا بحد ذاته هو إعلان هزيمة معرفية كبرى. إنَّ إنسان المنهاج يستحضر قول الحق سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾؛ فهذا “الرجاء” هو الفارق الجوهري الذي يحول الألم إلى وقود للصمود.

وبناءً على ذلك، فإنَّ الفرقان المعرفي الذي أحدثه الطوفان قد حرر العقل المسلم من عبودية “المشاهد المادي”، وأعاده إلى رحاب “الغيب الفاعل”؛ حيث لا تُحسب النتائج بمقدمات الأرض وحدها، بل بمدد السماء وتأييد الحق. إنَّ غزة اليوم تقول للعالم: إنَّ الإنسان الذي يمتلك “المعنى” هو الذي يكتب التاريخ. وإنَّ “الأشياء” مهما عظمت تظل أدواتٍ ميتة إذا لم تحركها روحٌ تؤمن بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾.هذا الاتصال بالمطلق هو الذي جعل من الفئة القليلة قوةً لا تُحد، مؤكدةً أنَّ فجر “الفرقان” قد بزغ، وأنَّ عالم ما بعد الطوفان لن يكون فيه الحكم لـ “قوة تملك الأشياء”، بل لـ “حقٍ يملك القوة” وروحٍ تملك اليقين بأنَّ العاقبة للمتقين.

2.تفكيك “الوثنية المادية”: انكسار التكنولوجيا أمام سطوة الروح

لقد قامت الحداثة الغربية في جوهرها على إحياء نمطٍ جديد من الوثنية، أطلقنا عليه “الوثنية المادية”؛ حيث نُزع التقديس عن السماء ليُخلع على “الآلة”، وصار “الخلاص” يُرتجى من ثقوب الفولاذ وتفوق الخوارزميات وصمم الترسانات العسكرية. لقد عبدت الحداثة التكنولوجيا وجعلت منها إلهاً معبوداً يقرر مصائر الشعوب، وأوهمت العالم أنَّ “التفوق التقني” هو القدر الذي لا يُرد.

لكنَّ طوفان الأقصى جاء ليمارس عملية “تحطيم أصنام” كبرى؛ فإنسان المنهاج في غزة لم يواجه الطائرة والمدمرة بوسائل تقنية مكافئة، بل واجهها بـ “المحرك الأول” للميدان وهو الروح المؤمنة، ليثبت للعالم أنَّ هذه الترسانات الهائلة هي أجسادٌ بلا أرواح، وأنها تتبخر وتفقد قدسيتها الزائفة حين تصطدم بيقين لا يتزعزع، مصداقاً لقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾. وهذا “الفقه” المفقود هو إدراك أنَّ الآلة لا تقاتل وحدها، وأنَّ الإنسان خلف السلاح هو الحقيقة الوحيدة التي تمنحه القيمة.

إنَّ الاسترسال في تشريح هذا الانكسار يقودنا إلى معاينة كيف سقطت “هيبة التكنولوجيا” في أزقة غزة؛ فالمجسات التي كانت تظن أنها تحصي دبيب النمل تحولت في لحظة الفرقان إلى ركامٍ معرفي. لقد أثبت “إنسان المنهاج” أنَّ الروح المستعلية بالإيمان تمتلك “راداراً” لا تلتقطه الأقمار الصناعية، وهو رادار الإخلاص؛ فبينما يقاتل جندي الترسانة مدفوعاً بـ “وهم التفوق” وخوف الفناء، يندفع المرابط مدفوعاً بـ “شوق اللقاء”. إنَّ هذا التباين النفسي هو الذي جعل الفرد المجرد يواجه فرقةً مدرعة بقلبٍ ثابت، محققاً قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾؛ ففي هذه اللحظة، تتصل الروح بالمطلق، وتتحول الوسيلة المادية البسيطة إلى “سهمٍ إلهي” يمزق حجاب الوثنية المادية.

إنَّ تفكيك هذه الوثنية يعني بالضرورة إخراج الأمة من سجن “الارتهان للمادة”؛ فقد حاول الغرب إقناعنا أننا لا نملك وزناً لأننا لا نملك “المصنع” بذات القدر، فجاء الطوفان ليقول إننا نملك “الإنسان”. لقد انبعثت في غزة قيم “التوكل” لتكتسح قيم “الاستهلاك”؛ حيث رأى العالم كيف أنَّ العقل البشري حين يتحرر من “وثنية الأشياء” يبدع في تطويع المادة البسيطة لتصبح قوةً قاهرة. إنها عودة الروح لتتبوأ مكانها الطبيعي كقائد للميدان، وهي استجابةٌ عملية لقوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. فـ “ما استطعتم” هنا هي بذل المجهود المادي الممكن، لكنَّ القوة الحقيقية المـُرهبة تكمن في الروح التي تحرك هذا الرباط.

وبناءً على هذا، فإنَّ عالم ما بعد الطوفان هو العالم الذي سقطت فيه “ألوهية المادة”؛ فلم يعد المسلم يرى في الترسانة العسكرية قدراً محتوماً يفرض عليه الاستسلام. لقد أعاد الطوفان صياغة مفهوم “السيادة”؛ فالسيادة ليست لمن يملك القمر الصناعي الأحدث، بل لمن يملك “القلب” الأثبت. إنَّ انكسار الوثنية المادية في غزة هو إعلانٌ عن فجرٍ جديد للإنسانية، يتحرر فيه الوعي من عبادة “الخوارزمية” ليعود إلى رحاب “الوحي”، مؤكداً أنَّ الروح هي التي تمنح الحديد مضاءه، وأنَّ الحق مهما بدا ضعيفاً في ميزان المادة، فإنه يظل “ثقيلاً” في ميزان الوجود، قادراً على دحض الباطل وإزهاقه مهما انتفخ وتجبر، كما قال سبحانه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. وهذا الدمغ هو الحقيقة التي شاهدها العالم حين هوت “هيبة التكنولوجيا” تحت وطأة “اليقين المنهاجي”.

3.المدافعة كفعل إيماني لا تقني: فلسفة “المسافة صفر” بين الجندي والمجاهد

إنَّ الجوهر الحقيقي الذي يقلب موازين القوى في مختبر غزة ليس نوع السلاح المستخدم، بل هو “نوع الإنسان” الذي يضغط على الزناد؛ وهنا يبرز الفرقان الجذري بين “الجندي الوظيفي” و**”المجاهد الرسالي”**. إنَّ الحداثة الغربية أنتجت جندياً وظيفياً، تحركه دوافع الرفاه، ويقاتل من أجل حماية “نمط عيش” أو راتبٍ مُجزٍ؛ فهو كائنٌ تقني بامتياز، تنهار روحه بمجرد أن تفقد التكنولوجيا سيطرتها، لأنه يرى في الموت “نهايةً عبثية”. وفي المقابل، انبعث من بين الركام “المجاهد الرسالي” الذي يرى في المدافعة “فعلاً إيمانياً” وقربةً يتقرب بها إلى ربه، فهو يرى في الموت “بوابةً للحياة” الأبدية، مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾.

إنَّ هذه المفارقة تقودنا إلى فهم الكيفية التي تتحطم بها “إستراتيجيات الردع”؛ فالجندي الوظيفي ينسحب حين تتساوى احتمالية الموت مع احتمالية الحياة، لأنه لا يملك “مرجعاً غيبياً” يعوضه عن خسارة جسده، أما المجاهد الرسالي فإنه يتقدم في اللحظة التي يفر فيها غيره، لأنه يوقن أنَّ المعركة ليست بين جسد وجسد، بل بين “إرادة مرتهنة للتراب” و”إرادة متصلة برب السموات والأرض”. إنَّ هذا التباين هو الذي يغير معادلات القوى التقنية؛ فالدبابة التي تُصنّف كأقوى درع مادي، تصبح قفصاً حديدياً أمام إنسانٍ يتحرك بدافع قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.

إنَّ سوسيولوجيا المواجهة في غزة أثبتت أنَّ “الروح الرسالية” قادرة على تعويض الفجوة التقنية الهائلة؛ فالإيمان بأنَّ المدافعة هي “تكليفٌ إلهي” يمنح المجاهد قدرةً على الإبداع الميداني. إنَّ الجندي الوظيفي يحتاج إلى “إمدادٍ مادي” متواصل ورفاهيةٍ في العيش ليحافظ على توازنه، بينما المجاهد الرسالي يقتات على “المدد الروحي” ويستمد قوته من قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. هذا الذكر وهذا الثبات هما اللذان يحولان الخوف إلى سكينة، والاضطراب إلى يقين، مما يجعل ميزان القوى يتحول من ميزان “السلاح” إلى ميزان “القلوب”.

وبناءً على ذلك، فإنَّ الفارق بين الجندي والمجاهد هو الفارق بين “الآلة” و”الإنسان”؛ فالحداثة حولت الجندي إلى آلة صماء، بينما المنهاج حرر المجاهد ليكون “عبداً لله” يختار التضحية بوعيٍ وحب. إنَّ سقوط هيبة الجيوش الوظيفية أمام الثبات الرسالي في غزة هو إعلانٌ عن نهاية عصر “المرتزقة التقنيين” وبداية عصر “الفرسان الربانيين” الذين لا يرهبون الموت لأنهم يدركون حقيقة قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. هذا الرزق الغيبي وهذا الحضور الروحي هو الذي يجعل من غزة قلعةً عصيةً على الكسر؛ لأنها محروسةٌ بقلوبٍ طلقت الدنيا قبل أن تدخل الميدان، مؤكدةً أنَّ المدافعة كفعل إيماني هي التي ترسم وجه العالم الجديد وتصنع ملاحم النصر التي يعجز العقل المادي عن تفسيرها.

3. منطق “القوة بالحق” لا “الحق بالقوة”: قلب القاعدة الإمبريالية

إنَّ المتأمل في بنية الفكر الاستعماري الحديث يجد أنها قامت على مصادرة “الحق” لصالح “القوة”؛ فمن يملك الأساطيل والطائرات هو من يكتب القانون ويحدد المعايير الأخلاقية، في عالمٍ يقدس “الحق بالقوة”. لكنَّ طوفان الأقصى جاء ليقلب هذه القاعدة الإمبريالية رأساً على عقب، مؤسساً لمنطق جديد هو “القوة بالحق”؛ حيث يستمد المستضعف طاقته الهائلة ليس من ترسانةٍ يكدسها، بل من “عدالة قضية” يحملها بين جوانحه. إنَّ هذا التحول الجوهري جعل من غزة ساحةً لـ “إعجاز ميداني”، حيث يتحول الضعف المادي إلى “بأسٍ شديد” يفتت جبروت المعتدي، مصداقاً لقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. فهذا “القذف بالحق” هو الذي يحول الوسيلة البسيطة إلى قوةٍ قاهرة تدمغ باطل التكنولوجيا المسلحة.

إنَّ الاسترسال في تحليل هذا “المنطق المنهاجي” يقودنا إلى إدراك أنَّ الحق يمنح صاحبه “وضوحاً رؤيوياً” يفتقده الجلاد؛ فالمستضعف في غزة لا يحتاج لبروباغندا تقنعه بعدالة معركته، لأنَّ أنقاض بيته ودموع أطفاله هي “البرهان الحاضر” الذي يمنحه طاقة الصمود اللامتناهية. إنَّ هذا الالتصاق بالحق يحول “الضعف المادي” إلى سلاحٍ إستراتيجي، حيث يبتكر المقاوم من صميم معاناته وسائل تتجاوز خيال المهندسين العسكريين، إيماناً منه بأنَّ الأرض تقاتل معه، وأنَّ السنن الإلهية لا تخون من اعتصم بها، محققاً قوله عز وجل: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. فالله سبحانه هو “الحق”، ومن استمد قوته من الحق فلا غالب له.

إنَّ قلب القاعدة الإمبريالية يعني بالضرورة سقوط “المركزية الغربية” التي ربطت الوجود بـ “القدرة على القهر”؛ فقد أثبت إنسان المنهاج أنَّ “القدرة على الثبات” هي الأبقى. إنَّ الجندي الإمبريالي الذي جاء بـ “الحق بالقوة” يجد نفسه منكسراً أمام “القوة بالحق”، لأنه يكتشف أنَّ القذائف يمكنها هدم الجدران لكنها لا تملك سلطاناً على “اليقين”. وهنا تبرز عظمة النموذج الغزي في قدرته على استدعاء القوى الغيبية لتساند الفعل المادي المحدود؛ فحين تضيق السبل المادية، يتسع فضاء “المدد الإلهي” كما قال سبحانه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. هذا التثبيت هو التفسير الوحيد لعدم انهيار الحاضنة الشعبية رغم الإبادة، ولعدم انكسار المقاتل رغم الحصار.

وبناءً على ذلك، فإنَّ الدرس الأكبر للمستضعفين في الأرض هو أنَّ موازين القوى ليست “قدراً مغلقاً” يُكتب في عواصم الاستكبار، بل هي “علاقة ديناميكية” يصيغها المؤمن بعدالة حقه. إنَّ “القوة بالحق” هي التي تعيد تعريف “السيادة” و”الانتصار”؛ فالمنتصر ليس من يقتل أكثر، بل من يبقى ثابتاً على مبدئه حين تزل الأقدام. لقد أخرج الطوفان الحق الفلسطيني من “أروقة الدبلوماسية المستجدية” إلى “ميادين القوة الواثقة”، ليثبت أنَّ الحق الذي تسنده الإرادة هو قوةٌ لا تُقهر، محققاً الوعد الصادق: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. فالزهوق هو قدر الباطل الحتمي مهما انتفخ بـ “قوة المادة”، والحياة هي قدر الحق مهما بدا وحيداً في مواجهة العالم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.