الحلقة 20 والأخيرة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛دراسة أصولية تطبيقية.
ذ. محمد الغالي
الحلقة 20 والأخيرة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛
دراسة أصولية تطبيقية.
ذ. محمد الغالي
نتائج وتوصيات:
بعد هذه الجولة في موضوع فقه تنزيل الأحكام من خلال السيرة النبوية وتطبيقات الصحابة؛ أختم هذه الدراسة باستخلاص جملة من النتائج، لعلها تدفع البحث في هذا الموضوع نحو آفاق جديدة ومجددة. وأخط أهم هذه الخلاصات على شكل نقاط كما يلي:
1- اختلفت اصطلاحات الباحثين والعلماء المعاصرين في تحديد مفهوم “فقه التنزيل”؛ حيث يربطه بعضهم بمفاهيم أخرى هي في الأصل فرع من فروع فقه تنزيل الأحكام، من قبيل: فقه الواقع، وفقه النوازل، وفقه الموازنات والأولويات، وتحقيق المناط. كما ربطه البعض الآخر بعملية بذل الوسع المحكومة بفقه التنزيل، المعبر عنها عندهم بالاجتهاد التنزيلي أو الاجتهاد التطبيقي أو الاجتهاد المقاصدي. مما فرض التحقيق في هذه المعاني كلها خدمة لبيان حقيقة مفهوم فقه تنزيل الأحكام.
2- فقه التنزيل علم ضروري يساعد المجتهد على الفهم العميق للواقعة والنظر الدقيق للحكم الشرعي، وهو منهج يساعد على حسن تطبيق الكليات الشرعية وتحقيق مقاصدها وفقه مآلاتها.
3- فقه التنزيل منهج أصولي ومسلك اجتهادي يوائم بين طبيعة النص الشرعي العام المجرد، وبين الحوادث المعيّنة والمشخصة، وهذا كفيل لبقاء الشريعة وديمومتها، واستيعابها لكافة النوازل والحوادث.
4- تتأسس مشروعية فقه تنزيل الأحكام على الكتاب والسنة وتطبيقات الصحابة، كما أن شرعية هذا الفقه ترجع إلى توقف الاجتهاد التنزيلي عليه، مع تسجيل إجماع العلماء قديما وحديثا على ضرورة الاجتهاد استنباطا وتنزيلا، وهذا ما يدل على أصالة فقهي النص والتنزيل.
5- تبين أن فقه التنزيل يعتمد على أسس ثلاثة تعتبر شروطا منهجية لهذا العلم وهي، فقه المحل أو تحقيق المناط، وفقه المقاصد أو تحقيق المقاصد الشرعية، وثالثها فقه المآل أو النظر في المآلات. ويرجع ذلك إلى العناصر الثلاثة المكونة لعملية تنزيل الأحكام وهي: النص والمكلف والواقع.
6- إذا كان تنزيل الأحكام الشرعية نوع من أنواع الاجتهاد؛ فإن ذلك يحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي بأنواعه ومميزاته، وبينية الحكم وطبيعته، سواء كان مصدره النصوص أو الاجماعات، أو كان من طريق الاستدلال وفهم الواقع الذي يراد تنزل الحكم عليه.
7- وإذا كان فقه التنزيل يسعى إلى تطبيق الحكم الشرعي مع تحقيق مقاصده ومصالحه، فإن ذلك يتطلب النظر إلى المآلات؛ بمعنى النظر المستقبلي في مدى تحقق المصلحة أو المفسدة عند تطبيق الحكم الحالي، وهو تنزيل الحكم ابتداء بملاحظته انتهاء.
8- بعد التحقيق في قواعد اعتبار المآل وأثرها في فقه التنزيل، تبين ما يلي:
– أن دور الذرائع هو دور داعم ومساند للتنزيل الأولي للحكم، لأنه ينظر إلى نتيجة الحكم وثمرة تطبيقه، بما يحقق من نتائج متناغمة مع مقصد الشارع من الحكم. فهو خطة تشريعية مستقبلية، وفقه التنزيل يسعى لوضع خطط يحافظ من خلالها على حسن تنزيل الشريعة على واقع الناس، ولتحقق مصالح الخلق.
– أن فقه التنزيل يتحرك وفق الأثر المطابق للتشريع عند التنزيل، سواء كان ظهور الأثر عن طريق القياس أو الاستحسان؛ لأن سبب نشوء فكرة أصل الاستحسان هو تنزيل الأحكام الشرعية.
– تعتبر الحيل وسيلة للهروب من التكليفات في أغلب الأحيان، وقد تكون غير ذلك، ولهذا وجب حكمها بقانون المصالح والمفاسد؛ لكونها تتغير بتغير الظروف والأحوال، وكل حيلة قصد بها عكس مقاصد الشريعة لا يصح تنزيلها.
– تعتبر قاعدة مراعاة الخلاف طريقا للقضاء على التعصب المذهبي؛ الذي يشكل خطرا كبيرا في تنزيل الأحكام، ولذلك وجب الانتباه لخطورة ذلك عند تطبيق الحكم على واقع المكلفين.
9- من كمال الشريعة الإسلامية؛ اهتمامها بالمقاصد والوسائل معا، ذلك أن الحديث عن فقه الوسائل لا يقل أهمية عن الكلام والبحث في فقه المقاصد، وهو ما فرض التحقيق في وسائل فقه تنزيل الأحكام والتدقيق في مقاصده، لأن ممّا يُصحح التنزيل اعتبار المقاصد الشرعية. وحيث إن الأحكام منوطة بمقاصدها، وغاية المقاصد الشرعية تحصيل المصالح ودرء المفاسد؛ فإنه يتعين على المجتهد في التنزيل النظر العميق إلى تلكم المقاصد، وتقدير المصالح والمفاسد المتعلقة بالواقعة للموازنة وترجيح بينها.
10- إن فقه التنزيل يقتضي المرحلية والتدرج في التطبيق، كما يقتضي الموازنة بين الأولويات والموازنات، حتى يكون الفهم الدقيق في إدراك نسبة المصالح والمفاسد الشرعية حفاظا على سلامة تنزيل الأحكام، وفق مستلزمات فقه التنزيل التي تفرض على المجتهد، بعد استقراء الحكم الشرعي، التأجيل أو الاستثناء أو التعديل أو ترجيح التنزيل المباشر.
ولأن الأحكام تتغير تبعا لمقاصدها؛ فإن المجتهد في التنزيل وتقرير الحكم متوقف على فهم الواقع ومعرفة أحوال المكلفين، مع اعتبار المآلات المنتظرة من الأحكام.
11- يحتاج فقه تنزيل الأحكام إلى قواعد وضوابط وأصول لضمان سلامة التنزيل في المستقبل، لكي يصير فقها منضبطا بقواعد الشرع وأصوله، ويكفل فهما سليما للنصوص، واجتهادا تنزيليا مقاصديا صحيحا يراعي الثوابت والمتغيرات، وفق حدود معينة تضمن حسن التطبيق على واقع متغير.
12- تبين أن فقه التنزيل هو وسيلة الاجتهاد التنزيلي وشرطه الذي يدور معه وجودا وعدما، وهذا يعني أن حكم الاجتهاد التنزيلي هو بالتبع حكم فقه التنزيل؛ لأن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد. كما تكشف لنا ضرورة فقه تنزيل الأحكام وأهميته وارتباطه بمصير الأمة ووجودها حاضرا ومستقبلا؛ بالنظر إلى تنوع الأحوال وتغيرها، وتبدل الأزمان والظروف وتطورها.
13- لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الناطق الرسمي باسم الشريعة، والمبين لأحكامها، وهو المنفذ الأول لأوامرها ونواهيها. فهو المعلم والمربي والمفتي والإمام والقاضي؛ وهذه كلها مناصب أصلية وفرعية للاجتهاد التنزيلي. كما يعتبر النبي عليه الصلاة والسلام المجتهد الأول الذي علم المسلمين التشاور وفقه الواقع ومراعاة مآل التصرفات والأقوال وظروف الناس وأحوالهم عند تنزيل الأحكام.
14- تعتبر تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم المصدر الأول لفقه التنزيل؛ فهو الذي رتب للأمة الأدلة الشرعية: القرآن والسنة والاجتهاد، ومهد لها سبيل القياس على الأصول وتعليل الأحكام. وهو عليه الصلاة والسلام الذي خط أركان السياسة الشرعية وشيد الدولة المدنية وأسس النظام الاجتماعي الإسلامي وفق دستور ينظم العلاقات السلمية والتعايش مع الآخر، ويحفظ جوانب الحماية والتأمين العسكري والانتشار الدعوي للدولة الإسلامية، فكانت سيرته الشريفة هي التطبيق العملي لفقه تنزيل الأحكام.
15- إن البعد التنزيلي في أحوال التشريع مبين وبارز في القرآن الكريم والسنة النبوية، وإنه من يستعرض أحداث السيرة النبوية يجد الرسول صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس حسب أفهامهم، ويعاملهم حسب قدراتهم وكفاءاتهم، كما أنه يُراعي طبع الإنسان وأحوال العباد والبلاد في المنشط والمكره، كل ذلك وغيره من أجل رفع الحرج والضيق عن المكلفين والتوسعة عليهم في دينهم وحياتهم.
16- يعتبر البعد التنزيلي مسلكا أصيلا في السيرة النبوية، والمتتبع للأحكام الشرعية التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصدرها؛ يلاحظ مراعاته للحالات المعروضة عليه ووضعها في سياق يحقق المقاصد من تلك الأحكام. فهو عليه الصلاة والسلام كان واعيا بطبيعة الاختلاف الموجود بين الأشخاص، ويميز بين أحوال الأصحاب ويختار ما يصلح لكل واحد وما يناسبه، ويقدر حالات الاستطاعة عند الصحابة، ويأخذهم باليسر والتدرج في تنفيذ أحكام الشريعة. كما لا يفوته صلى الله عليه وسلم التنبيه والانتباه لظروف المرحلة التي يعيشها المسلمون؛ ويقدر المصلحة بما يناسب واقع المكلفين، ويغير الحكم تبعا لتغير المصلحة أو تغير ظروف مناط الحكم.
17- ورث الصحابة رضي الله عنهم منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في فقه تنزيل الأحكام؛ فكان لفقه الواقع لديهم الأثر الكبير على اجتهاداتهم وفتاويهم، فهما وتنزيلا، بما يحقق مقاصد الشارع والمصلحة العامة. وقد مثل الخلفاء الراشدون النموذج الأمثل للاقتداء بالمنهاج النبوي في تطبيق أحكام التشريع، نظرا لمعرفتهم بالوحي ومقاصده، وخبرتهم الكبيرة بأحوال التنزيل وبيئته ومسالكه، مما مكنهم من رعاية المصالح العامة وفهم مقاصد الشريعة، وحسن تنزيل الأحكام على وقائع المكلفين.
18- تكشف لنا كيفية تعامل الصحابة الكرام مع النصوص التشريعية من حيث الالتزام بظاهرها من جهة، ومن جهة أخرى؛ الغوص في معانيها وسبر أغوارها والعدول بها من ظاهرها إلى روحها وجوهرها، مما مكنهم بذلك الحفاظ على القرآن الكريم والسنة النبوية من الابتذال والتحريف والتغيير.
19- تبين لنا منهج الصحابة في التعليل والقياس وعنايتهم بمقاصد الشريعة، مما أنتج عندهم اجتهادا تطبيقيا مقاصديا، حافظوا به في زمانهم على الأمة موحدة ومتماسكة.
20- يعتبر البعد التنزيلي منهجا أصيلا في فقه الصحابة والخلفاء الراشدين، والمتتبع لاجتهاداتهم الكثيرة يكتشف مراعاتهم للواقع وتغيراته وفقه المآل وقواعده وآثار ذلك في فقه تنزيل الأحكام عندهم.
وأختم هذه الدراسة بالتوصيات التالية:
أ- تشكيل فرق علمية متنوعة الاختصاص على مستوى كل قطر، تهتم بالنظر الاجتهادي في قضايا العصر برؤية تكاملية تجمع بين فقه النص وفقه الواقع وفقه تنزيل الأحكام.
ب– تأسيس مراكز علمية متخصصة في القضايا المعاصرة، تعمل برؤية مقاصدية تجديدية، تابعة لمراكز البحوث في الدراسات الإسلامية بالجامعات المغريبة.
ت– أن يكون فقه التنزيل وفقه النوازل، تأصيلا وتطبيقا، من المواد الأساسية التي تقدم لطلبة الدراسات العليا، حتى يزاوج الطلبة والباحثين بين النظرية والتطبيق لعلم أصول الفقه.
وبهذا يكون تمام الكلام في هذه الدراسة عن فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ والذي أعتقد أنه لا يزال بحاجة إلى أبحاث أخرى مستقلة ومفصلة في الموضوع.
والحمد لله رب العالمين.