اليهود في ذكرى المولد النبوي
1ـ بنو قينقاع ـ
الدكتور مصطفى العلام
نعيش في هذه الأيام من شهر الربيع النبوي ذكرى مولد سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهي مناسبة عظيمة ينبغي لنا أن نخلدها فرحا بالنعمة المهداة، وبالرجوع إلى سيرته وشمائله صلى الله عليه وسلم صاحب الشفاعة العظمى والرحمة للعالمين أجمعين. ومن الموافقات الإلهية أن هذه الذكرى حلت بنا يوم الاثنين، اليوم الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم. وحلت بنا أيضا في آخر سنة من القرن الرابع عشر من ميلاده عليه الصلاة والسلام، وحلول القرن الخامس عشر في السنة المقبلة بحول الله. لكن هذه الذكرى تحل بالمسلمين أيضا وغزة السليبة تشهد إبادة جماعية على مرآى ومسمع العالمين، في أكبر علو لليهود والصهاينة الغاصبين.
إنها مناسبة نرجع فيها إلى السيرة النبوية لنتذكر جميعا مؤامرات اليهود منذ العهد النبوي إلى الآن، وهي مؤامرات تجسد بكل وضوح عداء اليهود للمؤمنين في كل زمان ومكان، حيث شهدت آيات القرآن الكريم بهذا العداء في قوله تعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾سورة المائدة، الآية82
لكننا سنركز على يهود بني قينقاع ويهود بني النضير، لنرى أنها حلقات متصاعدة من القتل والمؤامرات على الإسلام وأهله، استمرت منذ العهد النبوي واتسع نطاقها لتصل اليوم إلى الإبادة الجماعية التي تعيشها غزة العزة في انتظار يوم وعد الآخرة الذي نسأل الله أن يكون قريبا ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾سورة هود الآية 81.
1ـ يهود بني قينقاع:
يعد يهود بني قينقاع أول المتآمرين على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى المسلمين في المدينة المنورة، حيث يحكي لنا ابن هشام حادثة المرأة المسلمة التي كشف أحدهم سوأتها، وقتلهم الرجل الذي دافع عنها، يقول” كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يراودونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد يهودي إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا عليها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الفاعل فقتله، فشدَّت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستنصر أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون. فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع” [1]
تم إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما وقع للمرأة المسلمة والرجل المسلم الذي دافع عنها فقال صلى الله عليه وسلم: “ما على هذا أقررناهم”، فتبرأ عبادة بن الصامت من الحلف مع يهود بني قينقاع ، وقال: “يا رسول الله، أتولى الله ورسوله، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار”. وتمسك ابن أُبي بالحلف معهم، فجمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في السوق، وقال لهم: “يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم”. فردوا عليه قائلين: “يا محمد، إنك ترى أنّا قومك ؟! ولا يغرَّنَّك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة. إنا والله، لو حاربناك، لتعلمنَّ أنَّا نحن الناس”[2] .
فنزل قول الله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم:﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ سورة آل عمران، الآية: 12- 13..
بعد ذلك تحصن بنو قينقاع في حصونهم، وحسبوا أنها مانعتهم من الله، فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى اللواء لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه،” وحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة، ابتداءً من النصف من شوال السنة الثانية للهجرة، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وكانوا أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلي سبيلهم، ويجليهم عن المدينة، وأن لهم نساءهم والذرية، ولـه الأموال والسلاح. فقبل صلى الله عليه وسلم منهم، وفعل بهم ذلك، فأخذ أموالهم وأسلحتهم، وفرقها بين المسلمين بعد أن أخرج منها الخمس، وأجلاهم عن المدينة إلى أذرعات(بلد بالشام.)”. [3]
تؤكد لنا هذه الحادثة أن القتل هو من طبيعة اليهود، وأن الدفاع عن المسلم والمسلمة هو من شيم المسلمين الذين غضبوا غضبا شديدا وهبوا لنصرة المسلم المقتول والأخذ بالثأر من اليهود القتلة.
فإذا كان الدفاع عن امرأة مسلمة واحدة انكشفت سوأتها دفعت المسلم فاستجاب لصياحها ودافع عنها، مما عرضه للقتل وهو وحيد، ومن بعده غضب المسلمون وهبوا للدفاع عن المسلم المقتول، فماذا على المسلمين ـ وهم أمة المليار ويزيد ـ فعله وهم يسمعون صراخ نساء وأطفال غزة وفلسطين؟ وكيف نهب للدفاع عن أهلنا في غزة وفلسطين في وجه الصهاينة الغاصبين؟ وكيف يغضب المسلمون غضبا شديدا وهم يشاهدون إبادة جماعية للمسلمين وليس لمسلم واحد فقط؟ وكيف نتجند جميعا لمحاربة اليهود القتلة المجرمين في فلسطين؟.
لكننا نبرأ إليك يارسول الله في ذكرى مولدك من المسلمين المطبعين الذين وضعوا أيديهم في أيدي القتلة الغاصبين وتلطخت أيديهم بدماء الشهداء من المسلمين في فلسطين. ونشكو إليك يارسول الله في ذكرى مولدك عجز المسلمين عن نصرة غزة وأهلنا في فلسطين، وهوانهم وتفرق كلمتهم في العالمين وهم يعيشون تحت أنظمة حكام مستبدين . اللهم عجل بالفرج عن إخواننا في غزة العزة، وعجل يارب بوعد الآخرة ليريحنا ويريح العالم من الصهاينة القتلة المجرمين.
ورغم حال المسلمين، وفساد بني إسرائيل وسيطرتهم على أرض فلسطين، وحصارهم لغزة الأبية كل هذه السنوات، وتأسيسهم حصونا حولها ، وانتظارهم استسلام المقاومة وشعب غزة، جاء طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023م ليذكر الصهاينة، أن جيش محمد عليه الصلاة والسلام قد بعث من جديد، وأنه قادر على محاصرتهم وإجلائهم من أرض فلسطين، وقادر على تحرير المسجد الأقصى من دنس اليهود المارقين، في الزمان الذي يشاء رب العالمين.
الهوامش
[1] السيرة النبوية لابن هشام، ، عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري ، مؤسسة المعارف، بيروت، الطبعة الأولى 1425هـ – 2004م، ص: 403.
[2] المصدر نفسه، ص: 402
[3] المصدر نفسه، ص: 276.