الكيان الإسرائيلي و “الحربُ من وراء جُدُرِ الخوف”
ذة. بشرى بوطيب
الكيان الإسرائيلي و “الحربُ من وراء جُدُرِ الخوف”
بقلم: ذة. بشرى بوطيب
حرب على التحرك السلمي:
في مايو 2026 للميلاد انطلق أسطول الصمود يمخر عباب البحر المراقَبِ من طرف المشروع الصهيوني. يحمل على متنه أحرار القضية الفلسطينية من كل أنحاء العالم الغربي والعربي والإسلامي. نساء ورجال من أطباء وطبيبات ونشطاء وصحفيين وفاعلين، يهتفون بتحرير فلسطين والشعب الغزاوي المحاصر المجَوَّع المضطهد، المنددين بضرورة فتح الدعم الإنساني العاجل لمنكوبي طوفان الأقصى.
ليس بغريب أن يتجند قراصنة الاحتلال الإسرائيلي لمحاربة الأسطول السلمي الإنساني، ليكرروا نفس مشاهد ما يقع في معتقلات الأسرى والأسيرات، واستهداف أهل غزة ومقاومتها وسط الدمار. فقد تم اختطاف المناضلين والمناضلات من جنسيات مختلفة والتنكيل بهم وتجويعهم وضربهم.
نتساءل في ظرفية ما بعد حرب الإبادة، ما الذي أرعب الصهاينة وخاصة التيار “الغفيري القومي الديني” المتطرف مع دخول الأسطول مياه البحر قاصدا غزة الأبية؟ وما الذي يرمي إليه الاحتلال من وراء اعتراض الأحرار في كل مرة، وما الذي يريده من وضعهم تحت التعذيب والاعتداء العلني، تنقله كاميرات الإعلام العالمي؟
الخوف من طوفان قادم
إن مشهد العنجهية الصهيونية التي نراها بعد طوفان الأقصى المجيد متمثلا في العدوان على لبنان وإيران وغزة وغيرها، ليس من قبيل القوة التي تصورها عدسات الإعلام الاستكباري، وإنما هو قتال المنهزم الخائف من المجهول بعد أن عيل صبره بتطهير غزة من البشر والحجر. في محاولة حثيثة من الكيان لاستئصال “المقاومة” تتفتق ” الفكرة المضطهدة” من بين فرث ودم منذ قرن، تنجلي رمزيتها في العالم. تشجب عنصرية الصهيونية في إبادة الإنسان واحتلال الأرض والخيرات بالآلة تارة، وبالتطبيع تارة أخرى في المنطقة العربية.
لقد حشر المشروع الصهيوني عالميا في زاوية الإجرام والوحشية بعد عملية طوفان الأقصى. يسجل التاريخ الهجري والميلادي ذلك وقد سالت على دفاتره دماء الشهداء الأبرار ولا تزال. إن طابع الخوف ليس وليد اليوم فقد كان أسلافهم من يهود بني قريظة وبني النظير وبني قينقاع في موقف مماثل أمام قوة النبوة ويقين المجاهدين المسلمين آنذاك.
في سورة الحشر يحكي القرآن تحزب الأحزاب من أهل النفاق واليهود والكفر على النبوة ودعوة الحق. ويشهد القرآن على الخوف الذي اعتراهم عند مواجهة المسلمين المرابطين مع نبيهم ” لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون”[1]. المتربص بالحق يعلم منابع قوة حامليه ويتوجس خيفة خلف جبنه وهلعه. في حصون الخوف هو محاصر ” فيقاتلون للدفع عنهم ضرورة”[2]، يخافون من يقين وبأس المؤمنين الصامد أمام تحزب الكفر والنفاق.
أهل الحق في كل زمان ومكان هم حملة الحرية في حبهم لله وللقضية وللرسالة.
لقد أرى الله ورسوله اليهودَ كيف يزهق الباطل في ساعة زمن، فكان المثال جلاء بني قينقاع على يد رسوله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم.
يخبرنا القرآن أن اليهود قاتلوا النبوة ورسالة الإيمان من وراء جدر أي من خلف أجدر النخل[3]. ” لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر”[4]. هو قتال أحزاب وتحالفات من وراء جدار الخوف من أحرار الرسالة المحمدية رغم قلتهم. فلا نستغرب حين نرى الكيان الغاشم يستعرض وحشيته وجنوده المدججين يجابهون مناضلين أحرارا من قيود المشروع الصهيوني المتغطرس.
بعد تلقيهم صدمة الصمود الغزاوي للحاضنة ورجال المقاومة، هم الآن في مواجهة حقيقية عالمية من أحرار العالم الغربي والعربي في المغرب والمشرق. حرب خوف إسرائيلي من فقد حتمي لوجوده الوهمي، في مجابهة يقظة الرجال والأحرار والشعوب بماهية المشروع الصهيوني المفسد للإنسان والأرض والفطرة البشرية. همجيته بآلته الصهيونية العتيدة وعدوانه على المسالمين نساء ورجالا نابعة من توجس حذر من قوة صاعدة ومتصاعدة، إذا ما اتحدت واجتمعت ضد إفساده التاريخي.
في رحلة سلمية إنسانية أذاق فيها إجرام الكيان أحرار الأسطول الصامد الحر بعض ما كابده ويعالج وجعه قطاع غزة، وإنسان غزة، خلال وبعد حرب الإبادة. تكشفت فيه وحشية إفسادهم للآدمي واستكبارهم في البر والبحر.
إن ما يهدد المشروع الصهيوني في هذه الآونة هو وعي العقل البشري سواء في أمة الإسلام أو في العالم الغربي بحقيقته السرطانية المتغلغلة في أصقاع المعمور، بعدما أفزعه قطاع صغير بأنفاقه العظام وتبخرت هَيبَةُ ” المارد السامي” في مخيلة الشعوب بعيد الطوفان.
[1] الحشر، 13
[2] تفسير ابن كثير ص547
[3] جُدُر: مفرد جدرة بفتح الجيم وهي رؤوس النخيل في أول الربيع. وبضم الجيم وإسكان الدال جمع جدار. أنظر تفسير الماوردي (النكت والعيون)
[4] الحشر 14