منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأمة الإسلامية: أزمة دِينٍ أم أزمة تَدَيُّنٍ 

د. فؤاد هراجة

0

الأمة الإسلامية: أزمة دِينٍ أم أزمة تَدَيُّنٍ 
بقلم: د. فؤاد هراجة

قد يعترض علينا معترض منذ الوهلة الأولى لقراءة العنوان بقوله أننا لسنا في حاجة أصلا لوضع هذا السؤال ولا إثارته، لأن سؤال الدين أصبح متجاوزا في الدول الغربية والشرقية المتقدمة، وأن هذه الأخيرة لم تبلغ هذا المبلغ من الرقي الحضاري والتقدم العلومي والاقتصادي والصناعي إلا بعدما قررت القطيعة مع اعتبار الدين مقوما مركزيا في الحياة. وما يزيد هذا الطرح وجاهة وصلابة، الواقع المزري والوضع المتخلف اقتصاديا وسياسيا واجتماعية الذي تعيشه معظم الدول الإسلامية والمجتمعات المتدينة في الجغرافية الإسلامية. بناء على ذلك، تتناسل أمامنا جملة من الأسئلة من قبيل:

 *هل ثمة تطابق في تشخيص أسباب التخلف التاريخي بين لحظة انعتاق الدول المتقدمة من مركزية الدين، ولحظة هُوِيِّ الأمة الإسلامية وتقهقرها وتنازلها عن إمامتها الحضارية؟

*ألم يكن مصدر انبعاث الأمة الإسلامية وظهورها وبروزها بعدما لم تكن شيئا مذكورا أمام حضارتي الفرس والروم ، هو الدين خلال المنتصف الثاني من القرن السابع الميلادي؟

*ألم تثمر التجربة الإسلامية حضارة إنسانية عمت معظم بقاع العالم المعلوم وقتئذ؟

*ألم تستوعبت الحضارة الإسلامية التي قامت على دينامية الدين شعوب الحضارات التي سبقتها ونجحت في إدماجها وصهرها في الحضارة الجديدة مستفيد من كل إيجابياتها دون أن يكون الدين عائقا ولا مانعا؟

*ألم تقدم الحضارة الإسلامية التي كان الدين مقوما مركزيا في ديناميتها وفاعليتها التاريخية مئات العلماء في العلوم البحتة، الذين قدموا ابتكارات و إبداعات لم يسبقهم إليها أحد في الحضارات القديمة؟

*ألم تكن الأندلس بشهادة كل المؤرخين الموضوعين هي القنطرة التي عبرت منها أوروبا لتشم نسمات الحضارة فتتوق إليها، وتنقل من خلالها العلوم البحتة والتطبيقية التي أهلت أوروبا لتجاوز عصور الظلام وتدشين لحظة الحداثة؟

لماذا إذن تدعوا بعض النخب العربية المُغَرَّبةِ المجتمعات الإسلامية إلى ضرورة محو تاريخها والتنكر له وإحداث قطيعة مع مركزية الدين كشرط حتمي لنهضتها والتحاقها بركب الدول المتقدمة علوميا واقتصاديا وصناعيا( أحصر التقدم في هذه المجالات الثلاث لأن حرب غزة عرَّت وفضحت تخلف هذه الدول سياسيا وقانونيا وأخلاقيا وإنسانيا)؟

على ذلك، انطلقنا من سؤال مركزي وواضح:

هل تعيش الأمة أزمة دين أم أزمة تدين؟

تفاعلات مع الأسئلة الإشكالية أعلاه، نقر عبر قراءتها الموضوعية لتاريخ أوروبا من القرون الوسطى حتى لحظة الحداثة مرورا بعصر النهضة، أن طليعة الفلاسفة والمفكرين والعلماء كانوا محقين في دعوتهم إلى القطيعة مع التاريخ المظلم الذي أنتجه زواج الحكم الإقطاعي الذي مثلته الملكيات الحاكمة مع السلطة الدينية التي مثلتها الكنيسة؛ حيث كانت الكنيسة بنظامها سكولائي (scolastique) الذي لا يرى أي علم أو حقيقة خارج الكتاب المقدس بعهده القديم والجديد، يحارب كل جديد وكل إبداع في كل مجالات الحياة. فلما تخلص الناس من الإقطاع الفلاحي سياسيا ومن الإقطاع الكنسي فكريا وثقافيا، شهدت أوروبا ميلاد الحداثة ومعها ميلاد حضارة جديدة ستكتسح العالم بداية بإمبرياليتها العسكرية ثم بعولمتها الاقتصادية، مروورا بتمزيق جغرافية الحضارة الإسلامية وتنصيب وكلاء لها حكاما على دويلات صنعتها على مقاسات تتحكم فيها وتَحُول دون أي محاولة لانبعاث أو نهضة جديدة.
نتفق إذن، على أن القطيعة مع مركزية الدين في الحالة الأوروبية كانت إيجابية وضرورية، لأن التدين المسيحي والنظام التعليمي السكولائي كانا سببين مباشرين في إبقاء أوروبا تغرق بقرون في الظلام. أؤكد هنا وأسطر بالبنط العريض على كلمة التدين، لأن الدين في صورته المثلى كما جاء به النبي عيسى عليه أزكى الصلاة وأطيب السلام لا علاقة له بالسلطوية والإقطاع الكنَسِيَيْن).

على ذلك، وبناء على القاعدة التي تقول “لا قياس مع وجود فارق”، ليس من الموضوعية أن نقيس حالة التخلف العلومي والاقتصادي والصناعي والسياسي الذي تعيشه الدول والمجتمعات الإسلامية اليوم على الحالة التي كانت عليها أوروبا إبان القرون الوسطى أي عصور ظلامها. لأنه خلال الفترة ذاتها كانت الحواضر في الدولة الإسلامية التي كانت تمتد من الأندلس والمغرب غربا إلى الصين شرقا، ومن ما وراء جنوب الصحراء والسودان جنوبا إلى بلغاريا وهنغاريا والبوسنة والهرسك شمالا، تنعم وترفل في حضارة زاهية حيث التجارة المفتوحة التي لا تعرقلها حدود، وحيث استقلال التعليم والقضاء، وحيث كبريات الجامعات في بغداد ودمشق والإسكندرية وفاس وقرطبة وغرناطة وسمرقند…، وحيث الانفتاح على العلوم اليونانية والسريالية والفارسية والهندية والصينية، دونما أن يشكل الدين عائقا أو مانعا تجاه ذلك، بل كان محفزا ودافعا من خلال تبني الحديث الشريف الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أَوْلَى بها” ومقولة “أطلبوا العلم ولو في الصين”، ثم من خلال تسخير نظامي الوقف والزكاة في تمويل المشاريع العلمية والإنفاق على العلماء وطلبة العلم. وكل هذا لا يعني أننا نروم القول إن هذه الفترة لم تَشُبْها نواقص أو أخطاء بشرية، وإنما غرضنا أن نؤكد على أن المناخ السائد زَمَنَئِذٍ، هو تشجيع كل مظاهر التمدن والتحضر والنهضة العلومية من داخل الدينامية والفاعلية التاريخية للدين.

بالتالي فنحن أمام وضعين متباينين من حيث البيئة المؤسسة وأسباب التخلف، فالأمة الإسلامية في تجربتها مَدِينَةٌ في وجودها وتأسيسها وحملها شارة إمامة العالم خلال قرون ممتدة، لدين الإسلام الذي أوجدها من عدم وأخرجها من الظلمات إلى النور، وتمكنت بفضله أن تتوحد إنسانيا، وتتوسع جغرافيا، وتتقوى سياسيا وعسكريا، ثم تتقدم وتتطور علموميا. في المقابل هناك تجربة الحداثة الغربية الأوروبية التي تأسست بفضل تخلصها من الدين وقطعها مع الكنيسة كنظام ومؤسسة سلطوية تعيق أي سلوك نحو التقدم وتحارب كل منتوج فكري خارج جُبَّتِها.

إن تاريخ الإبستمولوجيا يقر دون أدنى شك، بأن الحداثة قد إستفادت في نقلتها من عصور الظلام إلى عصور الأنوار من العلوم البحتة والتطبيقية الإسلامية، تماما كما إستفادت الحضارة الإسلامية من الحضارات القديمة التي استأنفت عليها، بل وبنفس المنطق؛ ذلك أن الحضارة الإسلامية أخذت العلوم دون المعتقدات التي تتعارض مع الإسلام، وعلى نفس النحو فعلت الحداثة، أخذت العلوم عن المسلمين دون صيغتها الدينية العقدية، ولها الحق في ذلك، كما تحتفظ الأمة الإسلامية بنفس الحق في الاستفادة من إيجابيات الحداثة الغربية دونما ابتلاع روحها المتمثلة في لائكيتها وعقلانيتها المتطرفة التي تلغي ولا تقبل بوجود أي حقيقة خارج دائرة العقل تماما وبنفس السلوك الذي مورس عليها من قِبَلِ الكنيسة. ما يدفعنا إلى القول، إن في التجربة الحضارية الناجحة التي سكنت وجدان وواقع الأمة الإسلامية قرونا من الزمن مندوحة عن تجربة الحداثة التي تسعى نُخُباتُنا المغربة إلى إسقاطها على أمة لها تاريخ حضاري وسابقة حضارية مشهودين. لسنا إذن ضد الاستفادة من الغير، وإنما نحن مع هذه الاستفادة بما يضمن لنا هويتنا الدينية والتاريخية، وبما يسمح لنا من جهة، بإعادة استثمار مقومات ودوافع النهضة والانبعاث من داخل المخزون الديني الذي يُسَهِّلُ علينا عملية التعبئة والاستنهاض، ويسمح لنا من جهة أخرى، بانتقاء كل الجوانب الإيجابية التي راكمتها الحداثة ومكنت الغرب من بلوغ المكانة التي هو عليها اليوم.

وبناء على ما سبق نعيد عرض السؤال المركزي لإشكالية هذا المقال، هل أزمة الأمة تكمن في الدين الإسلامي، أم أن أزمتها تكمن في نمط التدين الذي كرسته عصور تقهقر الأمة الإسلامية، وتفكك نظام الحكم “الخلافة فيها؟ ثم إذا لم يكن الدين هو سبب تخلفنا كما برهنا على ذلك آنفا، فما هو السبب الرئيس الذي أوصل الأمة إلى هذا الانحطاط والتخلف، حتى أصبح الدم المسلم هو أبخس وأرخص دم في العالم، وأصبحت الأوطان الإسلامية الأكثر استباحة من غيرها، كما غذت القوانين الدولية تعني كل البشر في العالم غير المسلمين، وها هي ذي غزة الصامدة شاهدة على ذلك؟ ما هو يا ترى نمط التدين المنحرف الذي انحرف بنا وأودى بنا إلى هذه المهاوي؟ وما السبيل إلى تصحيحه بغية استرجاع إمامة العالم حضاريا وأخلاقيا وإنسانيا؟

يتبع في الجزء الثاني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.