“أهمية المهارات الحياتية”
ذ. نصر الدين حمامي
مقدمة:
اهتمت الدول المتقدمة في مناهجها باكتساب أبنائها المهارات الحياتية، تلك المهارات التي تجعلهم قادرين على التفاعل مع الحياة اليومية بكل إيجابياتها وسلبياتها، وبالتالي تكون المعارف التي تحتويها الكتب المدرسية ذات وظيفة أساسية هي عرض الجانب النظري للمهارات الحياتية على أن يتم ذلك مع ما يتاح للمتعلم من فرص لممارسة وتطبيق كل ما درسه نظريا مع واقع الحياة.
وقد جاءت هاته الورقة البحثية لتجيب عن بعض الأسئلة المتعلقة بالمهارات الحياتية في الواقع المعاصر، من قبيل مفهوم المهارات الحياتية، وأنواعها، وأهميتها، والحاجة إلى اكتسابها، وخصائصها، وبعض معيقاتها.
المبحث الأول: مفهوم المهارات الحياتية وأنواعها وأهميتها:
المطلب الأول: مفهوم المهارات الحياتية:
يعرف حجازي المهارات الحياتية بأنها: “مجموعة من المهارات التي يحتاجها الطالب لإدارة حياته، وتكسبه الاعتماد على النفس وقبول آراء الآخرين، وتحقيق الرضا النفسي له، وتساعده في التكيف مع متغيرات العصر الذي يعيش فيه، مثل مهارة التواصل، القيادة ، العمل الجماعي، حل المشكلات واتخاذ القرار”[1] ويعرفها الجديبي بأنها: “مهارات تعني ببناء شخصية الفرد القادر على تحمل المسؤولية، والتعامل مع مقتضيات الحياة اليومية على مختلف الأصعدة الشخصية والاجتماعية والوظيفية، على قدر ممكن من التفاعل الخلاف مع مجتمعه ومشكلاته بروح مؤمنة مخلصة لأمتها”. كما عرفها الخوالدة على أنها: “أنماط السلوك الشخصية اللازمة للأفراد للتعامل بثقة واقتدار مع أنفسهم ومع الآخرين ومع المجتمع، وذلك باتخاذ القرارات المناسبة والصحيحة، وتحمل المسؤوليات الشخصية والاجتماعية وفهم النفس والآخرين وتكوين علاقات إيجابية مع الآخرين وتفادي حدوث الأزمات والقدرة على التفكير الابتكاري”[2].
وعرفتها منظمة اليونسكو على أنها: “مجموعة من القدرات المعروفة والشخصية والاجتماعية اليت تساعد الأشخاص على اتخاذ قرارات مدروسة، وحل المشكلات، والتفكير بطريقة نقدية وإبداعية، والتواصل بفاعلية، وتكوين العلاقات الصحية، والتعاطف مع الآخرين، ومواجهة حياتهم الشخصية وإدارتها بشكل إيجابي وسليم “[3]
لقد أدى التباين على مستوى تحديد مفهوم المهارات الحياتية، إلى الاختلاف حول تصنيفها، حيث قسمتها منظمة اليونيسف إلى أربعة أقسام رئيسة: مهارات الإدارة (تقدير الذات، الثقة بالنفس) والمهارات الإدراكية (اتخاد القرار، حل المشكلات) ومهارات العمل المشترك (التخطيط والقيادة) ثم المهارات الاجتماعية (التواصل، التفاوض). كما تم تصنيفها إلى ثلاث مهارات أساسية: مهارات نفسية (إدارة المشاعر)، مهارات اجتماعية (التواصل والعلاقات بين الأشخاص)، ومهارات عقلية (الإبداع، التفكير النقدي).
المطلب الثاني: أنواع المهارات الحياتية بالنسبة للفرد:
أشار تقرير منظمة الصحة العالمية (1993) إلى عشر مهارات أساسية واعتبرها أهم مهارات الحياة بالنسبة للفرد وهي مهارات:
- اتخاذ القرار.
- حل المشكلة.
- التفكير الإبداعي.
- التفكير الناقد.
- الاتصال الفاعل.
- العلاقات البين شخصية.
- الوعي بالذات.
- التعاطف.
- التعايش مع الانفعالات
المطلب الثالث: أهمية المهارات الحياتية:
إن امتلاك المهارات الحياتية يعتبر جزء أساسيا من قدرة الفرد على مواجهة تحديات الحياة اليومية، لذا تلعب المهارات الحياتية أهمية أساسية في حياة الأفراد، نستطرق من هذه المهارات وأهميتها فيما يأتي:
المهارات الحياتية هي التي تجعل الفرد قادرا على إدارة التفاعل الصحي بينه وبين الآخرين وبينه وبين البيئة والمجتمع، مثل ذلك أن الفرد لابد أن تكون لديه القدرة على الاتصال اللغوي وهذا الأمر يساعده على عرض أفكاره وآرائه بإيجاز ووضوح دون حاجة إلى استطراد وتقديم التفاصيل، وفي غنى عنها، وهذا يساعده على معايشة المجتمع والمشاركة في أحداثه، والتعامل مع كل المواقف التي تواجهه.[4]
إن تمكين الفرد من المهارات الحياتية وممارستها في مختلف المواقف يشعر الفرد بالفخر والاعتزاز بالنفس، ذلك أنه عندما يطلب منه أن يؤدي عملا من الأعمال ويتقن ما طلب منه، فإن هذا يشعر الآخرين بالثقة فيه، ويعطيه هو المزيد من الثقة بالنفس وبالتالي نجد الفرد في موقف يحاول فيه دائما أن يحتفظ بتقدير الآخرين وأن يحظى دائما بنظرات الإعجاب ولعل هذا ينطبق على القول الشائع الذي يقول إن النجاح يؤدي الى النجاح.[5]
تساعد المهارات الحياتية على الربط بين الدراسة والتطبيق للفرد وذلك لكشف الواقع الحياتي[6]، إلى جانب كثرة التدريب والمران على استخدام وتطبيق تلك القوانين في الحياة بينهم مما لا شك في زيادة انضباط الذهن، ويجعل التفكير أقوى حجة وفعالية.
المهارات الحياتية تعد من متطلبات التنمية البشرية في العصر الحالي، ويؤكد ذلك اهتمام بعض الأنظمة التعليمية بها باعتبارها مقررا دراسيا منفصلا، أو دمج بعض عناصرها أو بعض محاورها في مختلف المواد في المراحل التعليمية المختلفة ووجوب اكتساب الفرد لتلك القدرات والتمكن منها للتعامل بنجاح مع متغيرات الحياة اليومية.
ولذلك تعتبر الحياة المدرسية مدخلا أساسيا لبناء المهارات الحياتية والتي لا يفترض فيها أن يقتصر بناء المهارات الحياتية للمتعلمين على البرامج والمناهج التربوية فقط، بل يجب أن يمتد تعليمها ليشمل كذلك أنشطة الحياة المدرسية، وبناء عليه، جعل الميثاق الوطني للتربية والتكوين -المغربي كنموذج- من الحياة المدرسية عاملا محددا لتشييد معالم مدرسة مغربية مفعمة بالحياة والدينامية، وذلك بفضل أسس مقاربة تربوية مغايرة، قوامها الارتقاء بالمتعلم من سياق التلقي السلبي إلى مستوى المشاركة الفاعلة في جميع الممارسات والأنشطة التربوية، وتحفيزه على التعلم الذاتي، وجعل المدرسة فضاء منفتحا على محيطها الاقتصادي والسوسيو مهني، ومجالا حيويا للارتقاء بالفرد والمجتمع، مسايرة لمتطلبات التنمية البشرية والمستدامة.[7] لقد نص القانون الإطار المغربي رقم 51.17 على ضرورة إكساب المتعلم المهارات الحياتية والكفايات الازمة التي تمكنه من الاندماج في الحياة العلمية، والمشاركة الفاعلة في الأوراش التنموية للبلاد، وعلى تنمية القدرات الذاتية للمتعلمين، وصقل حسهم النقدي، وتفعيل الذكاء وتشجيع قيم النبوغ والابتكار في جميع المجالات.
من أهداف المهارات الحياتية للأنشطة التربوية داخل الحياة المدرسية تمكن المتعلم من :
- حفز المتعلمين على العمل ضمن فريق، وتوعيتهم بأهمية التعلم الجماعي والتعاوني.
- إعمال الفكر، والقدرة على الفهم والتحليل والنقاش الحر، وإبداء الرأي واحترام قيم الاختلاف.
- ضمان النمو المتوازن عقليا، وجدانيا، حس حركيا.
- تكريس المظاهر السلوكية الإيجابية، والتحلي بالسلوك الحسن أثناء التعامل مع كل الفاعلين في الحياة المدرسية.
- تحرير الطاقات الإبداعية؛ عبر فتح المجال أمامهم لممارسة التفكير النقدي والتفكير التحليلي والنقد الذاتي.
- تحسيسهم بأهمية الانفتاح على المحيط، والاقبال على الحياة بكل إيجابية.
- تدريبهم على أهمية توظيف مجموعة من الذكاءات المتعددة من أجل مواجهة مختلف التحديات بكل مرونة وطلاقة.
المبحث الثاني: الحاجة إلى اكتساب المهارات الحياتية وخصائصها وبعض معيقاتها:
المطلب الأول: الحاجة إلى اكتساب المهارات الحياتية:
ثمة فرق واضح وجلي بين النجاح الشخصي والمهني، فالكثير من الأفراد حققوا نجاحا باهرا على المستوى المهني لكنهم وللأسف الشديد فاشلون على المستوى الشخصي نظرا لافتقادهم للمهارات الحياتية والتي من شأنها أن تساعدهم على تحقيق النجاح الشخصي، لذلك تعد المهارات الحياتية من بين المهارات الأساسية التي يحتاجها كل أفراد المجتمع على حد سواء، لما لها من أهمية بحيث أنها تمكن الفرد من تعزيز قدرته على التأقلم مع كل الظروف المحيطة به وتؤهله لكي يكون مندمجا بشكل يسمح له بالمساهمة في تطوير ذاته وبناء مجتمعه والسير به نحو الأمام.
عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم»[8] قال ابن القيم في أعلام الموقعين[9]: “وكما يذم الناس أرباب الحيل فهم يذمون أيضاً العاجز الذي لا حيلة عنده لعجزه وجهله بطرق تحصيل مصالحه، فالأول ماكر مخادع والثاني عاجز مفرط، والممدوح غيرهما وهو من له خبرة بطرق الخير والشر خفيها وظاهرها، فيحسن التوصل إلى مقاصده المحمودة التي يحبها الله ورسوله بأنواع الحيل، ويعرف طرق الشر الظاهرة والخفية التي يتوصل بها إلى خداعه والمكر به فيحترز منها ولا يفعلها ولا يدل عليها”.
المطلب الثاني: خصائص المهارات الحياتية:
تتحدد المهارات الحياتية اللازمة لمعايشة الإنسان للحياة في مجتمع ما في ضوء طبيعة العلاقة التأثيرية التبادلية بين كل من الفرد والمجتمع، ومن ثم فقد نجد تشابهاً في طبيعة بعض المهارات الحياتية اللازمة للأفراد والمجتمعات الإنسانية بصفة عامة، بينما نجد اختلافاً في طبيعة بعض المهارات الحياتية الأخرى ويرجع ذلك الاختلاف لطبيعة وخصائص المجتمع ودرجة تقدمه، وفي ضوء ذلك حدد تغريد عمران خصائص المهارات الحياتية فيما يلي:[10]
1- تتنوع بحيث تشمل كل من (الجوانب المادية وغير المادية) المرتبطة بأساليب لإشباع الفرد لاحتياجاته ولمتطلبات تفاعله مع الحياة وتطويره لها
2- تختلف من مجتمع لآخر تبعاً لطبيعة كل مجتمع ودرجة تقدمه، وتختلف من فترة زمنية لأخرى، فاحتياجات الإنسان البدائي تختلف عن احتياجات الإنسان في الوقت الحاضر.
3- تعتمد على طبيعة العلاقة التبادلية بين الفرد والمجتمع، وبين المجتمع والفرد ودرجة تأثير كل منهما بالآخر.
4- تستهدف مساعدة الفرد على التفاعل الناجح مع الحياة وتطوير أساليب العيش فيها، وما يعنيه هذا من ضرورة التفاعل مع مواقف الحياة التقليدية بأساليب جديدة ومتطورة وذات فاعلية.
المطلب الثالث: المعيقات والصعوبات التي تُعيق تنمية المهارات الحياتية:
هناك العديد من المعيقات التي تواجه تنمية المهارات الحياتية منها ما يلي:
عدم الاقتناع واستيعاب المهارات الحياتية.
ضآلة دور ومشاركة المتعلمين في تصميم الأنشطة الإعلامية والتثقيفية وتنفيذها.
عدم تهيئة البيئة المدرسية لتطبيق المهارات الحياتية.
عدم إعطاء وسائل الإعلام الأهمية لدور المهارات الحياتية وأثرها على المتعلمين وبخاصة المراهقين منهم.
اكتظاظ حجرات الدراسة بالمتعلمين.
طبيعة المعلم وحالته الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم النفسية.
ندرة الكتب والمراجع والدراسات المتخصصة في المهارات الحياتية.
خاتمة:
من خلال هذه الورقة يتبين أن المهارات الحياتية أصبحت ضرورية للنجاح، هذه المهارات تساعد في التعامل مع المشكلات اليومية، كما تساعد في تجنب الأخطاء وتحسين نمط الحياة.
وبالتالي، اكتساب هذه المهارات يجعل الإنسان أكثر قدرة على التكيف مع الظروف المختلفة، ويساعد ذلك على التعامل بإيجابية مع التحديات، وهذا يؤدي إلى تحقيق النجاح في الحياة على جميع المستويات الشخصية والأسرية والمهنية..
فهرس المصادر والمراجع:
- حجازي، رضا، فعالية التنظيم الحلزوني لمحتوى وحدات المادة في التحصيل وتنمية المهارات الحياتية لدى تلاميذ الفصل متعدد الصفوف، المؤتمر العلمي العاشر، التربية العملية، تحديات الحاضر ورؤى المستقبل، مصر.
- الخوالدة، فؤاد، فاعلية برنامج تربوي قائم على نظرية العقل في تحسين جودة الحياة للأطفال ذوي الإعاقة التطورية والفكرية، دراسات العلوم التربوية.
- د. خالد العلوان، مهارات الحياة، مقرر في قسم العلوم الإنسانية المساندة، الجامعة الهاشمية الأردن.
- أسكاوس فيليب وآخرون 2005، تنمية المهارات الحياتية لدى طلاب التعليم الثانوي في إطار مناهج المستقبل، القاهرة المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية.
- محمود عبد الرزاق مختار، فعالية وحدة مقترحة في أناشيد وأغاني الأطفال لإثراء بعض المهارات الحياتية اللازمة لهم، مجلو نور المعرفة العدد 42 أبريل.
- الإمام البخاري، الأدب المفرد، باب الذي يصبر على أذى الناس رقم الحديث 388، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي المطبعة السلفية ومكتبتها – القاهرة 1379 هـ
- ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، 1423هـ
- عبد الرحمن جمعة وافي، المهارات الحياتية وعلاقتها بالذكاءات المتعددة لدى طلبة المرحلة الثانوية في قطاع غزة، رسالة ماجستر.
[1] حجازي، رضا، فعالية التنظيم الحلزوني لمحتوى وحدات المادة في التحصيل وتنمية المهارات الحياتية لدى تلاميذ الفصل متعدد الصفوف، المؤتمر العلمي العاشر، التربية العملية، تحديات الحاضر ورؤى المستقبل، مصر، مجلد 1، ص 352
[2] الخوالدة، فؤاد، فاعلية برنامج تربوي قائم على نظرية العقل في تحسين جودة الحياة للأطفال ذوي الإعاقة التطورية والفكرية، دراسات العلوم التربوية، مجلد40، 388
[3]د. خالد العلوان، مهارات الحياة، مقرر في قسم العلوم الإنسانية المساندة، الجامعة الهاشمية الأردن، ص7
[4] أسكاوس فيليب وآخرون 2005، تنمية المهارات الحياتية لدى طلاب التعليم الثانوي في إطار مناهج المستقبل، القاهرة المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية، ص43
[5] المرجع السابق ص 43
[6] محمود عبد الرزاق مختار، فعالية وحدة مقترحة في أناشيد وأغاني الأطفال لإثراء بعض المهارات الحياتية اللازمة لهم، مجلو نور المعرفة العدد 42 أبريل، ص45
[7] مديرية الحياة المدرسية، 2019، صفحة 4
[8] الإمام البخاري، الأدب المفرد، باب الذي يصبر على أذى الناس رقم الحديث 388، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي المطبعة السلفية ومكتبتها – القاهرة 1379 هـ
[9] ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، 1423هـ، ج5 ص189
[10] عبد الرحمن جمعة وافي، المهارات الحياتية وعلاقتها بالذكاءات المتعددة لدى طلبة المرحلة الثانوية في قطاع غزة، رسالة ماجستر ص36