الرباط القلبي أساس التمكين
بقلم: ذ. سمير منسي
تحدث كثير من رواد الثورة والنصر عن الاستعداد اللازم للتمكين في الأرض، ومنهم من عزا التمكين إلى ضرورة التمكن العقلي والفكري، ومنهم من ركز على ضرورة الاهتمام بالجانب السياسي والتدافع في الشأن العام للحصول على القيادة ومنهم من أكد على القوة المالية التي تركع بها كل الذمم والعقول والبلدان وهكذا تعددت النظريات، وقليل منهم من تحدث عن التمكن من قلوب الناس وغزوها بالمحبة والاحترام بصفته بناء أساس، بمعنى السعي إلى فتح الوجدان قبل البلدان.
التمكين القلبي في اعتقادي هو التمكين الأساس، الذي يبنى عليه كل تمكين حكيم سليم مستقيم يؤتي ثماره في تحقيق المصلحة العامة للبشرية.
وإني أستعين بالقرآن وبالتطبيق العملي للرسول صلى الله عليه وسلم للتحدث عن التمكين القلبي الذي هو تغيير لكل تغيير. يقول الله تعالى “إِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّيٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْۖ “سورة الرعد آية 12.
تغيير ما بالنفس يعني إصلاح الباطن والاشتغال على القلب تطهيرا من الذنوب وتعميرا بالذكر وارتباطا بالخالق عز وجل، فبه يصلح الجهاز البشري كاملا، مصداقا للحديث المروي عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ”1.
يقول الشيخ محمد رشيد علي رضا في تفسير المنار “تبحث عن العلاج فتجده في قوله تعالى إِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّيٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْۖ (الرعد 12). وإنما يكون التغيير بالتوبة النصوح، والعمل الذي تصلح به القلوب فتصلح الأمور، كما قال العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم إذ توسل به عمر والصحابة بتقديمه لصلاة الاستسقاء بهم: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يرفع إلا بتوبة”.2
فالذي يريد أن يتعبد الله بالتمكين في الأرض يحتاج الى إصلاح نفسه ومن معه، ذلك أن بناء المتمكن في الأرض يبدأ بالتمكن من القلوب محبة ثم إصلاحا للنفس وتربية للجند، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “يرتبط فقه سنة الله في التاريخ بفقه القلوب ارتباطا عضويا. وفي قول الله عز وجل: إِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ” سورة الرعد آية 12. إجمال لهذا الفقه المزدوج …جماع الداء فتنة القلوب ومرضها وصممها وانغلاقها وقسوتها. وجماع العلاج شرحها بالإسلام وإلانتُها بالإيمان واطمئنانها بذكرالله” 3.
صفة الربانية أساس في مشروع التمكين في الأرض، ذلك ليكون القصد من التمكين إرادة الخير للإنسانية، وإحقاق الحق وإبطال الباطل، وقطع الصلة مع الظلم والطغيان، أما إذا كانت النفوس الطامعة في النصر تطمح إلى المناصب وتحقيق المصالح الشخصية على حساب الشعوب، فإن التمكين منذ البداية يحكم على نفسه بالزوال عاجلا أم آجلا، يقول الله تعالى: “وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً اَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا اَ۬لْقَوْلُ فَدَمَّرْنَٰهَا تَدْمِيراٗۖ “سورة الإسراء آية 16.
في معرض حديثه عن أهمية الجانب الإيماني للداعية الذي يصبو إلى تغيير ما بالأمة يقول الشيخ علي الصلابي:” الإيمان قوة عظمى يستعلى بها المؤمن على كل قوى الأرض، وكل شهوات الدنيا، ويصبح حرا لا سلطان لأحد عليه إلا لله، فلا يخاف إلا من الله، ولا يذل إلا لله، ولا يطلب إلا من الله، ولا يأمل إلا في الله، ولا يتوكل إلا على الله، وللإيمان تأثير كبير في أعظم أمرين يسيطران على حياة البشر وهما: الخوف على الرزق، والخوف على الحياة” 4.
قائد التغيير قدوة لمن معه من الجنود في الاستقامة القلبية والأخلاقية، قائد يحترم القيم الإنسانية المتعارف عليها، بل هو مرب لمن معه، يتعهدهم بالإرشاد والتوجيه لتأهيلهم إيمانيا، يقول الأستاذ علي الصلابي رحمه الله:” إن أسباب التمكين تنقسم إلى نوعين: (أسباب معنوية، ومادية). فمن أهم الأسباب المعنوية: إعداد الأفراد الربانيين، والقيادة الربانية، ومحاربة أسباب الفرقة، التي من أهمها: الابتداع، والجهل، واتباع الهوى، وتحكيم العقل وتقديمه على النصوص، ومخالفة منهج أهل السنة في النظر والاستدلال”5.
لهذا وجب على قائد التمكين أن يضع نصب عينه تربية من معه على صدق النية وصلاح القصد والرجوع إلى رسالة الإسلام ودعوة القرآن مخافة أن ينقلب الامر إلى انتصار للنفس وإرضاء للأهواء، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “مهمة تغيير ما بنا لا حل لها إن لم نغير ما بأنفسنا. قال الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. فكما خذلنا حين تنكبنا شريعته ينصرنا إن رجعنا إليه. والرجوع إلى الله إنما يكون عن دعوة داع وتربية مرب. وإرجاع الأمة بكاملها إلى الله تعالى قضيتنا. فقبل أن نصل إلى الحكم تبذل الدعوة جهدها لتغيير وجهة سفينتنا الموحولة في المياه الفتنوية العكرة. وعندما يلتقي وازع القرآن بوازع السلطان يتاح للأمة أن تعيد ترتيب السفينة وأجهزتها من داخل، وأن توجهها الاتجاه الصحيح وأن ترحض المياه العكرة، وتنزح الأوحال. ” 6.
أمر التربية في مشروع التمكين ليس مجرد كلمات تقال في مسجد، أو محاضرة تلقى في فضاء علمي، أو كتاب في الموضوع ينشر أو رسائل في العالم الأزرق تنثر، وإنما هي برنامج حياة الفرد والجماعات، ارتباط عضوي بين أفراد جند الله المؤهلين للتمكين في الأرض تحاببا وتناصحا وتواصيا بالحق والصبر، يقول ربنا عز وجل”: وَالْعَصْرِ إِنَّ اَ۬لِانسَٰنَ لَفِے خُسْرٍ (1) اِلَّا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ اُ۬لصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ (2) وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِۖ (3) سورة العصر.
الخاسرون المنهزمون هم الذين لا يتواصون بالصبر ولا يتواصون بالحق، فلا أمر لهم بالمعروف ولا نهي عن المنكر، وضد الخسران الفوز، وهو بحسب سورة العصر حليف المتواصين والعاملين على التناصح والمتمسكين بالحق. حيث تصبح وجهة التمكين وجه الله مع التخلص من الاحتكام إلى غير الله.
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “تربية. وتدريب. وتحميل. وزمن. وصبر. إلى أن تتبخر الأهوية الفاسدة، ويذهب الزبد المتخمر المغطي على العقول والإرادات جفاء.
هذا الشرط هو أساس كل تغيير. قال الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. (الرعد11)” 7 .
اشتغل الرسول صلى الله عليه وسلم على تربية أصحابه على التحابب، فتحبب إليهم بحسن خلقه ولطف معاشرته، ودعاهم القرآن إلى محبته وتوقيره، يقول ربنا عز وجل: “إنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداٗ وَمُبَشِّراٗ وَنَذِيراٗ (8) لِّتُومِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۖ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةٗ وَأَصِيلاًۖ (9) سورة الفتح الآيتان 8، 9.
ربط الله عز وجل محبته سبحانه باقتفاء أثر المصطفى محبة وطاعة، وذلك في قوله جلت قدرته: قُلِ اِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اَ۬للَّهَ فَاتَّبِعُونِے يُحْبِبْكُمُ اُ۬للَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْۖ وَاللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞۖ (31) [سورة آل عمران آية 31.
استجاب الجيل الأول للنداء فأحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى النخاع، وفضلوه وآثروه على أنفسهم وأهاليهم وأموالهم وعلى كل ما يملكون.
جاء في كتاب (السيرة النبوية):” قام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاء بني تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة.
فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه”8.
هذا أبو بكر الصديق يسأل عن الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما يفيق من غيبوبته، في معرض التمكين في الأرض والدفاع عن القائد يبزغ ويهجم التمكين الأساس، تمكين الله لرسول من قلوب أصحابه، يسألون عنه ناسين أنفسهم، يقول ربنا مبينا ما أنعم الله على رسوله من تأليف قلوب الصحابة على الخير.“وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْۖ لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِے اِ۬لَارْضِ جَمِيعاٗ مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اَ۬للَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُۥٓۖ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞۖ (64) يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّبِےٓءُ حَسْبُكَ اَ۬للَّهُۖ وَمَنِ اِ۪تَّبَعَكَ مِنَ اَ۬لْمُومِنِينَۖ (65) [سورة الأنفال 64 ،65]، وليلاحظ المتدبر للآيتين كيف أن الله رفع من شأن الصحبة الناصرة فأضافها إليه وإلى نصره عز وجل إضافة تشريف، كما أنه لتحقيق سنة التمكين أضاف نصرة المؤمنين للرسول صلى الله عليه وسلم إلى تأليف القلوب محبة وتحاببا، ليبين أن التمكن من القلوب أساس في التمكن في الأرض وان امتلاك الوجدان مقدمة لامتلاك البلدان.
وتشهد شواهد أخرى عن محبة الصحابة رضي الله عنهم للرسول صلى الله عليه وسلم وكيف أنه تمكن من قلوبهم محبة وودا.
ومما يروى من محبة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما جاء في صحيح البخاري عن أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام يقول: ” كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم الآن يا عمر” 9
وعن أنسٍ قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: “لا يُؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والدِهِ وولدِهِ والناسِ أجمعين .”10
ولم يملك الرسول قلوب الصحابة من الرجال فقط وإنما كان له تمكن كبير في قلوب المؤمنات أيضا، جاء في سيرة بن إسحاق: “وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد، فذكر سعيد بن أبي زيد الأنصاري أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول: دخلت على أم عمارة، فقلت لها: يا خالة، أخبريني خبرك. فقالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمي عن القوس، حتى خلصت الجراح إلي. قالت: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور، فقلت لها: من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قمئة أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول: دلوني على محمد، لا نجوت إن نجا. فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كانت عليه درعان “11.
ليس للدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم في ظروف عصيبة تفسير إلا محبته صلى الله عليه وسلم والتفاني في التضحية بالغالي والنفيس من أجله.
استمد الصحابة الإيمان من الرسول صلى الله عليه وسلم، فربط الله على قلوبهم. جمعهم مربيهم على الله تعالى في مجامع الخير مجالسة وذكرا، يروي إحداها أَبو شداد بن أَوسٍ، وعبادة بن الصامتِ، حاضر يصدقه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ” هل فيكم غرِيب؟ “ يعني أَهل الكتاب. فقلنا: لا يا رسول اللَه. فأمر بغلق الباب، وقال: «ارفعوا أيديكم، وقولوا: لا إله إلا اللَّه “ فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم قال: “الحمد لله، اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأَمرتني بها، ووعدتني عليها الجنة، وإنك لا ُتخلف الميعاد” ثم قال: “أَبشروا، فإن الله عزَ وجل قد غفر لكم 12.
حينما يربط الله على قلوب القائد ومن معه ممن اصطفاهم الله للنصر والتمكين، فقد وضعوا أنفسهم على أولى خطوات التمكين، طاقة أولية أساس لما بعدها، يقول الإمام عبد السلام ياسين: “الإيمان يتجدد بالإكثار من قول لا إله إلا الله، فعندما تكون الصحبة صالحة، رجلا صالحا وجماعة صالحة، ويقبل الكل على ذكر الكلمة الطيبة النورانية حتى يخرجوا عن الغفلة، ينشأ جو إيماني مشع، ينشأ في الجماعة فيض إلهي، رحمة، نور تستمد منه القلوب بعضها ببعض. فتلك هي الطاقة الإيمانية، الجذوة الأولى التي تحرك القلوب والعقول لتلقي القرآن بنية التنفيذ كما كان يقول سيد قطب رحمه الله”13.
بهذه الطاقة تستطيع طليعة النصر أن تتحدى كل الصعاب فيأتيها النصر العزيز وقد تجاوزت كل العراقيل، ذلك لأن الصف متراص بالقلوب الملتفة على بعضها بالمحبة والمودة، ولولا رابط المحبة الذي ألف الله به بين إخوتنا في غزة العزة لكان للقضية مسار آخر، التفاف الشعب الفلسطيني على قادته جعلهم جسما واحدا ضد العدو ففي الشتات التفرقة والضعف، يقول الإمام عبد السلام ياسين: “طليعة قدوة تحمل مشروعا تجاهد عليه الأبيض والأحمر بصدق وثبات وروحانية. ذلك ما يكفل -بعد توفيق الله عز وجل-أن تلتف الجماهير حول طليعتها عندما تناجي القلوبُ القلوبَ، وينور العقلُ العقولَ، وتقترب الأنفاسُ خاشعة جميعا في صف الصلاة، وتمتد اليد بالعطاء، وترفق طليعة الحق بساقة الجند وأجنحتهُ حانيةٌ مُحبة فادية”14.
هذه الوحدة القلبية من شأنها ان تقضي على ما يهدد جند التمكين من التفرقة القاتلة، والتي تكون بسبب الأنانية وحب الذات والتعصب للرأي، يقول الشيخ علي الصلابي”: إن محاربة البدع والتمسك بما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والاقتداء بهم، طريق الوحدة، واجتماع كلمة الأمة، وقوة بنيانها، ورصانة دعائمها، ومثانة قواعدها لإرجاع مجدها وعزتها من أهم الأسباب لهذا الدين” 15.
لا نصر مأمول والقلوب مفرقة، لا يمكن الله في الأرض من لم يتمكن من قلوب من معه محبة وارتباطا، يأتي التمكن للأمة حين تجتمع وتتوحد يقول الإمام عبد السلام ياسين:” لا يمكن علاج القلوب المريضة المستجيبة للأنانيات المفرقة، والعصبيات الطاغوتية، والخلافات المذهبية، والسيادات الإقليمية، والعادات المحلية، والخصوصيات العرقية، إلا بتقوية الإيمان. ولا مطمع للأمة في استعادة هويتها وتثبيت وجودها في العالم إلا بتأليف القلوب، ذلك التأليف الذي لا تتحكم فيه الإرادة البشرية ولا تتصرف فيه الحيلة السياسية، وإنما يأتي نصرا من عند الله عز وجل وتأييدا يَتَنَزَّل بركات من سماء الفضل الإلهي على جماعة المؤمنين حين تتوجه القلوب إلى ربها مخلصة ضارعة”16.
ولكن هل يكفي التمكن القلبي وحده لمواجهة أهل الباطل الذين يتسلحون بكل الأسلحة المادية المتاحة؟ لا بد إذا من إعداد العدة اللازمة لتقويض الباطل، وإنما يبنى على هذا الأساس المتين ـ الرابطة القلبيةـ كل أسباب التمكين التي جعلها الله سننا مطردة لا تتغير ولا تتبدل والتي جمعت في الإعداد الشامل المتنوع للقوة الصادة للعدو الذي إذا يود أن يميل على الحق وأهله ميلة واحدة، يقول الله تعالى:” وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اَ۪سْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ اِ۬لْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ اَ۬للَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اُ۬للَّهُ يَعْلَمُهُمْۖ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَےْءٖ فِے سَبِيلِ اِ۬للَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَۖ (61) 17.
لكن كل أوجه القوة العلمية والمادية إن لم تبن على الأساس القلبي المتين فإن المآل لا قدر الله التفرقة والضعف والهزيمة، حيث التهافت على السلطة والرئاسة وحب الظهور، حفظ الله أمتنا من الشتات ونصرها الله على من عاداها والحمد لله رب العالمين
1 ـ رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه 28 /1؛ ومسلم في كتاب البيوع، باب أخذ الحلال وترك الشبهات 1219 /3
1599.
2 ـ محمد رشيد بن علي رضا، تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة النشر 1366هـ –
.277، ص8.
3 ـ الإمام عبد السلام ياسين، سنة الله، ص 4.
4 ـ علي محمد محمد الصلابي، فقه النصر والتمكين، دار المعرفة، طبعة 2009، بيروت، لبنان، ص334.
5 ـ علي الصلابي، فقه النصر والتمكين، ص 509و508.
6ـ الإمام عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص264.
7 ـ عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 43.
8 ـ ابن إسحاق، السيرة النبوية ج 1، ص4.
9 ـ رواه البخاري، في الصحيح، كتاب: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت
يمين النبي صلى الله عليه وسلم، رقم: 6257
10 ـ رواه البخاري، في الصحيح، كتاب: كتاب الإيمان، باب حب الرسول صلى
الله عليه وسلم من الإيمان، رقم 1.
11 ابن إسحاق، السيرة النبوية، ج 1، ص41.
12 ـ مسند أحمد ابن حنبل، مسند الشاميين، حديث شداد بن أوس، رقم 16867.
13 ـ عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 56
14 ـ عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، الطبعة الأولى،
مطبوعات الأفق البيضاء، سنة 1994، ص 12.
15 ـ الشيخ علي الصلابي، فقه النصر والتمكين، ص253، 252.
16 ـ عبد السلام ياسين، الإحسان، ج 2، ص 4.
17 ـ سورة الأنفال / 61.